|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:50 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
وجه أمي لا يكذب يحاول وضعها في العلبة، أرفض، أنقده ثمنها، أشكره وأخرج. أصل متأخراً، وجه أمي قال ذلك، وجه أمي لا يكذب، أمرني أن أخبر الأقارب، أرغب بالبكاء، أحاول لا أستطيع. أمشي جسداً بلا روح، رأساً فقد محتواه، متى كنت هكذا؟ أنظر في عينيّ الدمية، أشرد: "... كان ذلك قبل سنوات حين دُعيت لخدمة العلم، قبلت يد أمي، قبلت أختي، حملت الحقيبة وغادرت، يومها قالت لي أختي: "اجلب لي دمية"، هنا سرتُ بلا روح وبرأس فقد محتواه؟! لا...لا...، لستُ هنا.. في إجازة نهاية دورة الأغرار، عدتُ مشتاقاً، استقبلتني أمي وأختي بفرح، كانت صغيرة، حملتها ودرتُ بها، قبلّتها، حاولتُ ضمها بعنف، أفلتت مني، ركضتْ إلى الحقيبة تحاول فتحها، نهرتها أمي. ـ أريد الدمية.. كنتٌ قد نسيتها تماماً، الأصح تناسيتها، احترت في أمري، لم يكن أمامي سوى صفع جبيني... آه، نسيت، لقد نسيت، في المرة القادمة لن أنسى، هذا وعد، أحلى دمية لأحلى "كربوجة".. ـ متى؟ تسأل باكية. ـ صرتِ عروساً، العروس لا تبكي؟! ـ بلى.. العروس تبكي. ـ العروس تبكي!؟.. ـ نعم، أنا شاهدتها. ـ أين؟! ـ بالأمس ذهبتُ إلى عرس جارتنا، جارتنا التي كثيراً ماكنتُ أشاهدكَ معها، بالأمس كان عرسها، كانت تجلس بجانب عريسها حزينة، اسأل أمك، هي التي أخذتني معها. كنتُ أسمع حديثها محدقاً في عينيها الدامعتين، في الوسادة المحشوة بقطع القماش، الوسادة التي ورثتها أمي عن جدتي وسأرثها أنا بدوري،كانت عيناي تمسحان الغرفة زاوية، زاوية، حتى أخشاب السقف المسوّسة، ركعتُ قبلّتها، وضعتُ يديّ على كتفيها. ـ وماذا بعد؟ ـ ألبسها عريسها ذهباً كثيراً، ألبسها طوقاً ليس كالطوق الذي صنعته أنتَ لي من خرز ملون وخيط نايلون، طوق له بريق الشمس. ارتعشتُ، كنتُ حزيناً وكانت تخبرني دون أن تدري بقتلي، افتعلتُ الاتزان: ـ كل هذا وبكت!؟ ـ توقفتْ فجأة عن البكاء ثم تابعتْ: ـ لماذا بكت؟ لم أجبها، قبّلت يدها الصغيرة، احتضنتها كعصفور وطرت. أمي تعرف، فضّلت الصمت وفضّلتُ أنا الهرب.. ـ إلى أين؟ أكذب: ـ سآتيكِ بالدمية. سرتُ في شوارع اعتدت أن أسير فيها كلما فقدت شيئاً غالياً، لم أشعر إلا وأنا أمام متجر كبير أتأمل دمية ترتدي طرحة، همستُ بفرح لم يدم سوى لحظات: "وجدتها، وجدتها"، السعر الملصق عليها بخرّه، بلعتُ ريقي، تابعتُ التسكع.. يومها، يومها سرتُ بلا روح وبرأس فقد محتواه..". مفارق طرق أيقظت شرودي، أقف فجأة، تختلط الأشياء، لم أعد أستطيع التميّيز أيّ الطرق أسلك، أنظر في الدمية، أدور حول نفسي وبلا