|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العـــــبور قلمي يمشِّط شعر الذاكرة... الورقة تبتسم، ويضحك القلم، تتهاطل من فمه دموع سود. كعادتي، حينما تؤرّقني صورة، يمضي الليل وأنا أحاول تأطيرها دون أن أعيد الحياة إليها، تتراءى لي جثَّة مقطَّعة، مكوَّمة في قُفَّة. في الليلة نفسها، وفي لحظة مفاجئة سافر الوجع، حمل شرشفاً ومخدّة، التجأ إلى ركن هجرته الأغاني. حمل مشروبه المفضَّل وحبَّات زيتون وتفّاحة وسكيناً، فتحتُ النافذة... دائماً أفتحها في هذه الأوقات في الليالي التموزيّة. كانت مصادفة جميلة، أنَّ القمر بدر، يزيّن الفضاء، أشمُّ أريج ورود هجرت المساحات الضيّقة، أسمع دورياً كحفيف أمواج رخوة، بصعوبة تجرُّ أقدامها نحو الشاطئ. ترك الوجع فرحاً لقيطاً في نفسي، تأمّلت البدر وهو يبعد عن وجهه غيمتين تحاصرانه منذ زمن. غيمة بيضاء تطبع قبلة على جبينه، وغيمة رمادية تحفر بلسانها نبعين وغمازتين. حركتُ عجلات جسمي، انتصف الليل، السكون يمتصُّ الحيرة... الخوف يقترب.. تتهامس في داخلي رصاصتان خلّبيتان!. دفعتُ قدميَّ في الطين، فتح الجرح شفتيه، حاولت سدَّ شدقيه، فهما لم يلتحما منذ عقود. غسلت شعري ووجهي، ظلّت عيناي تقابلان قمراً وغيمتين، صفقت باب المنزل وخرجت. اختفى القمر خلف الأبنية العالية، أحببتُ المشي بجانب نهر فرعي، مازال يحمل بعض الجمال. كنت أبحث عن أي شيء يسافر معي!. توقفتُ... تسربل قلبي بالحزن، اعتقدت لو رآهُ أحد غيري لداسه بحذائه، أو قفز فوقه، لكنّي فضَّلت التوقف. قرأت آيات وصلوات. سمعت أميّ ترددها مراراً. تذكّرت موت "أنكيدو" وحزن "جلجامش". سمعتُ أنيناً زاحفاً قادماً من الحقل المجاور للنهر، وكلمات معجونة بالضجيج. اختبأت وراء جثَّة نملة... بقايا رأس ودمعتان متجمّدتان على وجهها... دماء لوَّنت قشرة حبَّة قمح، مازالت رطبة، تناثرت حولها قصاصات أوراق وبطاقة شخصية، وتصريح خطّي "أنا الموقع أدناه... ذبحت نملة، لأنَّها حرمتني من حبَّة قمح، تمَّ الذبح في هذه الليلة". التجأتُ إلى جسر صغير لعبور الناس والسيارات الصغيرة والدراجات، تجري تحته ساقية تحرّرت من قيد النهر وتمرَّدت عليه. ظهر القمر مجلوداً يظلله الوهن، يختفي ويغيب خلف غيمتين، يطلُّ حزيناً. اعتقدت أنَّ قوانين الفضاء تحرِّم الزواج من امرأتين، سخرت من نفسي ومن هواجسي!. القمر سيّد الفضاء وملكه. يستضيف آلاف النجوم. فمن جلده إذاً! ومن أراد أن يحرمنا من ضوئه ورؤيته وخسوفه وجماله! سمعتُ همسة. تلتها إشارة رفعت رأسي بكسل. رأيت حبلين مثبتين ومشدودين بإحكام حول عمودين متحركين على قاعدة ثابتة، يقابلهما رجلان. أمسك الرجل الطويل قليلاً بالطرف الأول. اتصلت لحيته بشاربيه، ألقى سلاحه في قاع النهر. علَّق في رقبته غصن زيتون. أبدل عقاله بقطعة شاش. ارتدى بزَّة عسكرية أقسم ألاّ يتزوج حتى يفتح معبري الجسر، وألاَّ يغتسل إلاَّ بماء النهر. الرجل الثاني أقصر قليلاً، كتفاه عريضان. يداه قصيرتان. أمسك بالطرف الثاني. تغطّي رأسي الرجلين كوفيّتان خمريتان معرَّقتان بخيوط زرقاء. تتدلّى منهما شرابيش ناعمة ومتناسقة. الرجلان يتشاوران ويضحكان، يفصل بينهما النهر، يحاول الرجل القصير شدّ الحبل، ليرفع الرجل الطويل، لكنَّه يفشل، يسحب الرجل الطويل الحبل، ويشدّه بقوّة، فيرفع الرجل القصير ويترك الحبل غاضباً، فيهوي الرجل القصير، ويترنَّح في الفضاء ويرتطم جسده بسطح الماء. أطلق القمر الحرية لزوجتيه بأن تبقيا عنده أو تهاجران، وسيرافقهما ظلّه أينما تحرَّكتا! هبطت الزوجتان على الأرض اختارت الغيمة البيضاء الرجل الطويل قليلاً، والغيمة الرمادية، الرجل القصير قليلاً. خلعت الأولى ثيابها. غطست تحت الماء. تعرَّت الثانية، علَّقت ثيابها. واجهت القمر، فسرح ضوؤه فوق عريها. تثاءبت. داعبت خصلات شعرها. حدَّق الرجل الطويل في جسدها، وتمتَّع الرجل القصير في عينيها. قامتان منسوجتان بخيوط فضائية. جسدان كشمعتين يضجَّان شهوة وأنوثة. يصيحان بدفءٍ وحنان. تقطَّع لعاب الرجلين وتطاير. جسدان يتأرجحان بين رجلين. لعبة طويلة على مسرح شرقي، يصل الماء باليابسة. كثيرون ينتظرون بفارغ الصبر نهاية المسرحية، ومن سيكون المنتصر في هذه اللعبة! مدَّت الغيمتان أيديهما نطَّ الرجلان. صعد القصير، وهبط الطويل. وهكذا... أرجوحة واحدة بين النهر والفضاء. طرف للحياة وطرف للموت. ازدادت عمليات الشدّ والتأرجح بين الضوء والماء، وبين القمر والغيمتين، يتلوَّى ثعبان ويتلوَّن. عندما يعكس جلده الضوء فوق الجسر. بطنه منتفح. يتقيَّأ عصافير وأطفالاً وعرائس، ازدحمت حوله نساء ثكالى يندبن. تكوَّمت أطيان وجثث وهياكل بشرية. الشرُّ يقذف ويقفز من عينيه. لفَّ شوكته حول العمود، فقطعه. هبط الرجلان مُرغمين، يُطاردان غيمتين، يفتّشان عن جسدين ذابا واختفيا في الطين والرمال، أو أنَّهما تركا النهر، ولم يعد أحد يعرف ماذا حلَّ بهما!. القمر يتفرَّج وأحياناً يبكي مغتاظاً، طارد ظلّه. فتَّش عنهما في كلَّ الأمكنة. عاد حزيناً، توزَّعت أفكاره وتمزَّقت أمنياته، فاختفى بين الغيوم السود. نجمة وحيدة أشفقت عليه، تمرُّ أمامه، تسلِّط ضوءها وترحل بعيداً!. الديكة الروميّة تصيح وتهلّل. سنونو تفتّش عن مكان، وعصفور يغنّي للصباح، طفل يودِّع والده. سقطت فوق جثمانه آخر دمعة. فتاة تبحث عن حبيبها. عامل يصنع خنجراً. وأطفال يلعبون في أزقّة المخيَّم بأسلحة خشبية... أصوات مآذن، وأجراس كنائس تتقاطع. وتتوحَّد فوق الأقصى والقيامة. فتحتُ المذياع، ضاع صوت المذيع، واختفت حروف الكلمات بين أزيز الرصاص، وهدير المدافع وقذائف الطائرات والصواريخ. سمعت الكلمات الأخيرة في نهاية النشرة الإخبارية. "نداء... نداء... إلى أهالي الجنوب، توجَّهوا نحو الشمال" في الصباح نهضتُ مع شروق الشمس. أحببتُ أثناء عودتي أن ألقي نظرة أخيرة. فهل تتحقَّق رغبتي؟.. أصبحت حبَّة القمح سنبلة، تتمايل وترقص فوق جثّة النَّملة، حملت رفاتها إلى مقبرة النَّمل ودخلت مقبرة أخرى مجاورة لها. كان الناس يحملون ربطات الآس المرشوشة بالماء. تنقّلتُ معهم بين القبور أقرأ تواريخ الموت والأسماء المنقوشة بالخط الأسود على الشاهدات. تركت نصف قلبي هناك. وضعت النصف الآخر على كفّي. أسئلة كثيرة رفدت ذاكرتي وخرجت أسئلة، لكنَّها ظلَّت تدور حول أجوبة لم أقتنع بها. أدركتُ أخيراً أنَّ واجبي يلحُّ عليَّ ألاَّ أقف متفرِّجاً، بل الدخول في اللعبة ومراقبة حدوث الطوفان!!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |