شظايا الجسد - وفيق أسعد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

مفاتيح السماء الصلصالية

-1-‏

تناولني سترتي دون النظر إلى عينيّ، أتناولها دون النظر إلى عينيها، الأولاد لا يدركون.. الأكبر يمتطي عصا يتخيلها حصاناً، الصغرى تداعب وسادة صغيرة تتخيلها دمية، جيد أنهم لا يدركون.‏

هي لا تنظر إلى عينيّ لئلا ترى انكساري، أنا لا أنظر إلى عينيها لئلا أرى أحلاماً مقيدة، هي لا تطلب مني أكثر من طاقتي، طاقتي حجم رغيف، أعرف، هي تحبني، لا تقولها، تخشى أن تشعرني بأنها تعطف عليّ وتعرف بأنني أحبها ولا أقولها، أخشى أن تظن بأني أجاملها.‏

أرتدي السترة وأخرج.‏

أسير بلا هدف في شوارع تعيش حياتها المعتادة، السماء صافية ترقب، واجهات المحلات مزركشة تضيء وتنطفئ، فوانيس الشوارع شاحبة، الأرصفة يحتلها باعة متجوّلون يتغزلون ببضاعتهم ويقسمون بأغلظ الأيمان:‏

"يا مورد الخدين يا ناعم".. أنظر إلى التفاح وأتحسّر..‏

"يللي مالو جديد مالو عيد".. أتذكّر أولادي وأتحسّر..‏

"عنب يا عنّاب وهدية للأحباب يا عنب".. أنكمش كعنقود..‏

"أنا اشتريته ترمس لقيته لوز يا لوز يا ياترمس".. أنفرط..‏

"بشهّي الموت هـ الآس.طول النصابة هـ الآس" تفوح رائحة الموت، تبطئ من حركتي.‏

-2-‏

السماء ما تزال ترقب. تنغلق المحلات، تخفت الأضواء، تختفي الأصوات، لم يبق سوى أنا والقطط ورائحة الآس تذكرني بالعيد والأموات، أشعر بأنني وحيد في المدينة، أرغب أن أبقى هكذا أرغب أن تبقى المحلات مقفلة والشوارع مقفرة، الأضواء خافتة مطفأة تخفي الحقيقة، تخفي العيد، تخفي تعابير وجهي، أصير إنساناً آخر ذا ملامح جديدة لا يعرفها أحد حتى زوجتي وأولادي، أتلمّس وجهي، أجد نفسي هكذا كما رغبت، أفرح أرى الدنيا خضراء. تتنامى إلى مسمعي أطياف موسيقا تخرق الروح، تجذبني نحو تلة خضراء تعلوها وردة حمراء وأخرى بيضاء، أقترب منتشياً، تزعق سيارة تثقب عذرية الليل، يطير الفرح، يصير اخضرار التلة جدار بطيخ، تصير الوردة الحمراء بطيخة مفتوحة على شكل وردة تتوسط الجدار، الوردة البيضاء قبعة لرجل يقبع خلف الجدار يسمع أم كلثوم. أرتعش، ترتعش جدران الخيمة، أرتبك، أشعر بقحط في الروح، جفاف في الحلق، أدرك أني أمام خيمة لبائع بطيخ نُصِبت تحت شجرة كينا هرمة.‏

- تفضل.. تفضل.‏

- هل عندك كأس ماء؟‏

- على طربوشي.‏

أتناول الكأس، أشربها دفعة واحدة، أشكره، أهمّ بالسير..‏

- تفضل استرح، الظاهر أنك تعبان.‏

أم كلثوم، رائحة العرق، وجه الرجل الأليف يستوقفني، يحركني نحو ممر ضيق عبر جدار البطيخ، أجلس، يجلس قبالتي، تتوسطنا "تنكة" تنتصب وسطها زجاجة عرق وكأس شُربَ نصفها.‏

يسألني وهو يركّز جلسته إن كنتُ أشرب العرق أم يخترع لي "براد شاي أكرك عجم على كيف كيّوفي" أشكره..‏

-لا، لا يصح يا أستاذ..‏

يضيف وهو يعمِّرُ لي كأساً.‏

-كأس واحدة لا تضر، جاملنا، من أجل سمعة المحل.‏

يضعها أمامي.. يتابع..‏

-مزمز منه مزمزة.. ولو.‏

-ألا تضايقكَ الشرطة؟‏

يشير باتجاه بطيخة كبيرة:‏

-أكبر رأس شرطي أشتريه بورقة.‏

أُدرك أنه يعني مائة ليرة، مفردات الرجل أعجبتني، أقدم إليه سيجارة وأشعل واحدة:‏

-بلا مؤاخذة كم عمرك؟‏

يتطاير الدخان من فمه وأنفه:‏

-موديل قديم، لكنني أعجبك، صحيح أنني لا أعرف فكّ الحرف لكنني "مقضّي" كما أني ألتقطها على الطاير، اسمع.. اسمع:‏

".. أنا عربي......‏

...............‏

....................."‏

يضحك، لم أضحك، أردت أن أوضح له بأن هذه الأبيات ليست هكذا إنها من قصيدة جميلة لشاعر عربي مشهور يدعى محمود درويش..‏

-نحن الدراويش يا أستاذ ونحن الذين يجب أن نقول. آه، آه لو نعرف نحن الدراويش أن نكتب لو نعرف أن نعبّر عمّا هنا..‏

يضرب بقبضة يده على صدره، يرفع كأسه عالياً، أفعل مثله، يقرع كأسه بكأسي، يُصدر رنيناً حنوناً يرافقه صوته:‏

-بصحة حبيبك الشاعر درويش وحبيب الشاعر.. العربي.‏

أرشف من كأسي رشفة بسيطة، يدفق ما في كأسه في فمه دفعة واحدة، يهمس ضاحكاً وهو يكْسِر كأساً أخرى:‏

-بالمناسبة.. ما معنى عربي؟‏

أنظر في عينيه الوديعتين المحمرتين، أرغب أن أشرح له معنى كلمة عربي بالتفصيل، أقول:‏

-العربي نسبة إلى العرب والعرب أمة من الناس منشؤها شبه جزيرة العرب والعـ...‏

يقاطعني وهو يقدم إليَّ سيجارة ويشعل واحدة:‏

-والعربي.... عربي...‏

نظر إليَّ وغمزني متابعاً:‏

-"شلون" ألم أقل لك أنني "مقضّي" وألتقطها على الطاير "ايه مقضّي.. مقضّي لمصدّي"‏

ضحك، لم أضحك. يقطع ضحكته فجأة، ينظر إلى عينيّ، يتحسّر:‏

-إيه.. سألتني عن عمري، أنا يا أستاذ موديل الثلاثين، إذا صدقت هويتي؟ ختيرنا، باطل على بني آدم حين يختيّر، كل شيء فيه يتغير، انظر، انظر.. بربك هذا شكل يقابل الواحد منا فيه ربه، إنني أتعجب كيف يصير الإنسان هكذا، لماذا لا يبقى الإنسان محافظاً على شكله وقوّته حتى ولو صار عمره ألف سنة، تصوّر.. تصوّر لو مازلت قوياً لوجدتني الآن مع "شلتي" نعم كنّا "شلة" نلتقي كل يوم، نغني، نرقص، نسكر.. آه على تلك الأيام، كنت أشرب السبع بحرات ولا أدوخ، أرقص حتى الصباح ولا أتعب، أشعر بأنني أرقص فوق الغيم، على فروع الشجر، وحين أتعب كنت أمسح وجهي بالعرق، كنت أحب النساء كثيراً، اسمع..‏

يغبّ من كأسه، يعدّل جلسته، يستطرد:‏

- اسمع.. اسمع: وعدتني مرة امرأة فقررت أن آخذ لها باقة ورد وفي الموعد المحدد ذهبت إليها سكراناً "الله وكيلك طينة" وفي يدي باقة بقدونس..‏

يضحك، ولم أضحك.‏

- كنت شاباً، الدنيا عندي لا تساوي قشرة بصلة، نساء، عرق، سهر حتى الصباح، موعد العمل مع رفيق الدرب- الأصبح- كان حصاناً قوياً، أشدّ عليه الطنبر وأتّكل على الكريم وبإذن واحد أحد أنفق الطنبر قُبيل الظهر.. شرشرة "تنكة" هنا "وتنكة" هناك، وأعود إلى البيت محملاً بالأكياس، لا أذكر يوماً دخلت البيت خالياً، ليس كما الآن الحالة "آكلة هوا" ندخل "إيد من قدَّام وإيد من ورا" ربي كما خلقتني "شي بنكّس العكال" صرت يا زلمة أخجل، أخجل من النظر إلى عيني زوجتي وأولادي، قلّتْ هيبتنا وضاعت كرامتنا.. هذا ذلّ أعيشه منذ مات- الأصبح- كان فجراً أسود يوم دخلت الإسطبل فوجدته جثة هامدة، ركعت قرب رأسه، طوقت رقبته، فتحت عينيه الكبيرتين إلى أقصاهما.. يقولون أن الميت يحب أن تُغمضَ عيناه كي لا يرانا نبكي فتلتصق صورتنا في روحه إلى الأبد وكي لا نرى أنفسنا بأصدق مرآة فنشقى.. أنا فتحت عيني الحصان إلى أقصاهما وحدقت بهما طويلاً، أذكر أنني بكيت، لم أستطع مسك نفسي، شربت "بطحة" عرق وبكيت، حزنت عليه كثيراً، عندما مات أبي لم أحزن عليه كثيراً ابن الـ... هو الذي جعلني طنبرجيّاً، أخرجني من المدرسة وصار يأخذني معه، قال: -العلم لا يطعم خبزاً- حين مات أبي كان عزائي الحصان وحين مات الحصان لم أجد عزائي في أحد.‏

يرشف من كأسه ويصمت. تهب نسمة باردة، تهتز جدران الخيمة، أرتعش، تتأوّه أم كلثوم آهة طويلة، تتراقص أغصان وأوراق الكينا، يتحرك شيء في الروح، في الذاكرة، أقف..‏

-كأسكَ لم تنتهِ.‏

أمسك الكأس، أرفعها إلى السماء:‏

-بصحة الحصان...‏

يقف، يرفع كأسه، يقرعها بكأسي بعنف، يرتج السائل، يتطاير خارج الكأس.‏

-بصحة الأصبح..‏

يصيح..يبدو صوته حزيناً، كئيباً، دافئاً..آتياً من بعيد.‏

يفرغ الكأس عن آخرها، أفرغها، يمسح كلٌّ منّا فمه بظهر يده، يضع الكأس، يحمل بطيخة كبيرة يقرّبها من أذنه، يضغط عليها بكلتا يديه، يطبطب عليها يقذفها في الهواء، ألتقطها، نتبادل نظرات طويلة، أغادر، يختفي خلف جدار البطيخ الذي بدا لي ليس أخضرَ.‏

-3-‏

أغلق باب الغرفة خلفي بحذر بالغ، أدحرج البطيخة خلفه، أخلع حذائي في العتبة دون أن أضيء المصباح الكهربائي، أتجه دونما صوت نحو الأولاد، أسوّي أغطيتهم، أقبلهم، أتجه نحو الأمام، أتأمل وجهها، أكشف عنها الغطاء ببطء، تظهر تفاصيل الجسد: منمنمة إلهٍ شُغلت بإتقان.‏

تصهل الشهوة، ينمو الحنين، تشرئب الرغبة، تتوهج الجمرات، أترك رأسي ينحدر نحو فمها حاملاً فماً تفوح منه رائحة عرق، تلمس شفتاي شفتيها، يتشظى الصهيل، يخبو، يتبعثر، أتراجع إلى الوراء جمراً ملسوعاً بتيار بارد، أفزع، انبهت، تمتّد يدي مرتجفة تختبر الجسد، تنتقل إليها البرودة أرفع يدها: تسقط غصناً يابساً، إنه الموت، لا.. لا..، ينفجر صوت في داخلي يصدم جدار الروح، القلب، الزمن، الذاكرة..، أنكمش، أسدّ مسامات الجسد، فتحاته، يتسرب الصوت من جسدي صدى طويلاً تهتز له جدران الغرفة، أخاف، أحبو باتجاه الأولاد أتفقدهم، أقبلهم وأعود أتحسس جسدها البارد، أحاول إيقاظها، أفشل، أتكوّر جانب رأسها، أتذكر، أفتح عينيها إلى أقصاهما، أشاهد حلماً، أدخله، أُنزع منه بغتة، أنتصب مذعوراً، أدور في أرجاء الغرفة حائراً، متردداً، أنتحب دونما صوت:‏

-لماذا في هذه الليلة بالذات.. يا الله أما كان بالإمكان التأجيل..‏

أشعر بدوار، أفتح النافذة المطلة على فناء الدار، يدخل النسيم حاملاً هديل اليمام، رائحة الصباح، أغنية العيد:‏

"الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا.."‏

أنظر بإشفاق إلى الأطفال، يتململون، أرتبك، أعاود التحديق في عينيّ زوجتي، يفلت الصدى:‏

-هيا انهضي.. انهضي أرجوك قبل أن يستيقظ الأولاد..‏

ويرتدُّ الصدى أصواتاً...‏

* * *‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244