دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

طُرْفــــــــة

أنكرتْ "طُرْفة" الاتهامات الموجَّهة إليها. تحايلتْ على الحاضرين بابتسامة... أمالت رأسها نحو أبي الفضل. غمزته بعينها اليسرى، فضحك ضحكة هادئة.. حاول أن يُسكت رفاقه ويغيّر اتجاه الحديث.‏

هكذا كان المساء يتمايل بعد غروب الشمس وتزدحم "مضافة" أبي الفضل بالفلاحين.. المرأة الوحيدة التي تُجالس الرجال هي "طُرْفة".. امرأة حادّة الملامح.. أسنانها الذهبية تلمع في فمها.. يلفُّ رأسها منديل أسود من قماش الموسلين الذي يُعطي بريقاً، وتغطس تحت شفتها السفلى دقَّات خرزيّة زرقاء، وكذلك سمكة صغيرة مُغْرية، تسبح بين نَهْديها، تتنقّل بين بحيرتين صافيتين. تُذكّرني الدقّة المدوّرة عند مُلتقى الحاجبين بالمرأة الهندية..‏

خدَّاها يتفجَّران حيوية، وحينما تتحدَّث "طُرْفة" يصمت الرجال.. وكان أبو الفضل يستشهد بشجاعتها ورجولتها، كلَّما تلعثم لسانه في قصّة ابتكرها من خياله الفلاّحيّ الضيّق.‏

سكت أبو الفضل في هذا المساء.. وضع كفَّه تحت خدِّه قاعدة للتأمَّل. اقترب من "طُرْفة" وشمَّ أنفاسها. اعتبر نفسه شاهداً معها على ماتقول ووصفها بـ "الذواقة". ولم يأتِ هذا الوصف مُصادفة، بل له اعتبارات كثيرة، بخاصة بعد أن أصبحت تستظلُّ في "مضافته" بعد وفاة أمّ الفضل. وعندما حلَّ الليل وأظلمت شوارع القرية وفضاءاتها، أصبح "اللّوكس" منارة للمتسامرين، يُعطي دفئاً لذيذاً ومقبولاً في أواسط فصل الربيع.‏

حاول أبو الفضل أن يخفّف من وقع الاتّهامات التي وجهها الفلاحون إلى "طُرْفة"، بأنَّها خَلَقتْ من مزار "الشيخ غريب" هالة سحرية، وأدخلت الرعب إلى قلوب الناس، خاصة النساء اللواتي خِفْنَ من اغتصابهنَّ. وكانت تقول: "لاينام الشيخ غريب إلاَّ بعد أن يضاجع امرأة من نساء القرية، وهو الذي يختارها، ووصفته بالـ "شيخ المُنْقذ". القادر على تأمين الفرج إلى قلوب الأطفال وإعادة الشباب إلى الشيوخ، وتأمين العرسان للصبايا والمطر للمواسم، ويقف بوجه الطوّفان والعواصف".‏

لم يتجرَّأ أحد من أهالي القرية أن يمرَّ ليلاً قرب المزار إلاَّ أبو الفضل، بعد أنْ يلقَّم بارودته الألمانية. وأصبح يملك هذه الشجاعة بحكم الوراثة أبٍ عن جدّ، وذلك لأنّ بيدره يقع في جوار المزار، وطوال موسم الحصاد كان ينام بجوار والده على "طرحة" القمح، وتعوَّد أن يظلَّ وحده بعد وفاة والده، وعوَّد أيضاً أبناءه!.‏

كانت "طُرْفة" تحسب ألف حساب لأبي الفضل، فالتصقت به أكثر، وشعر أبو الفضل عندما لامس فخذها فخذه، بقشعريرة تسري في جسمه كلّه، معتقداً أن لحمها مشحون بشحنات كهربائية.‏

همست في أُذنه، فضحك ضحكة طريَّة وديَّة، ثمَّ ركزَّت قعدتها على يمينه، ولم تُصغِ إلى ثرثرات النساء وهنَّ يَسُقْنَ الطرش إلى المرعى، أو وهنَّ عائدات من جَلْبِ الأغنام.‏

هذه المواقف دفعت ابنته "حسناء" إلى محاولة ضربها بمجرفة الزبل، وهدَّدتها "طُرْفة" بحرمانها من العريس إلى آخر عمرها!.‏

وفي غفلة من "طُرْفة"، وكان الوقت ظهراً، تركت "حسناء" "المضافة" بحجَّة أنَّها ستزور إحدى صديقاتها، وصرَّت في طرف منديلها حصاة من الصوَّان لها شكل ليرة فضيّة. ظلت تتلفّت خلفها حتى وصلت إلى المزار، الذي هو عبارة عن قبر على شكل "جمالون" مُليَّس بالإسمنت، وموجود في غرفة بابها مفتوح بشكل دائم، وفوقه أشرطة من القماش الملوَّن. وشموع مُضاءة ليلاً نهاراً. وحول المزار قفص من القضبان الحديدية، وطاقة صغيرة تسمح بإدخال النقود. وفي الأركان الأربعة طاسات نحاسبة ملأى بالبخور، يتصاعد الدخان منها ويعبق الفضاء بالرائحة المنعشة.‏

دخلت "حسناء" وتأكَّدت أنَّ أحداً لن يراها. جلست حول القبر جلسة العبادة ثمَّ زحفت وتمسَّكت بقضبان القفص الحديدي، وفتحت يديها وقلبها وعينيها للتأمّل والحصول على البركة. وطلبت من "الشيخ غريب" طلباً وحيداً لاتريد غيره، بأن ترزق بابن الحلال. وبلّلت الحصاة بلعابها وألصقتها في مقدّمة القبر من طاقة تتسع لدخول اليد، مُخصّصة للصبايا والعوانس والمطلّقات وللنساء اللواتي لايثقنَ بأزواجهنّ فإذا التصقت الحصاة، سيأتي العريس بأقرب وقت. وإذا لم تلتصق، ستبقى عانساً، وستموت مع أحلامها.‏

ضَعُفتْ ثقتها بالـ "شيخ غريب" عندما لم تلتصق الحصاة، لكنَّها كرَّت شريطاً من قصص "طُرْفة" وحكاياتها الخارقة عن قوَّة المزار، وسرعة تلبية دعاء البنات.‏

جرَّبت حظَّها مرَّة، مرَّتين، وخمس مرات، دون فائدة!. بلَّلت الحصاة بدموعها المتهاطلة وألصقتها وهي تغمض جفنيها، فلم يستجب!. فأنَّت كجريح، ولطمت بكفيّها على خدّيها، فازدادا توهّجاً، وكاد الدم ينفر منهما، وكأنَّهما تلوَّنا بأحمر الشفاه!.‏

"حسناء" صبيّة فاتنة بجمالها. لم تحظَ القرية بفتاة مثلها، وهي ابنة المختار الوحيدة المدلّلة، ولها من الأخوة أربعة، وهي آخر العنقود، لكنَّ الحظ كان يبتعد عنها كلَّما تقدَّم لخطوبتها شاب. ولم تعرف السبب، إلاَّ أنَّها أوشكت أن تعرف، ولكن بعد فوات الأوان، وعندما أنهت العقود الثلاثة من سني عمرها، وتجرَّأت وهمست في أُذن "طُرْفة" "أريد أن تبصِّري لي ياخالتي طُرْفة".‏

أحضرت "طُرْفة" البخور وطاسة ماء، وأعطبت قطعة من القماش، قصّتها من ثوبها دون أن تدري. وكان البخور يحترق، و"طُرْفة" تدور حولها سبع مرَّات، بعدد أيام الأسبوع. وقالت لها: سأكرَّر هذه العملية سبعة أيام، وبعدها ستدعين لي بالتوفيق، لأنَّ المفسد سيظهر، وستشاهدين وجهه في هذه الطاسة، وسيكون هو قاطع نصيبك من الزواج، ويتربَّص بك ويقف في طريقك، ويريد أن يحطِّم آمالك وسعادتك، ثمَّ نهضت، وهي تصيح. ونهضت معها "حسناء" وتمسَّكت بها مستغربة صوت الانتصار الذي ملأ روحها وعصف في فضاء المكان مبدّداً دخان البخور!.‏

تكلَّمي.. تكلَّمي، ياخالتي "طُرْفة". مَنْ هو ابن الحرام الذي يجفِّل الشباب ويجعلهم يحجمون عن خطوبتي. قالت طُرْفة بعد أن هدَّأت من روعها وعادت أنفاسها إلى أوضاعها الطبيعية، إنّه "حسن" ابن عمّك، هو سبب كلّ مايحصل معك!.‏

تساؤلات مريرة جابت روح وجسد "حسناء". تقمَّصتها من أسفل قدميها حتى قمَّة رأسها.. أسئلة تتراوح بين الحقد والغضب وبين الشّكّ والريبة من نصائح طُرْفة. لماذا طُرْفة تُشير بأصابع الاتّهام إلى ابن عمّي؟‏

إذا كان الأمر كذلك، لماذا يتجرَّأ حسن على ممارسة هذه الأفعال؟ ألأنني رفضت الزواج منه؟.‏

مضى زمن وجاء زمن، وهاقد شبَّ أبناؤه وكبروا، ولايزال يضمر الكراهية لي ولوالدي!!.‏

ظلَّت حسناء في حالة من القلق. يُحاصرها شبحان يريدان أن يئداها، وأينما تحرَّكت يتبعاها ويرصدان كلّ نسمة هواء تتنشقّها.‏

شبحان يطاردانها.. شبح طُرْفة الغيورة والحسودة، وشبح حسن الحالم والذي مايزال يحلم بمداعبة نَهْديها، وشمِّ أنوثتها، لكنّها خذلته، فتحطّمت أحلامه. ولم ينسَ هذه المواقف طوال حياته!.‏

نامت تلك الليلة مشوّشة الذهن.. عَكِرة المزاج. وبدأت الصور تدور في محطّات ذاكرتها، وتتلوّى رؤوسها، وأحياناً تتمزَّق أطرافها..‏

انتصف الليل وهي تتقلّب على جنبيها.. خرج الفلاحون من "مضافة" أبيها، ولحقت بهم طُرْفة، ومازالت عيناها تشخصان في السقف.‏

لم تعرف في أيّة ساعة رقدت كحطب أكلته النيران، وكيف نهضت مذعورة كأنَّ أشباحاً تُطاردها أو عفاريت هزَّت مضجعها وأقلقت روحها وقطعت عليها مشوارها الطافح بحلم مضيء دافء، كان يدغدغها ويداعبها ويفرش الأمل والسعادة.‏

كيف غطست في حوض البلّور الأبيض؟ وكيف مسك يدها حبيبها، ونهضا معاً بعد جولة من المُداعبة والقبلات والرعشات التي غسلت جسدها بنثيث الحبّ؟.‏

كأنَّه ميلاد جديد وصباح غير الصباحات المدفونة في سنوات القحط، وشمس لاتلهث عندما تصعد إلى قبَّة السماء.. صباح هادئ ورائع ونديّ!!.‏

صرختْ حسناء.. نهضت مذعورة وخائفة.. شعرها منفوش. شفتاها يابستان همست في سرّها: "إنّها طُرْفة تُطاردني.. هذه العجوز الشمطاء التي تفيض رعونة، وخباثة. تُطاردني في يقظتي وفي نومي، وتمزِّق حتى الأحلام الصغيرة وتدفنها. لقد حطَّمت كلّ شيء جميل، وجعلت من هذا الجسد الأملود قطعة من الحطب".‏

قرّرت حسناء أن تطرد طُرْفة من المنزل، ولاتسمح لها بعد هذا التاريخ أن تضع قدمها في عتبة "المضافة"، لأنّها سبب مآسي صبايا القرية، وتحمل سلاحاً حادّاً صقلته في المزار.. تُزوِّج مَنْ تريد وتطلِّق من تريد وقرارها يُنفّذ دون تردد!!..‏

الصباح الجميل شهوة ناقصة... ملامح تحمل متاعب الليل. تسلَّقت الهواجس رأسها وتشبَّثتْ به... تسمَّرتْ عينا حسناء أمام المرآة... تناثر شعرها بغير انتظام على كتفيها.. عيناها ذاويتان، وغاب اللون الأحمر عن وردتي خدَّيها...‏

وجهها ليمونة.. شفتاها ساقية جافة.‏

حاولتْ أن تنحو منحى آخر، وتغيِّر مسارات أفكارها وأحلامها، وأن تتجاهل الكابوس الذي حاصرها ودوّخها وفتل رأسها، لكنَّها لاتملك القدرة على تبديد آثار غيوم الليل!..‏

ظلَّت الشمس تنتظرها خلف شجرة الكينا الضخمة التي غرسها جدَّها منذ مئة عام.‏

أدارت حسناء ظهرها للعليّة، وهبطت الدرجات العشر باتجاه "المضافة" ولم تتوقّع في هذا الصباح المغبّر أنْ تجد شيخ القرية يتصدّر، وأمامه دفتراً كبيراً أو سجّلاً، وعلى يمينه تجلس "طُرْفة" وعلى يساره كان والدها يطير من الفرح.. أمَّا "حسن" فكان يوقّع كشاهد أوّل على عقد زواج عمَّه من طُرْفة!!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244