تفكير أختار طريقاً، تركت تقدير ذلك لغريزتي، غريزتي لا تخونني، الطريق صحيح، تذكّرته، فيه شيء لا يُنسى، ثانوية بنات، الأنثى تنشط الذاكرة، جئتُ مرة وكان موعد انصرافهن.. أذكر.. نعم.. كان ذلك منذ سنوات، يومها توقفت وتفرجت، لا أدري كم من الوقت وقفت وتفرجت، الزمن لم يكن يعني لي شيئاً، هذه المرة لم أقف ولم أنظر باتجاه المدرسة إلاّ لأتأكد من أني وصلت، تمنيت أن يكون موعد انصرافهن، تحققت نصف الأمنية، كانوا في الفرصة، سمعت أصواتهن العذبة، صراخ بعض البنات لحق بي حتى باب أحد أقاربي، أقرع الباب، يفتح، يرحب بي.. يدعوني للدخول، أعتذر، أنقله برقية ـ تعلمت كلمة برقية في الجيش ـ "أختي ماتت.. خبّر الأهل والأقارب.."أراد أن يستفسر أكثر، لم أترك له الفرصة، أستدير، أستأنف السير ببطء. كان بإمكاني أن أخبره بالهاتف من أي مكان، لماذا لم أفعل؟! أتنهد، أشعر بتعب ودوار، أقرر أن أستريح، أنعطف نحو اليمين أجد حديقة، أجلس علىأول مقعد يصادفني تاركاً الدمية تأخذ مكانها في حضني كيفما اتفق، أغمض عينيّ وأروح في إغفاءة، أردت استدعاء صور تريحني ـ لم ألحق ـ تتحرك الدمية في حضني ببطء وحذر، أفتح نصف عينيّ، أرى بنتاً صغيرة تسحب الدمية بلطف، تحتضنها، تتأملها بشغف.. ـ مع من أنتِ؟ ـ مع أمي. تشير باتجاه امرأة تحيك يداها بشكل آلي كنزة صوف صغيرة متأملة تساقط أوراق الشجر، بدا لي أن الكنزة الصغيرة تسع العالم كله وتدفئه.. ـ كم ثمنها؟ قاطع سلسلة تفكيري صوت البنت: ـ كم ثمنها؟ ـ لماذا تسألين؟ ـ وعدتني أمي بدمية. ـ لم تفِ بوعدها بعد!؟ ـ لا.. وكلما ذكّرتها تقول كلاماً لا أفهمه. ـ ماذا تقول؟ ـ تردد دائماً، "لعن الله أبو الفقر"..هل للفقر أب ياعم؟؟ ـ لكل مخلوق أب وأم ـ إلا أنا... ـ أين أبوكِ.. ـ مات.. ـ أمكِ قالت ذلك؟ ـ لا، أمي قالت: "سافر".. ـ إذاً سافر. ـ أي مات. ـ الموت شيء والسفر شيء آخر. ـ السفر مثل الموت حين لا يعود المسافر. ـ إذاً تعيشين في البيت وحيدة.. ألا تسأمين؟ ـ لا، أمي تأخذني معها كل يوم إلى العمل. أفرح لذكاء البنت، أرغب بضمها وتقبيلها، أمها كانت أسرع، تنتزع من يدها الدمية، ترميها فوق المقعد، تمسك يدها تجرّها خلفها متمتمة: ... تأخرنا.. أتحسس الدمية الملقاة جانبي، تبدو لي تحتضر، أحملها وأسرع خلف السيدة وابنتها، أتوقف فجأة.... "تأخرنا".. كان لابد لي أن أتوقف "تأخرنا"، كان لابد أن أتذكّر، أن أغيّر اتجاهي، وأركض.. ............................... أصل المقبرة متأخراً، وجه أمي قال ذلك، وجه أمي لا يكذب، أرغب في البكاء، أحملق في وجه الدمية وأضحك.. * * * |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |