|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مشـــاهد مُغـايـــرة لأتفه الأسباب تضمر سعادتي، أُطوِّق خصرها بخاتم أخلعه من إصبعي. المشهد الأول: شارع ضيِّق في بدايته، بصعوبة خرجتُ منه، كأنَّني قُنبلة حوصِرتْ في عنق زجاجة. تلتقي شرفتان. أهبط الدرجة الأولى، تسحبني رائحة الثياب البالية واللحوم المقدَّدة "أكرج"، بقية الدرجات. أتيه في نفق معتم. أسمع طقطقة. أتبع رتل الأقفال. أتلقَّف الهواء بشوق.. الفضاء يضيق بالأدخنة والضجيج وأشباه الناس!. المشهد الثاني: بفرح يتعالى صوته. أمامه كومة من الليرات الفضّيّة. يصيح ويصيح. يحدِّق في نصف مرآة ملصقة بالحائط. ينكش أنفه ببنصره. يخلط الليرات، فيتصاعد رنينها. وقفت أتحزَّر! ماذا يبيع أو يشتري هذا الرجل؟. دفنت رغبتي وخبأت سؤالي في فمي، بعد أن رأيت شخصاً يعطيه عشر ليرات ورقيّة، فينقده البائع ثماني ليرات معدنية. المشهد الثالث: طفل يجلس وراء ميزان له شكل ساعة. ضغطت بقدمي اليمنى. قال: ادفع ليرتين، وعن القدم اليسرى أربع ليرات. قلت: أريد معرفة وزن همومي المتراكمة منذ عقود!. أجاب: ادفع خمس ليرات.. وتابع.. أمَّا أحلامك، ستدفع أجرة وزنها يوم رحيلك الأبدي!... المشهد الرابع: ينحني غصن أملود مثقل بالبراعم. ينقر عصفور ورقة خضراء. تحوم فراشة. يخطُّ فلاح فوق التراب أشجان الأرض. يمسح عرقه بكفِّ يده، يتَّكئ على معوله، ترقص الشمس في فسحة ضيِّقة. تتدلَّى أشعَّتها بين ضفيرتين تنغسلان بماء الساقية، تضحك فوق خيوطها قطرات الندى. تتجمَّع الأشياء في عدسة الصباح. وجهها يرسم ظلالاً. يطلُّ مدوَّراً من نافذة... قلبها يفيض بالفرح. تشمُّ رائحة الوجد من زنابق متناثرة. صيَّاد يقضم صبره. يودِّع آخر رحلة لشباكه، يمضي بعيداً يجرجر قدميه. يردّد أغنية لبحار يوناني. قيظ الصيف تتسارع خُطاه. يتسلَّق الأبنية. تنهار صخرة تجثم فوق القمّة من شدّة العطش. طفلان يتزاحمان أمام ثقب إبرة. يحاولان إمساك خيط أو غصن أو ضفيرة، لكنّهما يرحلان. يطاردهما وجه وساقية وشمس وأغنية عصفور حزين!. المشهد الخامس: اتَّسعت مساحة الحزن. ضاقت شراييني، أصبح المساء مجنوناً، وشقَّ خيط النّور ثلماً متناسقاً، تدرَّجت بين حافتيه الشمس وركعت بين ركبتيه، احتضنه دفء ثدييها. بدأ مزراب العين المكحولة يغسل وجنتيها الساهرتين، ويطبع الصباح قُبلتين فوق غمَّازتيها. عند إيابها خطتْ نحوي خطوتين مخمليتين. شعرها يضفي نعومته فوق كتفيها المعجونين بالجمال والأناقة. بدأت تحني رأسها وينحني معه عنقها، وحين أغلقت جفنيها، بقيت أهدابها السابلة تمدّ رؤوسها وتتهاوى فوق شرفة يستظلُّ الحنان تحت فيئها. كانت تتمايل... وقلبي المشغوف بلقياها كاد يقفز فوق الأشواك التي اشرأبَّتْ رؤوسها كي تحمل نبضاته وتمشي. الشوق يغسل هذا الحلم وأحياناً يقطعه إرباً إرباً. يغلي في ماء المرجل. تفور دمائي، فتمتلئ عروق جسدي، ومن الصعب في هذه الحالة أن أستقبلك وحيدة، لا تحملين وردة كعادتك. لم أعهدك بهذا العري وهذا التناسق، لم أرَ يوماً تفاصيل جسدك! لقد تجاهلتك في البداية كي أكبر في عينيك. عرفتِ كيف تصطادين وتوجهين نبالك إلى قلب لم يعرف سوى المطر الوحلي، وجسد أوهنته الحرب الداخلية، والمعارك التي لم ينتصر فيها أحد. تقدَّمي.. تقدَّمي أيتَّها الناهضة وسط أحلامي، ولا تخافي أن يحرقك الدفء. اقتربي أكثر ولامسي شغاف القلب وضفاف الروح. أنتِ غجرية. أُفتّش عنك منذ زمن. أخرجي من هذا السديم. افتحي نافذة على كلِّ الدروب. ارفعي يدك وردّي هذا الموج المتصاعد. امسكي وردة. شمّي عطرها. ابتعدي عن قذارة هذا الزمن. فلا تندمي أبداً. دوَّختني هذه السكرة، ولن يروي ظمئي خمر الدنان. لا يليق أن يقابلك رجل يتأبَّط سكره وولاَّعة مهترئة. لماذا ترتابين من الصباح الندي؟. لماذا تخزنين هذا الفرح وهذا التألّق؟ هكذا تمضي سنوات العمر وتمرُّ سريعة. تتطاير من ثناياها لحظات الأمل. اقتربي من هذه الساقية، وقّعي هذه الورقة البيضاء دون أن تقرئي سطورها، اغمسي إبهامك في هذه الوحول الكريهة، وافتحي صدرك للهواء. فالفضاء يعبق بخلائط من السموم! آخر المشاهد: تستطيع الفراشة أن تحمل أحلام الناس. تنتقَّل مزهوَّة بين الأزهار. وفي أحيان تغرق سفينة في البحر من كثرة ما تكدَّس فيها من أحلام، فتحملها الأمواج إلى الشواطئ. زبد يغسل صخورها، وتتلوَّى مذعورة من شدّة اللطمات. كثيرة هي الأحلام التي تنثرها الرياح، وتعبث بها كلّما هبَّت فوق اليابسة. تقتلعها وهي شتلات صغيرات. يقتلها الظمأ من تعدّد الطقوس البشرية. مرَّة، وفي قرية نائية ولد حلم في حبّة الطلع، اعتقدتُ كسائر أهلها، وبتفانٍ ساخر أنَّه جنين سيخرج من قفص أوراق خضراء إلى الحياة، ويعيش طليقاً، لكنّه دُفن في التربة، فعاد العويل مهذَّباً، وكانت الأشباح المذعورة تحمل المباخر وتقرأ أسفار الجنازات نصوصاً مشحونة بلذة الموت. لم أتراجع عن معرفة السرّ الموجود في إرهاصات المدّ الخلَّبي، رغم أنني أدفن كلّ يوم أجنَّة تولد ناقصة ولم يتكامل أيٌّ منهما. كنتُ أصوِّب إلى جسدي غصناً عارياً، إلاَّ من بعض البراعم المتيبسَّة فوق فمه. أمرّر عليه لعابي أو أغمسه في مياه البحر، فتزداد كهولتي وتبدأ عيناي تسبحان في وميض رمادي. يتسلَّق بصري قُبَّة غاطسة بين الغيوم. رؤيا متقطّعة باردة الأطراف تقطر وتنزُّ دماً كلَّما ابتعدت السماء عن السماء، وبقيت الأرض كرة من الثلج سرعان ما تذوب، فتنحدر السيول وتجرف ما تبقَّى من أنقاض وخضرة. تظلُّ الشواهد صخوراً لقبور آدميّة ولأحياء هذه القرية الذين يُساقون إلى مذابح "تمّوز" رغم وساطات "عشتار" المتكررة. كلّ يوم تسيل دماء الأحلام وتتهاطل دموعها.. كلّ يوم يتسابق الكهنة إلى مزاراتهم، يحملون الصواني النحاسية والشموع، يقفون خلف المذابح، يقدّمون الاعتذارات والتلاوات، طالبين الغفران عن ذنوبهم. أحلام لا تجد لها أمكنة. تزدحم أمام الأبواب. تنتظر واجمة، ساهرة. مثل الناس الذين يحملون جوازات سفرهم، يحجزون أمكنتهم فوق الأرصفة في هزيع يخطّه الليل، ينتظرون حتى الصباح، لكن دون جدوى!. وفي آب اللّهاب تحوَّلت الأحلام إلى جلود جافة وقشور. كانت الشمس تبخُّ وتمطر حرارة. أخذ العرق يغسل الوجوه، يتسربل فوق الوجنات. تمرَّد حلم وسط الصخب والضجيج. حملته فراشة مازالت تُخبّئ حبَّاً في قلبها. نهضت بصعوبة. دفعتها مئات الأيدي. حلَّقتْ. ابتعدت حدَّقتْ العيون إليها مودَّعة، وبدأ الحلم الطائر يلوح في جواز سفره. وعند أوّل مخفر حدودي هبطت الفراشة، وقفز الحلم فرحاً، رافعاً رأسه، وقدَّم جواز سفره. رحبَّ به طائر أشيب. ترسم الجدرة فوق جلدة وجهه أشكالاً . أخذ بطاقته وجواز سفره. قيّد يديه وأعاده مخفوراً في سيَّارة مُصفَّحة. أمَّا الفراشة فرفضت العودة وانتحرت، ودوِّن اسمها في سجل الأموات. وكُتبت عبارة في حقل الملاحظات. "انتحرت بإرادتها لأنَّها فقدت حلماً طائراً طموحاً. وستحنَّط جثَّتها وتنقل إلى متحف الطيور" |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |