دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الوســــــام

الآن...‏

لا تتجمَّع الذكريات كلّها إلاّ أنَّ ما يطفو منها على السطح يرتبط بما تركه أبو علي، من أثر بقي أسيراً في نفسي، تغلّفه ألوان من التقدير والحُبّ.‏

المسافات طويلة بين ذاك الزمن، وهذا... تبدلات طرأت على الهيكل الخارجي لأبي علي. أصبح هرماً. نحتت الأيام منه قالباً آخر، ولكن هذه الشيخوخة تعتقل في داخله مخزوناً من الحسرات والأشجان. يتدفَّق بعضها بين الحين والآخر، كلَّما ألحَّت الحاجة إلى ذلك...‏

أكثر ما يؤسفه أنَّه أمضى عقدين ونّيف يركض وراء سراب أوصله إلى هذه الحالة، معتقداً أنَّ رضاء البيك عليه يدخله جنَّة الدنيا، فكان يسمع الأوامر وينفّذها حتى أصبح يشكّل مع زوج الثيران، أو ما كان يطلق عليه الفلاحون اسم "الفدّان" كياناً حيّاً مندمجاً مع الأرض والتعب والصباحات الممشَّطة بالرياح الشرقية.‏

كلّ مساء يضع في علبة صغيرة حصاة ملساء يركّزها في رفٍّ فوق المِذود. يعدُّ أيام الفلاحة يوماً يوماً، خلال شهري تشرين، استعداداً لموسم البذار والزرع.‏

يصيح البيك كعادته قبل أن يندسَّ في فراشه، يمدُّ رأسه من النافذة:‏

- أطعمت "الفدَّان" والأتان يا أبا علي؟‏

- نعم يا سيّدي... الله يقدّرني... ويغصُّ في الكلمة الأخيرة.‏

يعود البيك في مساء اليوم التالي إلى جلسائه من وجوه القرية. وبعض المقرّبين.‏

تدور أحاديثهم عن الأرض والفلاحة والغيوم والسياسة.‏

في الصباح يسوق أبو علي أمامه الثورين اللذين حفظا الطريق شبراً شبراً.‏

يرفع المسَّاس فوق كتفيه. تتدلّى من طرفه صرّة حمراء، مغسولة بالعرق والهمّ. فيها ثلاثة أرغفة، وثلاثة رؤوس من البصل الأحمر المدورّ، ومطرة ماء ملفوفة بقطعة خيش، ربطها في حزامه الجلدي العريض. يلفّ رأسه بغطاء أسود. وحين تزمجر الرياح يدير وجهه للشمس النابتة من الشرق. يحثُّ خطاه، كأنَّه مدعوٌّ إلى وليمة شهيّة.‏

عندما وصل الحقل ومعه الثوران "صبّاح" و "صُبيح" وقفا كعادتهما. نظر إليهما مستشهداً بقوّتهما وصبرهما أمام الفلاحين، لكنَّ البيك أيضاً كان يُثني على صلابة أبي علي وخشونته وتحمّله قساوة الطقس وغبار التبن والأرض في أي حديث يدور عن الفلاحة، فيضحك المستمعون، عندما يردّد البيك الأسماء الثلاثة، لكنَّ الفرق، وهذا ما يعرفه أبو علي. أنَّه ينام في زاوية من التبَّان. وتقابله من الجهة الثانية طاقة، يرى من خلالها صديقيه ويتفقدهما أكثر من مرَّة في الليلة الواحدة.‏

وكان كلّ يوم ينثر الحصاة ويعدّها حتى وصلت إلى الرقم ستين، وكذلك يتفقد رؤوس البصل، أمله في نيل الحرية قبل أن يترك الحقل مساء، والتي وصلت إلى مئة وثمانين رأساً.‏

طوال هذه المدّة كانت الأفكار تتماوج في رأسه، وأحياناً تتقافز أمامه، وتخرج ساخنة، وأحياناً تتراقص ملتحمة في قُبّة رأسه، تغلي وتفور، ثمَّ تطفو فوق سطح الذاكرة.‏

حدَّق أبو علي مليّاً في السهول، والأراضي الواسعة، لامس بصره قوس الأفق، تلفّت حوله، وكان الفراغ يتّسع لأفكاره وأحلامه وأغنياته وصمته.‏

ابتسم وهو يتابع الأثلام الحمراء. شمَّ رائحة التراب. أعاد هذه الصور إلى ذاكرته. مضغ قطعة من الخبز الجافر. دلق وراءها جرعة ماء. اتَّكأ على قبضة المحراث. أدخل كفَّه الثانية في الحزام الجلدي.‏

الشمس تغرق خلف السهول والتلال.. رفع الثوران رأسيهما كأنَّهما يودِّعان شهرين من العمل والصبر.‏

فكَّ المحراث. ألقاه جانباً. حرَّر رقبتيهما من النير. مسَّد بكفّه السميكة جبين الثور "صبّاح" تارة، وداعب "صُبيح" تارة أخرى. وبكلمة من أبي علي سارا باتجاه القرية يرفعان عنقيهما، وأخيراً هبطا المنحدر الوعر. قطعا البيوت الحجرية. وقبل أن ينحرفا باتجاه البيت، كانت آخر خيوط الضوء تغيب عن القرية.‏

تحرّكت رياح جافة وباردة، التوت في الأزقة طليقة، وبقايا أوراق تتطاير.‏

يحمل البيك عكَّازاً ويرتدي قنبازاً من الجوخ الانكليزي المقلَّم، ويغطّي رأسه منديل أبيض منيَّل وعقال يميل إلى الأمام.‏

رفع العكَّاز، فتوقف الثوران وحركا ذيليهما، فنزع من رقبتيهما قلادتين من البصل.‏

تقدَّم أبو علي من البيك وخاطبه بحزم:‏

- هذان وسامان لك يا سيّد الأرض والحيوانات والناس، فاقبلهما هديَّة منّي مقابل عبوديتي.‏

أدار ظهره باتجاه الطريق الذي يصل القرية بالمدينة. أخذ الثوران يخوران خواراً شديداً، ودموع أبي علي تتهاطل فوق وجهه!!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244