شظايا الجسد - وفيق أسعد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

تخوم النزيف.. وهمٌ

-ابحثْ عن امرأة غيري، أنا لا أريد أن يضيع عمري معكَ.‏

تقف فجأة، تخلع خاتم خطبتنا، ترميه فوق الطاولة بنزق:‏

-أما هداياكَ، هداياكَ الثمينة.. فلا تخف.. ستصلكَ..‏

قالت بسخرية وتركتني وحيداً، أقبع خلف الطاولة دباً قطبياً، أحملق حولي، أتأمل عشاقاً يدخنون، يجلسون على كراسيهم في خمول، رؤوسهم تكاد تتلامس، أيديهم تذوب في بعضها، ابتساماتهم وهمساتهم تهرّبها موسيقا هادئة من نوافذ "الكافتريا" أسراب يمام، تتركني والوردة، والخاتم دائرة صغيرة يسوّر عالمي كله، أمد يدي أتلمسه بحنان، أرفع السيجارة، أمتص منها بشغف، أنفث الدخان، يتطاير من أنفي وفمي دوائر، دوائر، ترتفع، تتسع، تتحول مسوخاً، أشكالاً غريبة، يصير امرأة تطير.. تطير، تحط قبالتي، تقرأ حزني، انتظاري، تقرأ خوفي، أحلامي، تقرأ أسئلتي.. تجيب:‏

-أنا الفرح يمدّ يده إليكَ، قل لي تعالي أيتها المرأة، أكن لكَ ورداً يتوّجكَ، ملاكاً يحملكَ، يُخرجكَ من حزنكَ.. يُخرج الحزن منكَ، ينهي انتظاركَ، يقتل رعبكَ، يحملك بعيداً.. بعيداً..‏

-لكنكِ وهمٌ، وهمٌ أنتِ.‏

-أنتَ وحياتكَ الوهم.. أنا الحقيقة..‏

-الحقيقة أنني وحيد، تركتني خطيبتي لـ..‏

-ما تقوله هو الوهمُ، أنا الحقيقة.‏

وأحمل المرأة فرحاً حقيقياً وأطير بها، يطير العالم معي، يصنع لي عرساً، يزفونها لي امرأة ولا أجمل، تحمل مني، تنجب مني طفلاً جميلاً ينتظرني وقت أعود من العمل مساءً لأملأ الغرفة حكايا وأغانيَ تطير.. تطير..‏

-أنتَ.. يا أستاذ..‏

يقصّ أجنحة أغانيَّ "الكرسون".‏

-لم يبق سواكَ في "الكافتريا".‏

أقف، أحمل الخاتم "أدفسه" في جيبي، أدفع الحساب، أنسحب بخجل.‏

-2-‏

يصدمني هواء الليل، صدمتني:‏

-إلى متى سنبقى مخطوبين..‏

-إلى أن يفرجها الله يا حبيبتي‏

قلتُ حبيبتي بفرح..‏

-حبيبتي..‏

قالت حبيبتي بسخرية.. وانتفضتْ واقفة، ظننتها تمزح، أردتُ أن تجلس لأخبرها بأنني أبحث عن عمل ليلي إضافة لعملي النهاري، لكنها لم تسمح لي، قذفتْ خاتم خطبتنا، سخرتْ مني وانصرفتْ، صعقتني، جعلتني أشعر بأنني دب توقف ذهنه، دب كسا وجهه جليد الأرض فلاذ إلى وجاره ليسبت. كانت النجوم ترمقني من خلف جدران عالية ونوافذ مطفأة، كانتْ... وكنتُ... دباً حقيقيّاً..‏

-3-‏

-.. انتظَرني!؟ ملاك النوم!؟ ابني!؟ بكى..!؟‏

-نعم، انتظركَ طويلاً حتى رفرف به ملاك النوم.. فنام.. نام وهو يبكي منادياً: بابا.. بابا.. انتظركَ.. وأنا..‏

-بابا!؟ قال بابا؟! وأنتِ..؟!‏

-نعم، لكنكَ تأخرت..‏

-تأخرت..؟!!‏

أخلع حذائي خلف الباب، أدخل خائفاً، أتجه نحو الطفل، أركع وكأني أصلي، أتحسسه، أتأمل تقاطيع وجهه -إنه يشبهني- أقبله برفق، أدير رأسي، أنظر في المرآة، أتمتم مرعوباً:‏

-هل هذا ابني أنا؟‏

-نعم.‏

-وهل أنتِ زوجتي؟‏

-نعم.‏

-وهل.. هل أنتِ حقيقة؟‏

-أنا الحقيقة الوحيدة التي تعيشها..‏

-لا، لا.. أنا لستُ متزوجاً، كان لي خطيبة تركتها، لا.. هي التي تركتني،..‏

أبلع ريقي، أصرخ مهلوساً:‏

-أنتِ وهمٌ، وهمٌ..‏

-أنتَ الوهمُ، خطيبتكَ الوهمُ، حياتكَ الوهمُ، كل ماحولكَ وهمٌ بوهمٍ.. أنا الحقيقة التي صنعتَ، أنا الحب.. المرأة التي اخترعتَ، من أحلامكَ، من ضيقكَ، من تعاستكَ، من كل جميل فيكَ من كل قبيح كونتني، امرأة.. فرحاً عشقكَ وعشقتهُ، وهذا نتاجنا.. طفلكَ،.. ضمني ولا تتأخر في المرة القادمة.‏

بكتْ، ضمتني بعنف وبكتْ:‏

-لا تتأخر في المرة القادمة، لئلا أخاف عليكَ، لئلا يبكي طفلنا.. أرجوك.‏

-4-‏

زارني صديقي مرة، تأمل صورة معلقة على الجدار، قال وكانت زوجتي تجلس جانبي.. وكذلك طفلي:‏

-زوجتكَ جميلة، وطفلكَ.. طفلكَ رائع، أين هما، لم أرهما في البيت، هل هما في زيارة..‏

* * *‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244