|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الصَّحـــــوة جلستُ في تلك الليلة وحيداً، أنبش في محطَّات النهار التي تنقلتُ بينها، بحثاً عن صورة جميلة!. يمرُّ أمامي شريط تزدحم فيه لقطات مخيفة، وأخرى متقطعة الأنسجة، وبين صحوة وإغفاءة تسمَّرت مقلتاي أمام لوحة أثرية، كأنني أشاهدها لأول مرَّة. عادة تتلبَّسني منذ الطفولة. لم أبدلها طوال العقود المنصرمة. إنني أستجمع الحوادث التي أسمعها، والمشاهد التي ألتقطها في النهار، وكثيراً ما تظهر في أحلام النوم ناقصة، أو يدخل فيها الرعب والخوف، ثمَّ أنساها في الصباح أو أتناسى غير الهام منها. يظلُّ يجلدني سوط الندم على عمل أحبّه، لكنّي لم أقدم عليه. تجاوزت رغباتي الملحاحة. نفضت من ذهني أجمل الذكريات. كنت أتوق بشوق إلى ذاك الصباح الذي يشبه كل صباحات الشتاء.. غيوم ومطر. رياح تستعجل خطواتي. تدفعني من شارع إلى شارع. شعرت بلذّة الوقوف تحت ظلِّ شجرة قائمة على قارعة الطريق. تتعارك أوراقها فوق الأغصان، فتهتزّ بشدّة وتتساقط اليابسة منها فوق رأسي. اعتراني القلق خشية سؤال، ربَّما يوجهه إليَّ أحد المارة عن سرِّ وقوفي الطويل، وعن بصري الممدود إلى الرصيف الآخر!. تجاهلت نظرات الناس. غامرت في هذا الوقت المقتطع من سعادتي، ومن هذا الفرح الذي أطلقت عليه "الفرح اللقيط". ترددتُ كثيراً بين متابعة مشواري، وبين متاعبة هذا "العاجز" الذي يزحف على قفاه.. لكنّي حسمت الموقف أخيراً. سررت لأنّي وجدت بطل قصَّتي!.. وجهه ليس غريباً عنّي. ذقنه الطويلة وعيناه.. حركات يديه، لكن ليس هذا بنطاله وسترته وشعره!. غيَّر حاله وأبدل ملابسه.. تزاحمت الرقع الكتَّانية والجلدية فوق الركبتين، وحول الكوعين. هل يُعقل أنَّ المعلم "عماد" يطلب الصدقة ويستعطي المارة. يمدّ يديه بذلَّة!. الدقائق تسير وئيدة، وكلَّما حدّقت في ساعة يدي أو أشعلت سيجارة جديدة، تعود صورة "عماد" تتجسَّد أمامي. تحمل معها ذكريات المدرسة، التي أمضينا فيها عامين دراسيين، والنقاشات الحارة التي كانت تدور في الاستراحات. وحركاته المسرحية ونكاته والمقالب التي يدبّرها للمدير... ونحن نضحك ونضحك وننسى همومنا وأوجاعنا. لا أصدِّق أبداً! هذا ليس عماداً! إنَّه يشبهه! أو أحد أقربائه!... تساءلتُ مع نفسي: "لقد انتقل صديقي من مدرسة القرية إلى مدرسة في المدينة، قريبة من سكنه". تذكرتُ عبارته التي كان يرددها دائماً في غرفة المعلمين وبقيت راسخة في ذهني: "سأقف أمام أبواب الجوامع... سأجمع آلاف الليرات وأشتري منزلاً، وأتزوَّج، وربمّا سيَّارة أجرة... وأنت أيُّها الكسول تحمل أوراق السفر في محفظتك المهترئة وبيانات خدمتك في التعليم وصوراً ومصدَّقة عن شهادتك. تتنـقَّل طوال الصيف بين السفارات، تبحث عن باب للهجرة". أجمل الفتيات يشفقنَ عليه، وهو يختلس نظرات شبقيَّة. يبحث في طيَّات جمالهنَّ وبين ثيابهنَّ المشدودة بعناية، يشعر أنَّ أحلامه تقترب من الانتصار!. يُعدّ الليرات الفضيّة والورقية ويدسّها في عُبِّه، محاولاً مسح وجهه المتعرِّق بكُمِّ قميصه. وهذه سيّدة أنيقة تفوح من جسدها رائحة النعم تجزل له العطاء. وهذا شيخ جليل يحمل سبحته الطويلة ويتمتم، ولا يتجاهله. يحاول عماد فتح يديه وتحريك شفتيه كأنَّه يقرأ الفاتحة أو يدندن بترتيلة دينية أو يقرأ سورة المستضعفين!. تتسارع عقارب الساعة أحاول التفرّس أكثر في خلقته متمنّياً أن يقف لأرى قامته أو يدور دورة كاملة لأتمعنَّ في جسده. لكن محاولاتي باءت بالفشل!. مللتُ الوقوف والانتظار. كدّتُ بلحظة غضب ندب حظّه وتعاسته، ومتابعة السير، وما تزال بعض دقائق تفصلني عن موعد هام. أخذ عماد يزحف باتجاه الأبنية، يتفقَّد المارة كأنَّه يرثي لحالتهم، أو يسلِّم عليهم ويودّعهم!. يتسارع بصري مع حركاته. خطوت بالاتجاه نفسه، ثمَّ توقفت!. ولج في مدخل أحد الأبنية.. أتحرَّك خلفه ببطءٍ وخفَّة. أتلفَّتْ حولي.. سرتُ دون خوف. امتلكت الشجاعة الكافية حبَّاً بمعرفة بداية ونهاية قصّة هذا المعلم الذي امتزجت ألوان صورته، بنتفٍ من ألوان صورة قديمة له، متجذِّرة في ذاكرتي، لكنَّ كثرة الأحداث وتقادم الزمن وغبش الأيام الموحلة، طيَّر من رأسي بعض المشاهد!. وحين هبطتُ الدرجة الأولى، كان عماد يرتدي ثياباً أخرى جديدة، ظهرت ذقنه حليقة ناعمة. أطلَّ عليَّ بوجهه الأبيض المدوَّر، وبخدّين متورّدين!. أخرج محفظة صغيرة، وبدأ يرتّب الليرات بعناية.. أشعل سيجارة طويلة، وسرَّح شعره الأسود الكثيف. أودع صرَّة ثيابه البالية في إحدى الدكاكين، ودفع أُجرة تأمينها. لم أتحمَّل هذه الصور والمشاهد المُتزاحمة أو هذه الصواعق التي تكاد تفجِّر رأسي وتمزِّق قلبي. حاولتُ الاقتراب منه. سألته عن اسمه... تردّد، ثمَّ أنكر!. قلت: اطمئن!! لست من جهة حكومية!. أنكرني. وتجاهل الأسماء والأمكنة التي ذكّرته بها. أنذاك فقط أدركتُ خطأي، فهو ليس عماداً، ذلك المعلم النبيل الذي أعرفه، بل إنساناً يشبهه، أو قريباً له احترف مهنة "الكدية"!. صفقني بنظرات حادة. ركزَّ ربطة عنقه. مسح حذاءه. أخرج من جيب سترته رزمة من المفاتيح. تسمَّرتُ في مكاني كعمود من الإسمنت. تابعته بحزن وهو يفتح باب سيَّارة زرقاء، ثمَّ أقلع مُسرعاً. فغابتْ بين الأبنية، وبقيتُ أتنشَّق الدخان المتطاير من محرِّكها!!.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |