دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المُحــــاق

غلطة كبيرة لن أكرّرها، لكني اضطررت إليها مُرغماً لمواجهة خوف أحد الأصدقاء الذي يرتجف عندما يسمع حديثاً عن المقابر والأموات.‏

كان يكره حكايات جدّته منذ الطفولة، خاصة بعد الفضيحة الكبرى التي ضجَّ بها الحيُّ حينما انتحر "السوَّاس" على حافة قبر حبيبته، وقبل أن ينتحر بثلاثة أشهر أُصيب بالجنون.‏

دخل المقبرة بعد منتصف الليل، أخرج سكيناً حادة، وقطع وريده، استلقى مخضَّباً بدمائه، ترك ورقة جاء فيها: "أنا الموقع أدناه محمد الراضي، الملّقب بالسوَّاس، انتحرت بإرادتي لأنني فقدت نبضة من قلبي، ولم أكن مجنوناً كما يتصورون.. السبب المباشر للانتحار حفرة تركتها نبضة في عتبة الفؤاد وهاجرت".‏

صممتُ متحدّياً الخوف. دخلت إحدى المقابر الجاثية في طرف المدينة. كنت حذراً أمشي على رؤوس أصابع قدميَّ، خشية أموات ما زالوا يتوقون إلى الحياة، يطوقونني بسلاسلهم السحرية، فأغدوا وحيداً لا أستطيع المقاومة.‏

فتحتُ أوّل قبر صادفني. ميتٌ يُشبك ذراعيه وراء جمجمته، ما إن رآني بادلني الابتسامة، عيناه خربتان. جسده هيكل عظميّ. فمه مغارة. اطمأنَّ لقدومي واسترسل في نوم عميق!.‏

وجدتُ "الوجبة" العليا من أسنانه بجانب رأسه، وتحت إبطه "الوجبة" السفلى. أحسستُ بيد تشدّني من الخلف. تدفع جسدي تارة نحو القبر وتارة خارج سور المقبرة.‏

صباحاً كررتُ الزيارة، أنعشتني رائحة باقات الآس المرشوشة بالماء، وخُضرتها الزاهية.. أدهشني ازدحام سوق البيع أمام رصيف المقبرة.‏

علمتُ أنَّ هذا السوق موجود منذ عشرات السنين "بسطات" تمتلئ بالأسنان العظمية البيضاء والذهبية، وبأقفاص عصافير مصنوعة من أضلاع الأموات، وطيور مُحنَّطة وأدوات نحاسية وأمشاط وأقراط متنوعة.‏

تزاحم الأطباء وطلاب الدراسات العليا لشراء القطع العظمية والأذرع والجماجم والأسنان ونساء تطوِّق أذرعهنَّ حزم الآس وحبَّات دموع تنحدر صافية فوق وجناتهنَّ. تحمل حزناً مبكّراً. وما إن أطلَّ جسدي من بين القبور سمعت صوتاً خشَّنته سكرة الموت. يناديني!.‏

اقتربت منه بهدوء، نقلتُ قدميَّ على مهل، وحينما تأكَّدت أنَّه صوت "السوَّاس" انفجرت أساريري، اقتحمتْ ابتسامة فمي. رسمتْ وردة موحشة فوقه.. أقسمتُ ألاَّ يقف احتراماً لي، فأنا أقبل ترحيبه بهذا الشكل خوفاً من انزياح عظامه عن بعضها، وإصابته بخلل فيزيولوجي، ممَّا يضطرُّني لنقله إلى أقرب مشفى.‏

أُصبتُ بالارتباك وفوضى القرارات السريعة، ولم يُنقذ موقفي إلاّ المدير الجديد للمقبرة.‏

تنفسّتُ براحة. جلسة هادئة معه تفيدني، وتفتح طريقاً تسهّل المقارنة بين حياتي ومماته، بين بيتي وقبره.‏

لأوّل مرّة أرى عظام الميّت بهذا الجمال، كنتُ أتمنّى مشاهدة حبيبته، لأنَّها كما وُصِفتْ آية من الجمال والأناقة والتناسق.‏

أغلق "السوَّاس" باب القبر، أدركتُ غيرته وسوء ظنِّه بالأحياء، وأنَّ حبيبته لا تظهر إلاَّ أمام الزائرات، وعلمتُ أيضاً أنَّه مرتاح من الهموم، وتدرّ عليه مبيعات العظام والأسنان والجماجم أرباحاً طائلة، ولم يتعرَّض طوال هذه السنين لأيّة مشكلة قضائية أو اجتماعية، وأنَّ معظم القبور أصبحت خالية من الأموات. وقد سرَّتني عبارة منقوشة بإزميل حادٍّ على شاهدة القبر "ملكة جمال عالم الأموات" وتحت العبارة صورتها وبجانبها وصيفتان تحملان طاقتين من الورود.‏

تدرَّج بيننا دفء الصباح ورائحة الآس وعطور أخرى، وبينهما أصوات ندبٍ ونحيبٍ وذكرياتٌ وخُطبٌ. أهازيج كسولة من الشعر والزجل.‏

نهض الأموات في وقت واحد، كأنَّ دعوة وجِّهت إليهم. التفوا حولنا. تقاطرت النساء اللواتي أنهين زيارتهنَّ، وشكلن طوقاً حول الأموات.‏

بقينا في الوسط نتلذّذ بشرب القهوة ونضحك. خرجت حبيبته من القبر مزهوة، تخطو نحونا بدلال، ترتدي أجمل الفساتين. بدأت ترقص وتغنّي على أنغام الطبل والمزمار والإيقاع.‏

ظلَّ الجميع يغنّون معها من أعماقهم ويضحكون. غصَّت شُرفات الأبنية والسطوح المجاورة بالناس.. زغاريد مبحوحة. نساء شكلنَ حلقة للدبكة، بالاشتراك مع الرجال. وتحوَّلت المقبرة إلى ساحة للفرح، كأنَّها حديقة تزهو بالخضرة والجمال.‏

حاولتُ إنهاء الزيارة، ورسخت فكرة في قاع رأس "السوَّاس" أننّي زائر خفيف ولطيف. لا أريد إضافة همّ إلى همومه، أو تعكير صفاء عيشه.‏

شدَّني من قميصي هامساً في أذني: "بجانبي قبر تركه أصحابه تلبية لدعوة إحدى المقابر التي فتحت باب الهجرة على مصراعيه. أرضه مبلّطة، وعلى سقفه نقوش تعود للقرن الماضي، وفضلاً عن ذلك أنَّه مكيَّف ومفروش بأحدث الموديلات من الأسرّة والكراسي والستائر الحريرية، ويمكنني كما أكَّد تأجيره في فصل الصّيف على الطريقة الجديدة وجلب الأرباح الطائلة".‏

ترك المهاجرون بعض أدوات العجن والطبخ والأسرّة الدوَّارة والأسنان. سمعت أخبارهم من محطّة البث التلفزيوني الثالثة، عبر القمر الصناعي، أنَّهم تسلّموا مقاليد الحكم في المقبرة الجديدة.‏

أعجبني رفض "السوَّاس" للهجرة، رغم الإغراءات المادية التي قُدِّمت إليه، وذلك كما ردّد أمامي حُبَّاً بالوطن وتمسَّكاً بترابه، ولأنَّه لم يجد قانوناً يحميه ويصون كرامته وحريته أو عدالة تُنصفه وتضمن حقَّه هناك!.‏

ابتسمتُ له.. رميتُ الابتسامة فوق صبّور من الرمال، ثمَّ دُستُ بحذائي فوقها، فخرجتْ أمعاؤها، وبدأتُ أقتلع أسنانها الذهبية والعظمية.‏

علمتني هذه الحادثة فنَّ الاتّجار بالعظام. تساءلتُ: "أمن المعقول أنَّ الأموات ماهرون بالتجارة إلى هذا الحدّ؟.."‏

ومنذ ذلك التاريخ لم تولد أيَّة ابتسامة، وإن وُلِدت تكنْ ناقصة أو مصابة بخلع ولادي.‏

حزن "السوَّاس" على هذا المشهد حاول اصطناع ابتسامة مشرقة، لكنَّها تكسَّرتْ وماتت وتركتْ فوق وجنتيه البارزتين طبقة سميكة من الألم.‏

أُصيب بحالة من الهستيريا والجنون. وقع على الأرض يتمرَّغ بالتراب. يتناثر الزبد المغشوش من فمه.‏

شعرتُ في هذه اللحظة الحرجة بأيدي الخوف تطوِّقُني، وسوط الندم يرسم خيوطاً من الخجل فوق وجهي، وبعدم قدرتي على معالجة الأمور بسرعة.‏

نسيتُ أنَّ "السوَّاس" حسَّاس جدّاً، وأنَّه مات منتحراً، فاتفقتُ معه على آخر مقترحاته ونصائحه. احترمت مشاعره الصادقة تجاهي، فوجدتُ قبراً في جواره يخلّصني من عناء التفتيش عن منزل، وأكَّد أنَّه يجب عليَّ أن ألتزم بتنفيذ قوانين المقابر الصارمة والمعمول بها.‏

وأن لا أطالب رئيس المقبرة أو مديرها بأيّة تعديلات أو تشريعات جديدة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244