|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القضيَّــــــــة ألحَّت زوجتي في هذا العام على أن نحتفل بالعيد الوطني لزواجنا. بدأت تتمتم بعبارات فهمتُ نصفها. ثمَّ ارتفع صوتها، وقالت: هذه هي الشمعة التي كنت أحلم بإشعالها كلّ عام مرّة، لكن الأيام كانت تمرّ هكذا... بسرعة، وكلَّما أُذكّرك بيوم زواجنا، تتجاهل الأمر، وتحمل محفظتك وتخرج، لنلتقي في ظهيرة اليوم التالي على طاولة الغداء. علائم الاستغراب والاستهجان رسمت فوق ثغرها ابتسامة عريضة. تدَّرجت ضحكتها. نهضت بقوّة ونشاط تجهزّ الحلويات. وتخرج الشمعة من مخبئها، بدأ الأولاد يرقصون ويغنّون. شعرت بالندم لأنني لم أوجد لهم مثل هذا الفرح من قبل، وهم يتذكرون خاصة بعد أن كبروا، لم أحضر أعياد ميلادهم، وإذا حضرت مرّة، فبمصادفة غير مقصودة. أحسستُ بالخجل عندما سألني ابني الصغير عن عيد ميلاد إخوته وأخواته، أراد أن يعرف الساعة واليوم والشهر والعام لولادة كل واحد!. ضحكت زوجتي. أدركت سخريتها. انسحبت إلى ركن في البيت بعيداً عن الأولاد. تهاطلت دموعها، لأنَّها تعرف موقفي الصارم والجدّي من تلك المسائل!. أرادت أن تضفي على جوّ البيت شيئاً من المرح، فعادت تحمل "دلَّة القهوة" بدأت تصحّح لي تواريخ الميلاد من الابن البكر حتى آخر العنقود، دون حاجة إلى دفتر العائلة. في تلك اللحظة كَبُرت زوجتي في عينيَّ، ازداد احترامي لها، ليس لأنَّ ذاكرتها لا تزال قوية، وهي تلج عامها الخمسين، بل لأنَّ الأولاد يلتفوّن حولها، حين تأتي من عملها، ويشرعون في تفتيش محفظتها وجيوبها، بحثاً عن العلكة والبسكويت، بينما يتجاهلون محفظتي عند عودتي، لأنَّهم يعرفون مُسبقاً محتوياتها من الجرائد والمجلات والأوراق. أخذت الشمس تلتوي وتتدرّج نحو الأفق بهدوء. الليل يهبط رطباً. عبقت في فضاء البيت روائح طيّبة، ثمَّ ساد الصمت!. حدَّقت العيون تكسوني حُبَّاً وودّاً، كأنَّها تقول: "لقد حفظنا تواريخ الثورات في فرنسا وروسيا، وأسماء الشوارع والأنهار والقياصرة والرومان، وهذا اليوم تاريخ جديد بالنسبة لنا، وفرح لا مثيل له". ارتدت زوجتي ثوب الزفاف. ارتديت بدلتي السوداء الجديدة. ركزت ربطة العنق. لبس الأولاد أجمل ثيابهم. تحلّقنا حول مائدة عامرة بالمأكولات والحلوى الشهيّة، أحضرت قالب الكاتو الذي يشبه "رعمسيس". قدمتُ لزوجتي طاقة من الورود. وزعت الهدايا على أبنائي. كسرت حاجز الجليد. بددت الصمت المطبق.. شعر الجميع بأنَّ بداية جديدة وُلِدت مع هذا الاحتفال الرُبْعي لزواجنا. كلّ يوم يمرّ كان مفاجأة بالنسبة إليهم، لأنني أصبحتُ أشرب القهوة الصباحية في المنزل، وتجتمع الأسرة كلّها ساعة الغداء... قللتُ من مشاويري. تابعتُ بعض المسلسلات التلفزيونية ووو.... لم تك زوجتي غبيّة. أعرف ذكاءها وفطنتها. قلتُ لها: سنكّرر هذا الاحتفال كلّ عام، ولا حاجة لانتظار ربع قرن آخر كي نحتفل بالعيد الذهبي! ولأنّها كانت تسمع الأخبار، وتتابع الصحف اليومية، قالت: إن الزلزال الذي عصف في روسيا، ورفع الـ "تحت" إلى "فوق"، وأنزل الـ "فوق" إلى "تحت" عاد علينا بالخير!. رجعتْ بذاكرتها إلى الوراء عقوداً، ورغم الفرح الذي كانت تقاسمني إيّاه مناصفة، ترقص وتغنّي معي في ذكرى الانتصار على الفاشيّة، وذكرى ثورة أكتوبر، أصرَّت، وبشجاعة، كأنّها تحقق أمنياتها وترفع راية النصر، وتقول: لا يمكن أن يكون للإنسان سوى وطن واحد. ومن يقول أنَّ لنا وطنين يخطئ!!.. لقد احتفلنا بأعياد العالم ونسينا أنفسنا. ولو أنَّ هذا الاحتفال جاء متأخراً، لكنَّه خطوة على طريق جديدة. ركزتُ جلستي على الكرسي. تابعت الإصغاء إليها علّي أتلقَّى منها مفاجأة ما!. أصبتُ بوجوم. أشعلت سيجارة. فتحت طاقة صغيرة على هامش الماضي. عادت الرومانسية تلامس هواجسي مرّة، وتدغدغ أحلامي مرَّة. أوقفتُ صيحة كانت تمدُّ أصابعها إلى دواخلي. تدفع روحي للثورة على زوجة تريد التمرّد عليَّ. تصف حياتنا بالجفاف وأنَّ هذا الاحتفال البسيط هو تتويج لسنة يفور الخير والخصب من أثدائها. راجعتُ نفسي ومواقفي. بحثت عن البراهين المغايرة لأقوالها. ترددت بين مسايرتها في هذه الليلة، وبين مواجهتها!. قلتُ: كلّ الحقُّ عليك. لماذا كنتِ تُسايرينني طوال هذه الأعوام؟. وكان الفرح يتألَّق ويرقص فوق وجنتيك، حينما كنتُ أقدِّم لك وردة حمراء في مناسبة، واليوم قدَّمتُ لك طاقة ورود ملوَّنة، وجلبتُ معي أجمل الهدايا وأثمنها. إنَّ الحاضر يا زوجتي العزيزة يتَّكئ على خاصرة الماضي، وشعورك بالتجديد والتغيير أصبح ضرورياً الآن!. الشمعة تحترق.. تذوب كأجسادنا. تتدحرج الأيام وتمضي السنون. يتحلَّق الفرح ويزهو. وبينما ضحكاتنا تتسلَّق دروب الليل، رنَّ جرس الهاتف.. عمَّ الصمت وطغى شعور غريب!. تسمَّرت العيون عليَّ وأنا أتحرَّك وأرفع السمّاعة... أُرهقت الآذان تتابع صوت أخي الباكي يهدر من القرية!... - أبو عامر.. أحضر بسرعة. أمّنا في خطر، أصيبت بنزف دماغي!!!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |