|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
-1-
يطل "أبو علي" ممتطياً حصانه
والسعدان خلفه طفل خائف، يلحقه الأولاد فرحين، يرددون وراءه: يا سلام ويا سلام تعا تفرج يا سلام
وتعا تفرج يا سلام يعمّ ضيعتنا الفرح، ينتشر الغناء، يُطرب
الكروم، يحرك النواعير، يُفرح السواقي، يرقّص الدروب، يُناغش البيادر، يهز البيوت
الطينية، يُؤنس الزواريب، يدخل شقوق الأبواب، فتحات المداخن، ترتعش الستائر
المطرزة بأنامل الصبايا الحالمة، تُفتح النوافذ والأبواب، يتراكض الجميع نحو ساحة
الضيعة يحمل كل منهم ما تيسّر من بيض وزبيب، دبس وبرغل، كشك أو تين مجفف ليملؤوا
به خُرج "أبي علي" لقاء عرضه المسلّي. أسلك درباً مختصرة. أبلغ الساحة، أهالي
الضيعة كبيرهم وصغيرهم يشكلون دائرة فاغرين أفواههم ببلاهة يشجّعون بِدْء العرض،
يقف السعدان على قائمتيه الخلفيتين، ينحني للجمهور ثم يقف مقعياً معلناً البدء.
يرخي "أبو علي" الرسن قليلاً، يصيح مطوّحاً في الهواء خيزرانته: -كيف تمشي الختيارة؟ يلتقط السعدان الخيزرانة برشاقة وخفة،
يمشي متوكئاً عليها بتكاسل مقوس الظهر ثقيل الخطى، يصفق الجمهور بحرارة، يصيح
"أبو علي" بصوت مرح: -كيف ترقص الصبية؟ ينتصب السعدان يلقي الخيزرانة، يصفق
الجمهور، يرقص بحماس، يستمر التصفيق، تقذف امرأة محرمة مطرزة بالخرز والبرق
الملون، يلتقطها السعدان، يلوّح بها، يعلو الضحك، يعلو صوت "أبي علي"
محمّساً: -أسرعْ، أسرعْ… ويرخي الرسن أكثر، يُسرع السعدان، يحمّر
وجهه، تُبرق عيناه، يدور، يدور ملوّحاً بالمحرمة، يزداد التصفيق، تنطلق الزغاريد،
تخفق القلوب، يشيع فيها الفرح والسرور.. "كفى، كفى، ارجع المحرمة إلى
صاحبتها" يقول "أبو علي" بعد أن لاحظ
التعب على السعدان، يتوقف السعدان، يبحث عن المرأة بعينين ملؤهما اليقظة، تُومئ له
المرأة مبتسمة، يقترب منها لاهثاً، يمدّ يده، تمسك المحرمة بأطراف أناملها حذرة
خائفة، ينظر في عينيها، يتسرب إلى أعماقه حنان مباغت، يستدير، يعود إلى وسط
الدائرة ببطء، ينظر بانكسار وذل في عيون الناس المحيطين به، يحسّ بنفسه حزيناً يرى
الرسن أفعى طويلة سوداء تلتف حول عنقه، يدور ضمن الدائرة، يدور، يرى الناس أشباحاً
تتأمله منتصبة بفضول مكشّرة عن أنيابها تقترب منه وتبتعد، تبتعد وتقترب، يقع بصره
على عينيّ، يرمقني بنظرة ثاقبة، يُبصر فيهما شفقة، أسئلة، أبصر في عينيه غابة،
سعادينَ كئيبة، شمساً تتلاشى، أنثى تزعق وحيدة، يزعق بغتة، يجفل الناس، تولول
النساء، يتواثب الأطفال فزعين فزعاً لا يخلو من فرح، تُفتح الدائرة، يشدّ السعدان
الرسن بقوة، يفلت من يد "أبي علي" ينطلق والرسن خلفه أفعى سوداء، يلحقه
الرجال والشباب وبعض الأولاد، يقفز "أبو علي" فوق حصانه، يحثه على الجري
السريع، يتناول البندقية من خرجه، يستمر السعدان بالركض متوغلاً في الحقول، تطارده
صرخات "أبي علي" غاضبة تأمره بالوقوف ويتلوها دوي رصاص يثقب السماء،
الأغنية، آذاننا، الضيعة، يثقب صدر السعدان، تتباطأ حركته.. يسقط. -2-
يصل "أبو علي" يترجل عنه
حصانه، يربط رسنه إلى جذع شجرة، يتجه نحو السعدان، نصل، يحاول السعدان النهوض،
يفشل، يزحف، يتسلق شجرة، ينجح، يقف فوق أحد أغصانها، نرفع وجوهنا بدهشة، ينظر
إلينا من علٍ، يرفع يده، يبسطها، تنتصب أصابعه نحو السماء، تنعكف الوسطى باتجاهنا،
يبتسم ابتسامة عريضة تظهر أسنانه الكبيرة، يمدّ لسانه، يصرخ، تصرخ الغابات، يسقط،
تسقط معه ثمار ناضجة تصبغ جذع الشجرة وتربتها بالاحمرار. يقترب "أبو
علي" يفك الرسن من رقبته، يركله: -الله لا يردّك، سوّدت وجهي، الله يسوّد
وجهك. يبصق عليه، يضع الرسن بالخرج، يمتطي حصانه، يلوّح لنا بيده، يغادر. يتفرق
الجميع. أبقى وحيداً. وكمعتوه أركع، أنظر في عينيّ السعدان، أراه، أرى نفسي، أرى
شمساً تشرق رويداً، رويداً، غابات تزغرد، تزغرد أنثاه، أرفع وجهي إلى السماء،
أنتصب، أصوب بصري نحو الضيعة، أجد الضيعة قد صارت غابة والناس سعادين وبقيَ أبو
علي.. "بو علي". * * * |