|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حائر على المسرح إثم عظيم، ذلك الذي أتيته على خشبة المسرح كنت نائماً حينما جاءتني نوبة النبوءة. أن تدرك الحقيقة فجأة في إغفاءة خفيفة! ذاك مثير للدهشة. إنه نوم يماثل ما يعد أمام الجمهور على خشبة المسرح هي لحظة تقتنصها الآلهة لتخيط من نسيج الألم دروع الأبطال الساعين إلى الخلود. هأنذا أقر بحقيقة ما حدث. نحن اثنان، وقد قتلت الممثل الآخر، فعلتها بصمت وبراءة تامة، مثل عذراء أتت شيئاً بغياً ثم عادت مذهولة من سحر الحب والميتافيزيقيا. كانت جريمة، ولم تكن -ولا بد- محكمة الإعداد. رفع المقتول رأسه المخضبة بالدماء وقال: -ذاك هو جرمك الحق. اعتقدت المسدس فارغاً في يدي، كانت تمثيلية وحسب، لعبة، أو هكذا قرر المخرج. لقد تدربنا على هذا المشهد طويلاً، إنه أحد أهم مشاهد المسرحية، هذا ما أكده المخرج -قبل بدء العرض- أكده لي وهو يشد على كتفي مشجعاً إياي كمدرب ماهر. كنا نؤدي دورنا المرسوم بدقة، أشهرت المسدس، ثم أطلقت، وكانت الصدمة... لم تكن رصاصة وهمية، بل انطلقت نحو رأس رفيقي.. ثقبته.. فهوى الرجل صريعاً. وصفق الجمهور من دقة الأداء. تمتمت: -لقد عبث الشيطان -ولا بد- بالمسدس. قالت الجوقة: -ستكون حياتك كهفاً معتماً من الحسرة، وسيأكل الأسى قلبك، ضلال ولا شيء سوى الضلال. لم يكن يصغي إليّ أحد. أحسست أن في الأمر مكيدة وأن ثمة تواطؤاً بين الجوقة والقتيل. هتفت الجوقة بحماس مثير: -قد حطمت آلهتنا. الشيطان -صرخت لقد دفعني الشيطان لارتكاب جريمة لم أكن لأعيها البتة. لا بد أنه حبك كل شيء بدقة فائقة. خلت نفسي ازدرد الرعب والهواجس. القلب بارد والصمت ليل معتكر يسدل ستائره الغامضة على أرض المشاعر والرغبات. بدا وكأنني قد استبحت عوالم ضاربة جذورها في الأرض منذ القدم.. آه، لم أكن ولا شك كُفْئاً للتمييز بدقة، كان التاريخ قصة، وكنت أراني خارج الجمهور، واقفاً على المسرح. الحقيقة أن عيني غشاهما -ولا بد- غشي ما، وارتد جسمي بارداً كالتراب، ثم ارتجفت أناملي برهة.. -آه.. كنت تعرف إذاً! قال المقتول. تمتمت: -لست أدري بالضبط إن كنت محيطاً بالأمر أم لا، تلكم هي مفارقة المسرح. صاحت الجوقة: -إِثأر له من نفسك.. أنذاك أحسست بأني مجرم، هارب من عدالة نصب ميزانها الآن، كنت أحدس بكل ما أقدمت عليه، بالموقع الذي سوف تزلّ إليه قدمي، بصدى الكلمات، تقريباً بدا وكأنني لم أكن غافلاً عن كل الاحتمالات التي قد تطرأ، لقد انتابني شعور بالتردد.. إن منظر المسدس مهول.. حتى في المسرح، فالمسرح حي، مليءً بالمفاجآت، بل وقابل لكل شيء. إنك لتجد فيه نفسك بمواجهة الحقيقة. قلت لنفسي قانطاً: -سيأتي دوري، سوف أقتل نفسي لأريحها من جريرة الإثم، وكي لا أقع فريسة لشيطان الكفر والكآبة. قالت الجوقة: -إنك لا تصلح حتى لقتل نفسك. إنك تكذب، لقد أسلمت نفسك لرغباتك تلهو بك، لقد قتلت بالفعل نفسك. هجست: -كنت بالفعل على وشك أن أوقف المشهد حين اعتراني الشك. ثم هتفت: -بدلوا المسدس -لم يتبدل شيء صرخت كمن يحتضر. -إنهم يجيدون التمثيل. -قيل أن اليونان برعوا في التمثيل قديماً، وهو فن الانتقال من رقادة الطقس البدائي إلى يقظة العقل. ماذا فعلت أنت؟ أتحاول ارتداء ثوب غيرك؟ أنشدت وأنا أحسني حصاناً يجمح: -حاولت بناء مدينة، سككت الجير الأبيض والأصفر والأحمر، ابتدعت الرياضيات وراقبت مسيرة الأًفلاك، ثم صرخت في خلائط الآلهة والناس التي انضوت تحت كلمتي: "فوق العيشارة التي بنيت /سأمهد مكاناً صالحاً للبناء/ هناك ابني بيتاً لي وهيكلاً/ به قدس الأقداس رمز جلالتي/ وعندما تصعدون من الابسو للاجتماع/ سيكون مفتوحاً لاستقبالكم وبه تبيتون/ سأدعو اسمه بابل، أي بيت الآلهة /وسينهض لبنائه أمهر البنائين* . -ثم ماذا؟ -لست أدري كان حصار الغزاة يزداد حول عنقي كأنشوطة باغية، خلتني ضائعاً لا محالة خلتني انقرض كحيوان فقد مهارته. كان المسرح خانقاً، أحسست أني مجرد لعبة، وأن الجمهور جيش من الغرباء يريد افتراس مدينتي. فأطلقت الرصاصة. -... حدقت في أغوار نفسي العميقة، دققت ملياً، ثم تمتمت: -لقد أفلت شمس الوهم. ثم قلت في سرّي: -من الجائز أن المخرج هو الذي دس الرصاصة الحقيقية في المسدس خفيةً. عندئذٍ ظهر المخرج، رسم ابتسامة على شفتيه، ثم أومأ بيده فغرق المسرح في لجة الأضواء ألقى نظرة باردة على المقتول وقال له: -أيها الوهم، سوف أشتري لك نظارتين وعكازاً، شاخت روحك، وبلى جسدك، لقد نال منك أخيراً تاريخ مليء بالفوضى والغموض. إن حياتك محض تجارب يائسة. أكاد أشتم رائحة الديدان تنبعث من تعبك.. إنه فراغك ذاك الذي يظلك. ها أنت ذا ميت حقاً. أسدلت الستائر، فاختفى الجمهور. حملت الجوقة القتيل بخفة وغابت، وغادر المخرج بخطوات ثابتة خشبة المسرح تاركاً إياي غارقاً في الذهول، ثم عادت الستائر تفتح ووجدتني أُحَيّي جمهوراً يصفق بحماس شديد لممثل قدير استطاع أن يؤدي دوراً إيمائياً طويلاً بمفرده على خشبة المسرح. 1989 * اينوما ايليش -اللوح الخامس- فراس السواح- مغامرة العقل الأولى صـ 75 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |