شظايا الجسد - وفيق أسعد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

عبق الناي... موسيقا الروح

تنتشر رائحة الناي، تشل حركة الطبيعة، تأخذ الغيوم أشكالاً أروع، يعم الصمت، الرعب، يتلاشى الكون. تسكر روحه، يغيب، يرى خيوطاً ذهبية تسحبه نحو السماء، تصير أحلامه أكثر حزناً وأسى، يصير إلهاً يرتّب عالمه كما يحب، يخاف أن تنقطع الخيوط فيهوي إنساناً يدب على الأرض. هو يحب أن يبقى إلهاً يرتّب أشياءه كما يجب.تشده نشوة، يقف، يحمل بندقيته، يسير خفيفاً كالنائم يلاحق صوت الناي.‏

يرتفع صوت الناي، يزداد حذره، يرى قطيعاً من الأغنام منتشراً، هادئاً يقضم العشب باطمئنان، يتوارى خلف شجرة يبحث بنظره عن الراعي، لابدّ من وجود راع لهذا القطيع، يبصر خيالاً يتمايل، يتبيّنه، إنها امرأة لاحت إليه جلية، يزداد العزف رقة، تزداد نشوته، عزف وامرأة، يزداد خوفه، ماذا لو انقطعت الخيوط، يحتار، ماذا يفعل؟؟ هو الذي يعيش في أقصى الغابة، ينزل القرية ليلاً، يُفرغ كيسه، يسمع خلوات الرجال مع نسائهم، يتشهى، ويعودمثقلاً بروائح الأعشاب وبعر الماشية، بروائح الحكايا والمواقد، ليدخل كوخه وينام.‏

يسرقه الناي بعيداً، إلى أماكن رتّبها وتمنى ألا يعود منها، ناي وامرأة، نهض بحذر، ضمّ الشجرة، التصق بها، ضغط أكثر، ذاب بها، غاص بجذعها، صار نسغاً، غصناً مورقاً، مثمراً، ينمو بسرعة نحو السماء:‏

ـ هزّني، هزّني أيها الناي، هزّيني أيتها المرأة تتساقط ثماري ناضجة طازجة لذيذة، كليها، لن تشبعي، ولن أنضب، هزّيني.. هزّني.. يهزّه انقطاع العزف، تنقطع الخيوط، تصمت الغابة من صرخة إنسان سقط..‏

ـ لا...‏

يعم الصمت، الخوف، يذعر القطيع، يتشتت، بهتت المرأة.‏

ـ لا... لا توقفي العزف.. أرجوكِ،‏

تنظر في عينيه، إلى فوهة البندقية الموجهة إليها، تطيل النظر، يخجل، يُنزل البندقية:‏

ـ اعزفي...‏

ودون أن تنبس ببنت شفة، تستدير، تسير والقطيع وراءها تاركة نظراته الراجية تلاحقها، يريد أن يستوقفها، لكنها تبتعد.. تبتعد، يعلق بندقيته على كتفه، يخيّم على فمه بيديه، يصيح:‏

ـ يا الله..‏

ويضيع والصدى بين الأشجار.‏

ـ 2 ـ‏

ـ هل تسمعين وأنتِ تعزفين؟‏

ـ حين يأخذني اللحن لا تسرقني منه إلا الكلمة الأحلى.‏

تضع فم الناي بين شفتيها، تسدّ بعض ثقوبه، بأناملها، تغمض عينيها، تنفخ، ينتشر عبق الناي، يعب الهواء بلذة، تهيم روحه:‏

ـ السماء تجهل.. الجذور أكثر حياة من الأغصان. بالقلوب تُضاء البيوت... وما المصابيح إلا عقول مدلاة تنطفئ وقت بزوغ الشمس، من التعب يأتي النشيد، من تعب المناجل والمواسم جاؤوا، من القطا يأتي الرحيل ومن الإنسان صارت الآلهة ، الحياة كلمة وأخشى أن تموت وتتفسخ قبل أن تُدفن، عندها فقط يموت الأمل، الانتظار، اللحن، فيخلق الله بشراً على هيئة جوع، آه من الجوع.. لولاه لبقيت الثمرة، لبقيّ الحجر لاتحركه سوى وردة، وردة أنتِ وأنا الحجرِ، كائن نبذ نفسه قبل أن ينفوه.. كائن يبحث عن موت آخر وحياة أخرى..‏

يتوقف العزف فجأة:‏

ـ هل وجدتَ؟‏

ـ اخترعتُ!‏

ـ كيف؟!‏

ـ هناك ـ يشير بسبابته ـ في أقصى الغابة كوخ صنعته بنفسي، لـه أربع نوافذ، هناك حيث صنعت أرجوحة أركبها كلما شعرت بأن الدنيا توقفت، كوخ فيه كل مايلزم لكائن مثلي... إلا أن...‏

يصمت لحظات، يسأل:‏

ـ هل تزورينني؟‏

يبحث في عينيها عن جواب، يشاهد رعباً طاغياً، يخاف، يفتح فمه، يهمُّ بالاعـتذار، تسدُّ فمه بإصبعيها، يقبلهما، يلحسهما كقط، يمتصهما كرضيع، تسحب إصبعيها ببطء، ينكس رأسه، تحمل الناي، تسدُّ ثقوبه، تنفخ، يرمي رأسه في حضنها، ينصت مرتجفاً، يحس بأنه طفل، يغمض عينيه، يرى أمه، أخوته الصغار، يرى نفسه، يرجم بابا نويل بالبصاق، يبول عليه، يصرخ في وجهه: .. كذاب، أنتَ كذاب، انتظرتكَ طويلاً ولم تأتِ، انتظرك أخوتي، كل الأطفال انتظروك.. ولم تأتِ..‏

يرتفع لحن الناي قوياً، قوياً، يتحول إلى أجراس ميلاد تثقب أذنيه، يصرخ باكياً:‏

ـ كفى.. كفى.. يا ماما.. نويل..‏

ـ 3 ـ‏

تقف بالباب، تحملق مذعورة.. جماجم الحيوانات المدلاة من سقف الكوخ، جلود الأفاعي، شباك العناكب، الطيور الجارحة المحنطة، الدمى الخشبية الكبيرة المنتصبة في الزوايا: تُرعبها، تخرج، يلحق بها، يحاول التقاطها، تهرب، تحتمي بالأشجار، تدور حولها، تجد أرجوحة مدلاة من شجرة عالية، تركض نحوها، تركبها بفرح، ، تحاول هزّها بنفسها، يقترب منها، يضع يديه علىظهرها، يدفعها، تحلق في الفضاء وتعود إليه، يدفعها ثانية، تحلق أكثر، يتأمل شعرها الطائر في الهواء سرب نوارس يغيب ويظهر ليغوص في لجين البحر، تحلق، تحلق، تلتصق بالغيوم، تدخل السماء، ترى نفسها آلهة يلتهمها غول، تسري في روحها روح الخيانة، لذيذة هي الخيانة حين تكون من امرأة محرومة اللذة، تبطئ حركة الأرجوحة رويداً.. رويداً، تتوقف، ينزلها، يضمها، تستكين ملتصقة به، يحملها، يتجه نحو الكوخِ، يُجلسها على حافة السرير، يجلس قبالتها، يثَّبت نظراته على الصدر، ترمقه بنظرة حادة، يداعب شعرها، يطوقها، يدغدغ شفتيها بفمه، تنفرج شفتاها، يدفع لسانه في فمها، تدفعه بعيداً عنها، تودّ لو يقول شيئاً ما غير أنه يظل صامتاً عيناه تحدقان كطفل في الثدي الهارب من ضيق الثوب، يطول الصمت، يقف لحظات، تتغير نظراته، تدرك، تنزع كل ثيابها دفعة واحدة، ينكشف له بياض الجسد، النهدان النافران...،....، ... تمدّ له يديها، يمد يديه، تشتبك الأصابع، تشده نحوها، تحتويه بين ذراعيها، يحتويها، يطبق فمه على فمها، يعض الشفة السفلى، تشهق، تتسع حدقتاها، تتململ تحته بلذة محمومة، يغيبان، تهمس بصوت مثقل بالنشوة والارتباك:‏

ـ ادخلني عاشقاً مجنوناً، فارساً كريماً، ادخلني ملاكاً، إنساناً، ادخلني كيفما شئت، نقِّ دمي، طهِّر جسدي، وروحي من قاذورات أولئك الأوغاد، ارجعني كما ولدتني أمي... طفلة أنقى من الندى، ادخلني نقيّاً..‏

ويدخلها عاشقاً، ويدخلها فارساً، ويدخلها ملاكاً، ويدخلها إنساناً.. .. نقياً..‏

تشعر بتعبه ، تهمس في أذنيه:‏

ـ ألم تكتفِ بعد؟!‏

ـ ...‏

ـ سوف تؤذي نفسك!!‏

ـ ...‏

ـ دع شيئاً لغد!‏

ـ ...‏

وتنسحب من تحته بلطف، تقف، يلتقط ساقها، يقبلها بنهم، تشتعل من جديد، يشتعل، تستسلم له.... يغيبان.‏

ـ 4 ـ‏

فرحة تسير كشمس الصباح صوب الكوخ، تدفع الباب، لم تخف هذه المرة، تدخل بثقة، تجده مستلقياً على ظهره، هادئاً، رزيناً، عيناه عالقتان بالسقف الخشبي، يداه مبسوطتان قريبتان من كيس مليء بدمى خشبية صنعها بنفسه، تقترب منه، تناديه، تهزه، تحملق إليه مدهوشة، تناديه مرة أخرى، تهزه، تتحسسه، تصفعه صفعات خفيفة، تخاف،تفتح فاها إلىآخره، تسدّه بكفها، تفلت الصرخة.. الكلمة.."لا" طويلة، قوية يُرافقها صوت بكاء حاد تكبته، تحمل كيس الدمى وتخرج..‏

ـ 5 ـ‏

الغيوم حيوانات مرعبة، البرق يضيء الكون، تقهقه السماء، تبكي، يشتعل الكوخ، يزداد الكون نوراً، تصحو، ترى خيوطاً ذهبية تسحبها نحو السماء، تصير أحلامها أكثر فرحاً، تصير إلهة ترتّب عالمها كما تحب، تخاف أن تنقطع الخيوط فتهوي بشراً تدب على الأرض، هي تحب أن تبقى إلهة ترتّب أشياءها كما ترغب، تتأمل كيس الدمى الملقى جانبها، ألسنة النار، انهيار الكوخ رويداً... رويداً، تضع الناي في فمها، ترفعه إلى السماء، تنفخ، ينتشر نحيب الناي، تنتشر رائحة الدخان.. رائحة ملاك يحترق....‏

* * *‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244