دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

أحمد يعود إلى سلفيت.

-1-‏

تدفَّقتْ رؤاه ودموعه. أُصيب الرجل بالخوف. أحسَّ بقوة تدفعه للنهوض.. وقف أمام صورة ملوَّنة زاهية له، تتصدَّر الغرفة. رفع رأسه محاولاً تقبيلها.‏

أهي الذكريات تتلامح أمامه، يوم انفجرت العُبْوة الناسفة، وحمله جنديان إسرائيليان، ووضعاه في سيَّارة عسكرية، وإلى جانبه يديه تستلقيان وتتعفَّران بالدماء.. عندها ترحَّم على أيام المراهقة والمطاردة، ومشاعر الفرح فراشات تحوم وتحوم وتقطف نبضة ودمعة، وتطبع قبلة...‏

يفتح كفيّه للهواء، ويكتفي باحتضان عينيه ابتسامة منها، يجمعها في قبضته خوفاً عليها من الفرار، إلاّ أنّه سرعان ما يشعر بما يدفعه لإكمال رسالة كتب منها مقطعاً ولم يكملها، فدخلت أمُّه وقطعت سلسلة أفكاره. ابتسم لها وطلب كأساً من عصير البرتقال، وأن تثّبت له الورقة على سطح المرسم الملبَّد بأقلام الفحم والرصاص والألوان المائية والعلب الفارغة، وفضاء يزدحم بفوضى فنيّة عارمة.‏

مرتسم تزيّنه بقع ولطخات وخطوط وهندسة غريبة... رغم كلّ ما أصابه من ألم وذكريات من الصعب رصدها في جوٍّ مسحوق، تطحنه ذكريات زنزانة منعزلة.‏

ظلّت الأشياء تدور في رأسه وتدور، بينما كان يضع القلم في فمه ويضغط عليه بين أسنانه، ثم يرفع قدمه اليُمنى ويأخذ يقرّبها من وجهه شيئاً فشيئاً.‏

ضحك أحمد ضحكة طويلة، تبدأ عند ذيل غيمة رمادية مُهاجرة، تدرّجت ضحكته، ترافقت مع صوت خطوات مسرعة، تبيّن أنَّ أمَّه جاءت تستطلع ما جرى له.‏

أخذ الفرح يتسلَّق قامة أمّه الواقفة في باب المرسم، بينما كان يثبّت القلم بين أصابع قدمه، ويتابع كتابة رسالة إلى حبيبته التي تركت كومة من دموعها مُتجمّدة فوق وجنتيه، وهو ما يزال ينتظر همسة منها ولمسة من يدها إلى هذا اليوم!.‏

-2-‏

أنا أمّ أحمد الواقفة أمام النافذة أراقب ظلَّ الجدار، أفرح كلما تقدَّم الظلُّ سنتيمتراً واحداً، وأفرح أكثر حينما يلامس الحجر المُثبَّت في الأرض.‏

يتعرَّق جسمي عندما يتجاوز الظلُّ الحجر، وطيلة سنوات المدرسة، يتوافق مجيء أحمد ووصوله مع هذه العلامة البسيطة، رغم أنَّ الحجر أدمى قدميَّ مرّات ومرّات عندما كنت أتعثّر به ليلاً.‏

نهضتُ بعد الركعة الثانية من صلاة الظهيرة، كأنَّ قوافل من الأجراس تدقُّ في رأسي. حملتُ السُبحة، أصبح رنين خرزاتها ودقّات قلبي المتسارعة، يتلاطمان ويتدافعان بين جدارين مُتقابلين.‏

كررتُ عدَّ حبَّات السبحة تسع مرَّات على ما أذكر، وتسمَّرت الشمس فوق صحن الدار.. بقي ظلُّه يمتدُّ مع هواجسي.‏

أعرف ابني. يتوهجَّ كالجمر، وكلما حاولت إخماد ألسنة اللّهب المتطاولة، يربِّتُ على كتفي مطمئناً، بأن لا يتركني وحيدة في المنزل، ويقول: أحمد وحيُدك. لم يبقَ لي في هذه الدنيا سوى عينيك وعينيها، وبقايا أحلامٍ متورِّمة، وأفكار ربَّما تقودُني إلى السجن.‏

بينما أقواله تغوص في لحمي وتحفر في روحي وتمشي في ظلّ عروقي، سمعتُ ضربات قويّةً على باب الدار، فقفزتُ، وكان "زيدان" صديقه ومدير ثانوية "سلفيت" يلهثان. تبدو على وجهيهما تجاعيد زخرفها الحزن، وخلفهما مجموعة من الطلاب تتلامح على صفحات وجوههم بيانات وأخبار وبقايا دماء.‏

قال المدير: أحمد....!‏

لم أدرِ ماذا حلَّ بي بعد هذه اللحظة!‏

أفقتُ صباح اليوم التالي أقلِّب سرير أحمد. أشمُّ بقايا رائحته. ألمس فراشه، وأحتضن منامته المطويَّة بعناية.‏

دقَّاتٌ أكثر هدوءاً على باب الدار قُبيل الثامنة.. يظهر مدير الثانوية، يلتفتُ إليَّ بحيرة، لكنَّه أقلُّ ارتباكاً من مساء البارحة.‏

أيقنتُ الآن، وأنا بكامل قوايَ العقلية، أنَّ أحمد في أحد المشافي أو في أحد السجون، عرفتُ حقيقة ما حدث. رفعتُ رأسي ومسحتُ دموعي واستمعتُ إلى المدير وشفتاي ترتجفان: "انكشف أمره بعد انفجار عبوة كان يُحضِّرها لزرعها في مكان ما من الأرض المحتلة، وقد أدَّى الانفجار إلى بتر يديه وإصابة عينه بالعمى".‏

-3-‏

يُحاول أحمد أن يرفع ذراعه... ينسى أنَّها...! يحاول أن يحرِّك أصابع يديه ينسى أنَّها...! يحاول أن يتأفَّف ويتأوّه... يتأسَّف لما حصل، ويتعهدَّ أمام رفاقه أن لايكرّر الخطأ... يتساءل: "كيف انفجرت العبوة، وبترتْ يديَّ وأطفأتْ نور عيني؟".‏

أصبح العدو الآن يتفرَّج عليه، وكأنَّه يقول له: أصبحت الآن مثالاً لغيرك... أنت تقطع أعضاءك، وها نحن لا نتدخل في شؤونك.. وما حصل نحن شهود عليه، ونوقّع بصدق أنَّ "إسرائيل" كانت بعيدة عنك!..‏

هواجس التحمت وتجمَّعت دُفعة واحدة... هواجس ضبابية حجبت عنه صديقه الذي كان يتسلَّى بذقنه الطويلة.‏

يترك "زيدون" أشياءه ومقدَّسات أفكاره جانباً، ويحدِّق في وجه "أحمد" ثمَّ يقترب منه، ويلاحظ أنَّ عينيه تصمتان ولسانه يخرس، وأجراس ذاكرته تدقُّ بحزن، وتبشِّر عن مأتمٍ قادم، وأناس يتجمهرون حوله.‏

لم يدرِ كيف هبط النوم عليه، ونزلت حبَّات العرق الدافئة من جبينه ثمَّ توزَّعت وسارت على طرفي الحاجبين، وتعرَّجت قطرتان مسرعتان على جانبيِّ الأنف، وضاعتا في شاربين كثيفين... أقفل جفناه بابيهما وغطتهما أهداب سود.‏

تراجع "زيدون" إلى سريره. استلقى مستأنساً بشخير أحمد. تركه ينام على راحته. وكان يسمع تمتماتٍ، وأحياناً "خربشات" وأنيناً ناعماً خافتاً!‏

حدث هذا في الليلة الأولى بعد جولة طويلة امتدت ثلاثة أسابيع من التحقيق الدؤوب والضغط والإكراه.‏

تكلَّم أحمد بهدوء عند وصوله إلى بيته الذي لم يبقَ منه أثراً يُذكر ولولا معرفته بالجيران والأقارب، لكان يعتبر نفسه في حلم.‏

أحد عشر عاماً هي رحلة طويلة، الأمُّ رحلت، وكان الأب قد سبقها بسنوات إلى مقبرة "سلفيت".‏

أصبح أحمد بلا مأوى. ولم يبقَ إلاَّ الكثير من الأوجاع، والكثير من الصبر، والقليل القليل من الأحلام.‏

أسئلة دارت ودارت في رأسه، وتجمَّعت دُفعة واحدة. هزَّت أوتاره الداخلية وشكَّلت مربَّعاً ودوائر وأشكالاً أخرى!.‏

الناس يرحلون ويولدون ويفرحون ويتألمون. وأحمد يداعب ابتسامة أنيسة، ثمَّ تغيب كأنَّ لها أجنحة. يحاول أن يثبّتها، لكن دون فائدة، فيتلذّذ ببقاياها، ويلعن ساعة الولادة والدراسة والعبوة الناسفة.‏

وعندما وقفت ذبابة على جبينه، هزَّ رأسه إلى الأمام والخلف، لكنَّها تمسَّكتْ وتشبَّثت بجلده، عندئذٍ اضطر أن يطلب من "زيدون" الذي كان في استقباله أن يحكَّ له جبينه، ففعل وقبَّله في المكان الذي كانت الذبابة تقف عليه.‏

يكتب أحمد خواطره وأشجانه في ذاكرته، ويرسم لوحاته بريشة يغمسها أولاً في ماء القلب، ثمَّ يترك الألوان تسيل وتتكاثف فوق جدران الذاكرة.‏

كان زيدون يخفّف عنه الآلام، ويفتح لها النوافذ كي تخرج دون أن تترك ذيولاً لها.‏

وترك موت أخيه أثناء غيابه أثراً بالغاً في نفسه. تنهدَّ بقوّة، وكأنَّ قُنبلة تخرج من رئتيه، لكنَّه استأنس بوجود الأصدقاء حوله في بيت زيدون.. ركع وصلَّى وقبَّل التراب للمرة الثالثة.‏

أحمد دون قيود الآن، لكنَّ صورة السجَّان الذي كان يسخر منه، لا تغيب عن خياله. يتذكَّر كيف كان يدفعه بقدمه... يركله.. يمشي خلفه من جهة العين الميّتة... وعصابة سوداء تغطّي عينيه، مربوطة إلى الرأس بشكل مُحكم.‏

يأمر المحقّق السجَّان أن يفكَّ العصابة أو ينزع كيس البول عن وجهه، يطلب منه أن يركع. وخلال دقائق يستجمع أحمد فيها قواه المشتّتة، وتتأبَّط ذاكرته الماضي. ويقف المحقّق حاملاً ذراعين مقطوعين. يحاول أحمد النهوض. يضغط السجَّان بيديه على كتفيه، فيعود إلى وضعه السابق.‏

يضحك المحقّق: يُعيد الذراعين إلى عُلبة خشبية. يقفل عليهما، كأنَّه يقول له: "فرحك محجوز عليه في المعتقل، وهذا جسدك أمامي مطروح على الأرض.. وهذا..."‏

يدور من خلف مكتبه. يضع إصبعه في حجرة عينه الفارغة، ويدفعه نحو الوراء، يركُلُه السجَّان، ثمَّ يسوّي ركعته ويقهقه أحمد ساخراً... ولكن بألم!..‏

همسات ضامرة تلكزه... وشوشات حارة تضرب كلّ الأبواب المغلقة و... تكزُّ أسنانه. يهدر السجَّان.. يتطلَّع أحمد يتفُلُ في وجهه، ويقول: "لا أملك إلاَّ هذه البصقة الناسفة لإهشّم بها وجهك وأقطع يديك".‏

-4-‏

نسيم "سلفيت" وديعة أمينة احتفظ بها الفضاء اللطيف هديَّة لعودتي...‏

أنا "أحمد بني نمرة" العائد في نهاية هذا القرن من سجن "رام الله"، مُفرجاً عنّي قبل أن تنتهي فترة الحكم بسنتين.‏

كنتُ تقدَّمتُ خلال أحد عشر عاماً، وهي مدّة اعتقالي، بأربعة عشر طلباً لإدارة السجن، لإعادة النظر في الحكم الصادر بحقّي.‏

تألّمت كثيراً، ومشى الألم في نهر ذاكرتي وحيداً، اعتقدت أنَّ كابوساً هرب من آخر مهجع للسجناء المضربين، ودخل في رأسي، أراد أن يفجّره، أحسستُ أنَّ لُغْماً للمشاة زُرع تحت سقف رأسي.‏

نهضتُ مسبَّحاً بالعرق، وبعد دقيقة كانت يدا "زيدون" تمسحان جبيني بلطف.. شعرتُ بالراحة والطمأنينة تسريان في دمي، وتتنزَّهان على مشارف روحي.‏

تمشيتُ بصمت، وعلى رؤوس أصابع قدميَّ كان رأسي يزدحم بصورٍ ولوحات مُلَّطخة باللون الرَّمادي، والأسرّة المهترئة. تسمَّرتْ عيناي في النوافذ العالية والباب المقفل.‏

حديث طويل ويطول في "سلفيت" التي ظلَّتْ حلماً ساكناً في قلبي. يدفِّئ جسدي بالندى ورائحة زهر الزيتون والأقحوان المتفتّح في الحواكير، وعلى جوانب الطرقات الترابية بين الكروم.‏

أحببتُ أن أتدرَّج في مساء ذاك اليوم على الطريق الذي يقسم الكروم إلى قسمين، وكان "زيدون" إلى جانبي، يحمل الذكريات في جعبتين ثقيلتين.‏

أحسستُ أنَّ رغبة تلحُّ عليه كي يخفّف عنِّي ازدحام الصور والمشاهد. قبَّلني قبلتين، ومسَّد لحيتي المتهالكة. أجلسني على صخرة ناتئة من وكرها الحجري. تتدلَّى شفتها العليا أمامها. أخرج مقصَّاً صغيراً من جيبه، وشذَّب أطراف الشعر الملفوف على بعضه، وأصبح الشاربان منسّقين، وقال: صباحاً إلى حمَّام السوق يا أحمد!.‏

- لماذا؟‏

- هناك ترتاح وتغسل جسمك جيِّداً، ونشرب الشاي والزعتر... والنعناع. أنت بحاجة إلى التدليك، وإلى مسَّاج ماهر، ينزع من جسدك سنوات القهر والعذاب.‏

- "أنت تفصِّل يا زيدون وأنا ألبس"... لا أنسى فضلك ما دمت على قيد الحياة.‏

كان الصباح دافئاً وجميلاً... أصوات ثغاء وغناء عصافير وأطفال، وبكاء رضيع في المنزل المجاور... وربيع يطوِّق "سلفيت" يغمر كرومها، ويطوف حولها زاهياً، وهي ترتفع قليلاً كعروس رائعة!‏

-5-‏

في اليوم الثاني كان الصباح والوجه اللاَّمع يتفجّران جمالاً، وتفوح رائحة القهوة من شرفة بيت زيدون المطلَّة على بستان صغير يزدحم بالأشجار المثمرة والعصافير.‏

ضحك أحمد ضحكة طيّبة، كأنَّه اتَّخذ قراراً واقعياً وسريعاً... أصبحت أحلامه تدور في دائرة كبيرة، حين طمأنه وفدٌ من شباب الانتفاضة أثناء زيارته السرّية، بأنَّه سيقدِّم له هديّة، تخفّف عنه المتاعب وتعيد إليه جزءاً من السعادة والنشاط.‏

ألحَّ زيدون على الوفد أن يسرع بتأمين ذراعين اصطناعيين من مركز أقامته منظَّمة إنسانية في مدينة حيفا.‏

وعندما سمع أحمد الخبر طلب من الوفد أن يبحث له عن عمل مناسب. ضحك زيدون، وهو يقترح تنفيذ مهمّة جديدة، وهي بناء غرفة في بيت أخيه الذي استقرَّ في "بيرزيت".‏

ثلاث مهمّات كبيرة تدور الآن في فضاء الأمنيات... ثلاثة أحلام يمكن أن تعوضَّ الخسارة الكبيرة!...‏

توقَّف الجميع عن الكلام، بينما كان أحمد يفتح صفحة جديدة من دفتر الماضي، وكان يعلم وهو في السجن أنَّ "ربيعة" تزوّجت بعد أن فقدت الأمل، وانتظرت خمس سنوات دون رجاء، ولم تتزوّج إلاَّ بعد أن وصلها خبرٌ منه يسمح لها بالزواج، لأنَّ بقاءه في السجن ربَّما يمتدُّ إلى ثلاث عشرة سنة.‏

طلب أحمد سيجارة من زيدون، فأشعلها له ووضعها بين شفتيه، وكان بعد كلّ مجَّة يسحبها، ويضعها على طرف "المنفضة" ويرفع بهدوء كأس الزعتر، ليرشف منه رشفة ويُصدر صوتاً متدرِّجاً كضحكته.‏

تعوَّد أحمد منذ سنوات على حياة جديدة، أصبحت جزءاً من حياة يوميَّة قاسية، وتقبَّلها بمرارتها، وكان يهجس دائماً بأنَّ يوماً سيأتي ويكون فيه على أفضل حال.‏

في المساء، بينما كان زيدون وزوجته ينكشان حول الأشجار، اتَّجه أحمد إلى ثانوية "سلفيت" وقف أمام الباب الخارجي. لم يرَ أثراً للعُبوة الناسفة. وأصبح السور أعلى ممَّا كان عليه في الماضي، والأرض التي تحيط بالمدرسة، غابة كثيفة من الأشجار الباسقة الزاهية.‏

أسند جسده المرهق إلى السور، تساءل مع نفسه أكثر من مرَّة عن الآثار التي تركتها المتفجّرة. وسالت حبَّات العرق المتفصِّدة من جبينه.‏

حدَّق بعينه. وزَّع بصره بين يديه المبتورتين. تابع سيره رافعاً رأسه. مبتسماً للغروب، بينما الأفق الوردي يحتضن الشمس الغاربة بشوق..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244