|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الخيبـــــــــة لم يزعجني البياض السابح في فضاء المدينة، بل أفضى إلى قلبي حنيناً لثلوج الشتاء ووبر الإبل! شدتني أرتال الضباب وحركته الحلزونية، كأنَّها تسابق السيارات البيضاء المستوردة حديثاً، التي شبهها البعض بـ "الغزو الصناعي"، وقال عنها آخرون "أنَّها خلَّصت البلاد من أزمة المواصلات". علقتُ بدوري على هذا الخبر، وانطلقت همسات من داخلي كنغم حزين، شعرت بالدوار وعدم توازن جسدي فوق الرصيف، حين كنت أنتظر باص النقل الداخلي، المثقل بالناس من مختلف الأعمار، الذين كانوا يتأرجحون ويميلون كلما انعطف يميناً أو يساراً، يتنشَّقون دخان المحرّك، وهم يسافرون في رحلة الصباح إلى أعمالهم. أشعل سيجارة علّي أنتهي منها قبل أن يأتي الباص الثاني، لكنّي أشعل سيجارتين أخريين. أحدِّق في عقارب الساعة.. ها هو الوقت يمضي رويداً رويداً، وترتفع الشمس فوق الأبنية، ولا أزال أتفقَّد جيوبي وأحسب ألف حساب، وأنا أبحث عن سيَّارة أجرة تنقلني إلى عملي. تعود أفكاري تتجمَّع من جديد في دائرة واحدة لتدبير الحجج وتوليف الديباجات البيضاء أو السوداء، فيما إذا سألني مديري عن سبب التأخر. كان هذا فيما مضى... أمَّا اليوم. فلا تنفع مثل هذه الحجج، لأنَّ "الفئران البيضاء" ملأت الشوارع وساحات المدينة. وتمرُّ أمامي في دقيقة عشرات السيَّارات. وزاد متاعبي أكثر ارتفاع أجور النقل. بدأ تفكيري يتجه إلى ناحية أخرى!. وهل كان بإمكاني التقليل من مصاريف النقل وامتلاك صنعة التوفير والتقنين؟. أن أنتظر الميكروباص، لأنَّ أجرته تساوي نصف أجرة السيَّارة الجديدة.. هذا ما كان يحصل معي يومياً. وكنت أنجح أحياناً في تنفيذ هذه المهمّة، وفي أحيان لا أحقّق النجاح!. هذه حالة مؤقّتة لا تدوم، خاصة بعد أن تناقص عدد باصات النقل الداخلي إلى العشر وأغلقِت معظم كوى شراء البطاقات، ولا يليق بي كموظف من الدرجة الأولى التأخر عن عملي. قررت الانطلاق في صباح كلّ يوم من قرب المنزل حيث تتجمّع "الفئران"، وتصطف بشكل متناسق، تنتظر كلّ واحدة رحلتها بفارغ الصبر. لم يَعُد للازدحام سجّل في ذاكرتي. وتذكرت في هذه اللحظة قولاً مشهوراً. "أهن فلسك ولا..."، فقررت التخفيف من التدخين وعدم اصطحاب علبة السجائر إلى مكان عملي، ونجحت في هذه المهمّة. كانت محاولاتي تتكرّر، تلحُّ الحاجة أن أمشي نصف المسافة وأستقلّ السيّارة في النصف الثاني، لكنّي لم أحقّق نجاحاً في ذلك!. طمأنت نفسي عندما سمعتُ بزيادة الأجور.. أخذت أنفاسي تعود إلى طبيعتها. خفَّ الاضطراب الذي ساورني في الماضي، وشكَّل ضغطاً على تصرّفاتي وغيَّر من سيكيولوجيّتي. الحيرة والقلق يتسابقان ويضغطان على أعصابي، فارتفعت الأجور وأُصيب التّجار بجنون الربح! تكسَّرت أحلامي! حينئذٍ أصغيت بانتباه شديد إلى نصيحة أحد الأصدقاء، بأن أشرب الخمر كعلاج مُسكِّن للآلام ودواء يُنسيني أوجاعي ويشتّت همومي. قال: "اسكر كلّ يوم حتى تنسى، فتضعف ذاكرتك، وتعود إلى حالتك الطبيعية". شجَّعني على السُكر ازدحام الخمَّارات والمقاهي بالناس، وازدحام الأرصفة والشوارع بالسيَّارات والدّراجات والباعة والعاهرات والشحَّاذين والموديلات الجديدة. أصبحت الهواجس تدقُّ أجراسها في قُبّة رأسي. عاد الخوف يدفعني أكثر إلى ممارسة أفعال مخالفة لسلوكي الذي لم يَعُد يتناسب مع روح العصر، علَّ فنّ التغيير يحقّق طموحاتي، فأقلعت عن التدخين وتحوَّلت هوايتي إلى "فنّ النرجلة". وفي كلّ مساء، ومهما كانت حالة الطقس أتوجَّه بفرح إلى مقهى في وسط المدينة، يطلُّ على الشارع الرئيسي، أطلب نفساً أعجمياً، أظلُّ أتمعّن وأدقّق في وجوه المارة والباعة. تهاجمني نشوة من الغبطة، حين تختلط قرقرة النرجيلة بالضجيج والقهقهات. لم تكن هذه الحالات والمشاهد التي أرصدها بدقّة تُنسيني همومي، ولا يحتاج الأمر سوى كاميرا لالتقاط الصور المُضحكة -المُبكية، حين يؤشِّر هذا الشخص بيديه ويرفع سبَّابته، وآخر يرفع صفحة وجهه إلى السماء، وثالث تكشف ابتسامته عن أسنان صفراء.. ورابع يسند جسده الواهن إلى عمود على طرف الرصيف!... أصيخ السمع جيّداً. تقفز في الفضاء تمتمات لم أفهم منها شيئاً، غير أنني أُصاب بمرض الضحك، فتحدِّق فيَّ عشرات العيون، وتشير إليَّ أصابع الاتِّهام بالجنون!. لم تنفع أناقتي وهندامي المتناسق!. وقبل أن أهبط آخر درجة وأخطو الخطوة الأولى في الشارع الذي يلـفُّه الهواء والسكون، تنفذ إلى روحي، ويحثّ خطواتي مقطع من قصيدة كتبتها منذ زمن: "جرح يفتِّش عن دوائه/ قلب تحاصره الرياح، طير يفتّش عن عشيقته/ ثدي يضيع في المراح". فكرة جديدة شجَّعني عليها زملائي. قلت: هنا سيكون الخلاص! سأقدِّم أوراقي إلى إحدى دول النفط، وإذا لم يجدِ هذا العمل، سأهاجر إلى بلد أجنبي. كان للصباح نكهة أخرى.. جمعت أوراقي وسرت باتجاه السفارة، تتقاطر أحلامي ويشرئبّ عنق سعادتي نحو القلب. وقفت مع الرتل الطويل. تأبّطت أوراقي وأحلامي ومشاريعي القادمة. كانت المفاجأة أن خرج أحد الموظفين من السفارة. يحمل مكبِّراً للصوت، ويقول: "انتهى موعد تقديم الأوراق"!!... قررت بعد سماع الخبر أن أهجر السير عل الأقدام ولو لمسافة قصيرة، والعودة إلى المقهى والنرجلة والسُكر، حتى ينتفخ كبد الليل وتمتلئ رئتا النهار بالبرودة والصقيع والأدخنة. أوقفت أوّل سيّارة قادمة، جلست في المقعد الوحيد الفارغ. دفعتُ خمس ليرات. انتظرتُ دقائق، علَّ السائق يتكرَّم ويعيد إليَّ ما تبقَّى من الأجرة.. قلتُ في نفسي: "أنتظرُ قليلاً!". تمعنَّتُ في وجوه الركاب الجالسين على يميني ويساري. أدرت رأسي نصف دورة نحو الخلف. صمتٌ ووجوم.. عيون كسلى، يخترق ضوؤها زجاج النوافذ، انحرف نحوي كأنَّه يقول : "لماذا تتعبُ نفسك؟". كررتُ مُطالبتي.. صرخ في وجهي... رفعتُ صوتي ويدي.. هدّدته بتقديم شكوى. ضحك بسخرية! أجبته: إنّك تخالف القوانين وتأخذ أكثر مما تستحق، ولم تحترم مشاعر الناس... حاولت إثارة الحماس لدى بعض الركاب، لكن دون جدوى! سخر منّي أحدهم. وردّد آخر: "سامحه بهذه الليرة الجرباء" وثالث.. وسابع! أما الرجل "الوقور" الذي يجلس مع زوجته، فأتحفني بجملٍ، منها: "هي ليرة، لا قيمة لها". ولماذا كلّ هذه المشاجرة؟. صرخ الجميع بصوت واحد وهبَّوا من مقاعدهم: "عيفنا يا أخي" حاولتُ اصطناع الهدوء.. ابتسمتُ رغماً عنّي. قلت: أنني أطالب بحقوقكم.. ازداد اللغو والهمسات وارتفعت الضوضاء. حاول أحدهم أن يهزَّني من كتفي. وعند أقرب موقف. توقفت السيارة. فتح الباب شاب غير وسيم، تبدو ملامحه خشنة، دفعتني من الخلف الأيدي بقوّة.. انزل... تأخرنا.. انزل يا أخي، سمعتُ صوت الليرة يرنُّ فوق الرصيف!!.. أصبحتُ خارج السيَّارة التي أقلعت بسرعة جنونيَّة، تفتح صدرها للريح... فشلتُ في تسجيل أو حفظ نمرتها.. رافقتها عيناي حتى نهاية الشارع.. أشعلت سيجارة وتابعت المسير إلى البيت أترنَّح وأتمايل كشجرة لن تصمد طويلاً في وجه العاصفة!!... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |