شظايا الجسد - وفيق أسعد

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

.... ونمنا بلا حكاية

أدخل..‏

كانوا متحلقين حول المدفأة ينتظرونني والحكاية..‏

-1-‏

الصباح إبر جليد تنخرني، أستيقظ، أهيئ الإفطار لإخوتي الصغار، أعطي الدواء لأمي، أتجه إلى عملي أقبع خلف طاولتي، أضيع في الأوراق.‏

في المساء، نأكل ماتيسّر ونتكوّر حول المدفأة، نشرب الشاي ونصغي إلى ما تقصه أمي. حكت لنا عن المارد، عن مصباح علاء الدين، عن السندباد والغول، كنّا نأمل أن تحكي حكاية جديدة، لم يخب أملنا، حكت عن رجل فقير أحب وتزوج، أنجب ومات. كلمات أمي تسير وإيقاع قطرات المازوت الساقطة من الطابة المعلقة ككيس سيروم لإنسان يحتضر. تنظر حولها، أولادها الصغار نائمون، النافذة تشغلني ولهب المدفأة، يصبغ الجدران بالاحمرار، تتمتم والنار تتلمظ القطرات:‏

-هكذا تزوجته دون عرس وطرحة.‏

أنتصب، أقطع مازوت المدفأة، أدثر أخوتي، أسوّي رأس أمي على الوسادة، تلحس شفتيها، تبلع ريقها، تفتح عينيها وتغمضهما، أطفئ الضوء، أتجمع تحت اللحاف، تتعلق عيناي بالسقف، تشخر المدفأة، تصير الغرفة سوداء، أغيب.‏

-2-‏

مغسولة أوراق الشجر، شاحبة أوراقي أقذفها في الدرج، أقفله وأخرج. لم أشعر هذا اليوم بالوقت، مرّ سريعاً، أهبط الدرج، تتصاعد الأفكار، أصعد "الميكرو" أجلس، يتحرك، يعلو لغط، أغنية، أمسح بخار النافذة، أمسح الشارع بنظرة، أبتسم للسائق من خلال المرآة، تصدمني عينا امرأة، أسند ذراعيّ على المقعد الأمامي، أرمي رأسي بينهما.‏

-لم يبق شيء لعيد الأم.‏

-هدية الأم مشكلة.‏

-بالنسبة لك، أمي ماتت منذ زمن.‏

-"نيالك" يا أخي..‏

و.. ينفجران من الضحك، ينفجر رأسي، يصيح السائق مطروباً.. آه.. أصيح.. هنا، هنا من فضلك، يتوقف، أنزل.‏

-لا تؤاخذوه.. نائم.‏

"أطنّش" ينطلق "الميكرو". أقطع الشارع، أتجه نحو السوق.‏

-3-‏

تسألني أمي عن سبب تأخري، أتذكّر حبيبتي... "تأخرتَ.. قالت: تأخرتَ كثيراً، ورحلتْ" لم أقل لها الحقيقة، كذبت عليها كذبة أملاها عليَّ الشيطان لتوه، تبتسم الياسمينة المتمسكة بالنافذة، تهز أمي رأسها، يصير وجهها لوحة رضا.‏

المدفأة تشكو من حرارتها المرتفعة، إخوتي يحمصون عليها خبزاً ويقضمونه كصغار فئران جائعة، أمي صامتة، هل فرغت جعبتها؟ أم أن الحكايا انتهت.‏

رأسي جبال مسننة وأرخص هدية تعادل نصف راتبي، أحدق بوجه أمي الأصفر، بزجاج النافذة الدامع، بالباب الموصد، أغرق بعتبةٍ تضم أحذية مقلوبة تدفئ بعضها بحنان، أبي المعلق على الحائط يعاتبني "مرّ عيد وعيدان ولم تذكرني بغصن آس أو آية" تلفظ أختي الصغيرة آخر كلمة من الحديث الشريف "ثم أباك" وتصيح: "حفظته.. حفظته" تركض اتجاهي، تضع الكتاب بين يدي مفتوحاً، تهمس:‏

-ردّني إن أخطأت..‏

أحمل الكتاب وأشرد.‏

-4-‏

أسير. رأسي حجر رحى يجرش أفكاراً تنخر كالسوس، أقرأ واجهات المحلات "أوكازيون بمناسبة عيد الأم" أتنقل من محل لآخر، أتسمّر عند واجهة محل، أقرأ الأسعار، أبتسم لصورتي المعكوسة على الزجاج: "تمام" أحصي النقود، أنظر في الساعة، أتجه نحو العمل بعد أن أبصم اسم المحل والشارع الذي يقع فيه. أصل، أصعد الدرج قفزاً، أقف أمام القسم الذي أعمل فيه، آخذ نفساً عميقاً، أدخل، يتحول عملهم إلى عبث بالأوراق، يتبادلون النظرات بصمت، أشعر أن شيئاً قد حصل، ربما اتخذوا إجراءاً بسبب غيابي، أقترب من أحدهم، ألصق فمي بأذنه، أهمس:‏

-أريد..‏

وقبل أن أكمل، يدسّ في جيبي نقوداً، يربّت على كتفي:‏

-كلنا على هذا الطريق..‏

أشكره، أستدير نحو الباب..‏

-البقية في حياتك..‏

باقة ورد انكسرت، تطايرت شظاياها، تناثر الورد، ملأ الماء عروقي..‏

-اتصلوا بنا، ظنّوك..‏

-في حياتكم.. شـ... شكـ... شكراً.‏

-5-‏

وقع حوافر تتبختر، موسيقا في الرأس، أصل الشارع، المحل، البلّور يعكس صوراً مشوهة، أضع كفي على المقبض، أضغط نحو الأسفل يصير المقبض شفرة والباب جداراً، يشتد الوقع، تجمح خيل، أركض، أقفز من رصيف إلى رصيف، أقطع الشارع تلو الآخر، أضيع بسوق مزدحم، تستوقفني واجهة، أدخل دون أن أقرأ السعر، أخرج محتضناً علبة مغلفة بشرائط ملونة، أبتسم "سأنحني، أقبل يدها ورأسها أسحب الشريط، تطل الهدية زاهية، تزهو أمي، تدعو لي، يتجمع إخوتي، يغنون يمتلئ البيت عصافيرَ، تستقبل النافذة قوس قزح.."‏

-6-‏

رفيع هو الحلم، خيط تبلله دمعة، يقطعه أنين.‏

-أين العروس؟‏

-يغسلونها يابني.‏

تقول امرأة. يرتفع صوت أخرى خرجت لتوها من باب الغرفة:‏

-الكفن.. أين الكفن!‏

أناولها العلبة. تأخذها وتدخل. أنظر في السماء، تخرج صارخة:‏

-كفن، قلت كفناً وليس طرحة عرس!!‏

تضيع السماء، تنثقب، يطوقني البكاء، أبحث عن ثغرة، أرى باب الدار مفتوحاً.‏

-7-‏

الريح تصفر لحناً، المطر يغسل شواهد قبور تستقبل اسماً جديداً، أقرأ أسماء لا أعرفها، يستقر نظري على قبر مفتوح ينبعث منه دخان سيجارة لرجل يستريح على حجر.. أستدير، أرى عرساً قادماً، أرى حبيبتي.. طرحتها تُجرُّ خلفها كذيل طاووس منهزم، أرى أطفالاً يتجهون نحوي، أرى أمي معلبة فوق الأكتاف، أتذكّر كل الحكايا.‏

.....................‏

.. أدخل..‏

أجلس، أنظر في عيونهم المطفأة، أنسى كل الحكايا..‏

* * *‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244