|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
نهيق في الرأس ـ 1 ـ ـ مزّقتَ الكيسَ يا حمار.. توقفت الأرض عن الدوران. أتوقف. ساحة عرنوس، مقاعد الجامعة، رطوبة الأرصفة، ذلّ السؤال.. تدور في رأسي حيوانات نواعير حول بئر نضبت ماؤها، أنظر في الرجل ـ رب العمل ـ الذي أوقف سيارته بحذاء الرصيف وأشار بسّبابته إلينا، كنّا منثورين على الأرصفة كجنود مهزومين، كقطط جائعة، ركضنا. ما أن صُوبت الأصبع نحونا، ركضنا قطيع بهائم داشر نحو حقل بلا سياج أو ناطور. تحلقنا حول نوافذ السيارة. انتقانا شباباً. لم نكن نعرف بعضنا سوى في الوجوه، كنّا ثلاثة، تعارفنا في السيارة وعرفنا بأن هناك مئتي كيس من الاسمنت يجب نقلها من سيارة شحن إلى المستودع. نصل. نقتسم العمل فيما بيننا، واحد في أعلى السيارة واثنان على الأرض، كان نصيبي على الأرض، وكانت السماء مغطاة بالغيوم، مما جعل رب العمل يحثنا على سرعة العمل خوفاً من أن تمطر السماء فتبتل الأكياس ويفسد الاسمنت. ـ هيا، شارفنا على الانتهاء.. قلت لزميلي الواقف في الأعلى و"نتعتُ" الكيس الذي ركّزه ليُسهل حمله فوق الكتف، أستدير، يتمزق الكيس، لست أدري كيف تمزق وأخذ يخر على الأرض، حاولت مداراة النصف المتبقي... ـ مزّقت الكيس يا حمار... أقف.. تصرخ أمي: .. فعلتها تحتكَ يا حمار... يصرخ أبي... لن يكون بشراً أبداً، سيبقى حماراً... معلم المدرسة يصلبني أمام زملائي: ... ابصقوا على هذا الحمار.. مدرب دورتي في الخدمة الإلزامية يصيح... صلّح يا حمار.... تدور كل أنواع الحمير، تنهق في رأسي، أحدق في زميليّ، بديا لي أنهما يقفان على أربعة وقد نبت لكل منهما ذنب، وطالت آذانهم، أسمع لهاثهما، تنكشف داخلهما أقفاص لحيوانات خائفة، أتسمر، أنتظر أن تبتلعني الأرض، ترفض، أشعر بنفسي حماراً حقيقياً، أرمي مابقي من الكيس، أتقدم نحو رب العمل غاضباً، يخاف، يتراجع، يلتصق ظهره بجدار المستودع، أمدّ يدي أمسك رسنه ـ ربطة عنقه ـ أسحبه وأهوي بيدي الأخرى على رأسه مهدّة مثقلة بثلاثين سنة مضاعفة، يحاول الدفاع عن نفسه.. تتكسّر الأقفاص.. تنفتح، تنطلق الحيوانات هائجة، جائعة، مزمجرة، نضربه، نعريه تماماً، ندميه، نمزق الأكياس، نمرّغه بالاسمنت ونهرب. ـ 2 ـ لم يكن في وسعنا ونحن نركض سوى أن نتفق على اللقاء غداً، نحدد مكاناً وزماناً ونفترق. أدخل شارعاً فرعياً، أتوقف هنيهةً، آخذ نفساً عميقاً، تتنهد الآلهة، تتمايل الأشجار أشباحاً منتصبة على جانبي الشارع، تتوهج الدنيا، ترعد السماء، تفتح أبوابها، ينهمر المطر، يغسل المدينة، يغسل جسدي... ذهني، يغسل الذاكرة، يغسل النهيق القابع في داخلي، أستأنف السير، أسلك الشارع الرئيسي خائفاً وكأنما كل المدينة تحوّلت إلى عيون ترصدني، أتعب أتوقف عند أول موقف يصادفني، أشعل سيجارة، أرمي عود الثقاب في بركة ماء، يصدر له طشيش، ينطفئ تاركاً خيطاً رفيعاً من دخان أبيض، يطفو العود قارباً صغيراً حاملاً وجهي، تهب نسمة باردة، أرتعش، يرتعش الماء، يتحرك القارب، يتشوه وجهي، تتشوه يد تمتدّ نحو عنقي تحاول خنقي، أفزع، أرفع نظري أرى يداً منبسطة.. صوتاً مخنوقاً: ـ من مال الله... شبح أسود ينبعث من طيات ثيابه بكاء طفل... فكرت أن أهمس: تعالي... عندي بيت دافئ، فيه كل مايلزم.. ـ من مال الله.. أحدق بوجهها، يضج داخلي: يا الله. أخرس، أتذكّر أمي، أتذكّر نفسي... أخجل، أنكس رأسي، تستدير المرأة، تبتعد.. تقف حافلة، ألقي السيجارة في البركة، تسبح مع العود، أصعد، أجلس في آخر مقعد جانب رجل ذي ثياب نظيفة وذقن طويلة، يتأرجح رأسه يميناً وشمالاً، أماماً إلى الأسفل، وخلفاً إلى أن يصطدم بالزجاج الخلفي، وما إن جلست حتى مال برأسه نحوي دون قصد واستقر كما كيس الإسمنت فوق كتفي، لم يكن له رائحة عرق أو دخان، وجهه هادئ،تَعِب، ووديع، يا إلهي ألهذا الحد يصل تعب الإنسان، أتركه نائماً حتى أصل الموقف الذي أبتغي، أسحب كتفي من تحت رأسه برفق، أنزل، أدخل زقاقاً ضيقاً مزدحماً بالقمامة والقطط. ـ 3 ـ أدخل البيت، أخوتي نيام، أمي تجلس وأبي جانب المدفأة، أجلس، أنظر في زجاج المدفأة، أرى وجهي وسط اللهب، أرى زميليّ، أتذكّر الموعد، أتذكّر رب العمل، أخاف، أستند إلى الوسادة، أغمض عينيّ، أحاول النوم، حديث أبي وأمي يشوش الحلم: "... رب العمل يلحق بي... أركض... عروساً تهرب حبيبتي... ـ لم يبق مازوت في المدفأة. تقول أمي. .. الريح عواء ذئب جائع يحمل صداها ندف الثلج، أحاول الإمساك بطرحتها.. يحاول رب العمل الإمساك بي.. ـ المدفأة تحتضر يقول أبي: .. الثلج أحمر فاتح، جُرحت قدم العروس، جُرحت روحي، تسقط... ـ انطفأت المدفأة..تقول أمي. .. ألتقطها.. أحملها وأركض.. ـ ضعي غطاء فوق الولد، يقول أبي. .. أركض.. أركض... يركض رب العمل ورائي.. ـ تنتصب أمي، تأتي ببطانية. .. تهمس العروس: أشعر بالبرد..." تضع أمي البطانية فوقي افتح عينيّ. مرتجفاً، تستفسر أمي: ـ بردان؟ ـ لا.. خـ...خا... خائف. * * * |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |