دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

العتمــــــــة

لا أريد أن أقاتل العتمة بالعتمة، وإنَّما دفعني إلى هذا القتال حلم، يداه صغيرتان وعيناه غائرتان وساقاه مقوّسان. حلم يحبو فوق رأسي، يمشي في أعماقي!.‏

اضطررت من شدّة خوفي إلى مجالسته والاستماع إليه، فأخذ يرشقني بمقدّمات أفلاطونية. اعتقد أنَّ ترويضي سهل وبمنتهى البساطة.. راجعتُ أفكاري المحاصرة. حملت زوَّادة متواضعة، حشوتها في جورب مطَّاطي.‏

دفعني الحلم، ثم مشى أمامي. تركتُ غرفتي بكلّ مافيها من فوضى في ذاك الحيّ المربوط مع المدينة بطريق ضيّقه محفَّرة.‏

أقفل الأفق نوافذه. تناثرت في اتساعه وضيقه بالنسبة إليَّ شظايا رمادية تقفز بينها قبّرة صغيرة تتعلم الطيران.‏

تخلصتُ من الأبنية الشاهقة على جانبي شارع مستقيم، يتّسع لصخب العالم، كأنني أرى أشباحاً تتنقَّل معي بين الأشجار.‏

وحيدٌ في أوّل ليلة من ليالي الخريف. أقف على حافة النهر. أمدُّ عنقي وذراعي، علّي ألمس سطح الماء.‏

انحنيتُ أكثر وأكثر.. الحلم يدفعني. يمطُّ ذراعيه. ألسنة الهواء تُداعب الأغصان. تتطاير الأوراق من حولي وفوقي. تخشخش تحت قدميّ. ينزُّ الغشُّ من جروح الأشجار، وتحت صفحة الماء يندسُّ نصف الشمس ونصف القمر. يختفي ضوؤهما.‏

بقي النصفان الآخران سرَّاً مجهولاً‍‍! لا أعلم أين يختبئان! هل هما في جوف الأرض، أم يتغطيان بلحاف السماء؟..‏

المساء الموجوع. الصباح المحمول في زورق ينفض الندى والماء والغبار عن أجنحته. ويغرق في الضباب.‏

في هذه اللحظات المغموسة بهمسات الليل، كان للصمت لحن، وبدأ العزف الداخلي يطربني، وبين مُتعارضتين بدأتا تتقاربان من بعضهما، عصرتا وصيّة قديمة قالها والدي: "قبل أن يحفر حرّ اليابسة في جسدك أثلاماً ويُلقيك فريسة للعتمة، توضأ يابني في ماء النهر. تعرَّ وأنت واقف، ففي هذا الليل لن يراك أحد، ولا مكان للنوم على الأطرف المتشقّقة لليابسة".‏

أقف أمام النهر.. البحر بعيد، يشكّل نهاية العالم الذي أعيش فيه. خلعتُ ثيابي. كوَّمتها فوق حافة مهترئة متآكلة. لم يتركني الحلم الملعون. ظلَّ يؤلمني. هشَّم جسدي العاري بأظافره وأنيابه، ولم أستطع التخلّص منه.‏

كنتُ أشتهي في تلك الساعة القاتلة قمراً يستضيفني، يخرق ضوؤه الحجاب الدامس. أشتهي أن يحملني على كتفيه العاريتين ويُلقيني في بحر الظلمات، لأشرب من مائه الأسود وأتذوّق ملوحته، أو يقفز على صفحة ماء النهر.‏

تعب الحلم وهو يدفعني تارة ويشدّني تارة أخرى. يُداعبني مرَّة ويبتسم لي على غير عادته.‏

أحاول أن أفتح عينيَّ. أنزع من جفنيهما القذى، وجسدي عارٍ، تشكَّلت فوقه آلاف الحبيبات ذات الرؤوس الشوكية.‏

تصلَّب شعر رأسي. أصبح كشفرات حادة. تلفُّني أذيال الرياح التي بدأت تنشط. أختفي بين طيَّات الظلام أصرخ وأصرخ، لكنَّ صوتي المخنوق ظلَّ حبيساً. اختلطت عليَّ الاتجاهات. حاولت القفز فوق الماء. تحوَّلت قدماي إلى وتدين مثبتين في الأرض.. يداي تتمسَّكان بالحافة بقوَّة.‏

عمرٌ مديد يطول الصراع معه. هُدِرت فيه أُمنياتي. فأصبحتْ السنون تضيق، ويستطيل الخريف فوق مثلث الفصول الأخرى، وتتكاثف العتمة. تمتدُّ ألسنتها إلى الماء والأحجار والأسفلت والأوراق.‏

في هذه اللحظات الحرجة جدَّاً ضمر الحلم، ابتعد وهو يغنّي. لم أسمع مثل هذه الأغنية أو مثل هذا اللحن من قبل!.‏

ارتميتُ فوق بلاط الغرفة. تلمَّستُ جسدي ورأسي وشعري ويديَّ وعينيَّ. تهاطلت دموعي، والعرق الحار يغسل جسدي.‏

فتحتُ النافذة. أطلَّت الشمس بوجهها الأصفر المدوَّر، تمسح أشعتها دموعي ووجهي. مرَّرتْ أصابعها البنفسجية بين شعري.‏

أخذت الرياح تشتدُّ في هذا الصباح، تحمل الأوراق والغبار والروائح، وتزدحم المدينة بالناس والسيَّارات وصفَّارات الإنذار!!!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244