شظايا الجسد - وفيق أسعد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أسماؤهم فاكهة

ـ 1 ـ‏

طَلْقٌ، زفير، وجع، قلق، انتظار... تستقبل السماء بحزن وتفرح لاستقبال صراخ الوليد الجديد، مباركات الدّاية من خلف الباب، تفرح، أفرح، تدمع عيناي المعلقتان بزرقتها نجمتان هوت لمّهما مساء يلمّ أسرتي.‏

الأولاد دائرة متعرجة مركزها أمٌ ترنو بعينين ملؤهما حب يسور وجهاً مدوراً كالثدي، تُداري لمسات الأولاد وقبلاتهم، تحرص أن تحط على الوجه الصغير فراشات.‏

أتأمل فرحهم، تقاطيع الوليد المنمنمة "أصلّي على النبي"، أقترح أن ينتقوا لـه اسماً جميلاً، تتساقط أسماء فاكهة من أفواههم الصغيرة:‏

ـ سمِّه برتقالاً...‏

ـ سمِّهِ تفاحاً..‏

ـ موزاً..‏

ـ "يوسف أفندي"..‏

تضحك الأم، أضحك حتى الدمع، يخدش الفرح صوت رهيف:‏

ـ إدوني.‏

نظرات حائرة تطير في فضاء الغرفة، تدخل الشقوق..‏

ـ لستُ أول من تكلم في المهد صغيراً..‏

تسقط النظرات أسئلة كبيرة، مذعورة تحط على الوليد.‏

ـ إن أردتم أن أعيش... إدوني.‏

يحاورني الصمت، أحاوره، يثقبني، يحطّم الأسئلة، تطير شظايا العيون، تنغرس بروحي.. بالمستحيل.‏

ـ 2 ـ‏

حديقة المنزل تزف بشرى لياسمينة يكسوها بياض مبهم، تفرح الياسمينة، الحفرة تحتها تماماً، تكاد تلامس جذعها. ألقي المعول، أنفض يديّ من التراب، أدخل، تنكمش الأم، تصبح والوليد كتلة.‏

تمتدّ يداي وتنتزع الوليد من حضن أمه، يثب قلبها من بين ضلوعها، تنتحب دونما صوت، تصير دائرة مركزها الأولاد.. تنغلق. أضم الوليد إلى صدري، أتأمله بحزن، يتأملونني بفزع.. أهرب.‏

ـ 3 ـ‏

برفق أركع، برفق أقبله، وبرفق أنزله الحفرة، يبتسم، أبتسم، أهيل التراب فوقه بيديّ، أشعر أنني والتراب شيء واحد، تئن الياسمينة، تنحني، تبث رائحة ملموسة تستقبلها السماء وصرخة زوجتي... أمٌ وخزت فاكهة الأولاد فتساقطت كل الأسماء في سلة ليل ضمنا منكمشين حتى الصباح..‏

ـ 4 ـ‏

ـ هل رأيتِ كما رأيتُ؟ طفلنا، طفلنا ملاك يطير سعيداً كالفراش..‏

ـ ملاك.. سعيد.. يطير.. نعم كما رأيتَ.. رأيتْ.‏

ـ وهل تشاهدين مثلما أشاهد؟؟‏

تنظر زوجتي باتجاه الأولاد، تهزّ رأسها بأسى...‏

كانوا يقضمون الخبز مع الشاي، يسترقون السمع، وحين انتهينا من الكلام تراكضوا باتجاهي "تعربشوا" بساقيّ بذل، همهموا في صوت واحد رافعين وجوههم الصفر:‏

ـ إدنا، إدنا، إن أردتَ أن نعيش يا أبي، إدنا!!؟‏

تنفجر في داخلي ضحكة، تخرج دون إرادتي، استقبلتها السماء دون أن أعرف كيف ترجمتها.‏

* * *‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244