|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
حكايـــــة لاتُنسى الشوق يمزّق ذاكرتها.. الصباح يغسل وجوه الناس. تسترسل "نوفة" أمام المرآة. تسرِّح شعرها. تمسح أشعة الشمس خمولها، وتمنح جسدها الدفء. تتنقَّل بين النوافذ مستطلعة، متفقّدة. يهترئ بصرها وهي تمدّه بعيداً. تفور الهواجس من رأسها. الفضاء يتسع للتأمّل ، يضيق من الانتظار، كأنَّ روحها مدفونة تحت كمأة وأحلامها تتعرّج بين صفعات الهواء. رذاذ ريبعي يطرح نفسه فوق وجه الأرض. تتهيّأ "نوفة" للبحث عن مطر يروي عطشها، وتغريدة بلبل يطرب قلبها، وفارس يلملم أشياءها المبعثرة ويحقّق أحلامها. تتفقّد تمنياتي في تلك اللحظات ثقوب نوافذ غرفتها. أتلذّذ بمراقبتها وهي تتحرّك وتتمايل بغنج ودلال. رفعتُ رأسي. شعرتُ أنَّ يداً تدفعني بعيداً عن النافذة. ترافق ذلك مع صوت المغربي!. عُدتُ إلى مكاني المُحبّب لأنّي أفضِّل أن أقضي ساعات الصباح أتندّى وأتدفّأ وأراقب حركات الفلاحين. أتمعّن في القطعان المنطلقة إلى مراعيها. تطفو روحي وتتسامى حين أسمع أصوات العصافير، والحمام يلوِّن الفضاء بريشه. هذا الصفاء لاتعرفه "نوفة" لأنّها كغيرها من نساء القرية تصرُّ في فكرها وتأمّلاتها أموراً خاصة جداً. تعتقد أنَّ جمالها صورة للفُرْجة ويتفوَّق على جمال بنات القرية وعلى الطبيعة أيضاً. أخذ بغل المغربي يلهث.. تتسع دائرة خياشيمه. تخبط أقدامه بحذواتها الملساء أحجار الزقاق. بدأ صوت سيّده الخشن يُعكِّر الهدوء.. ترجَّل وساقه أمامه... الناس يعرفون القادم منذ سنوات طويلة، كأنَّه واحد منهم. ارتفع صوته مُنادياً على بضاعته، مردّداً: "أمشاط... مرايا.. دبابيس.. علكة.. ملاعق.. صحون". لم تنسَ "نوفة" يد المغربي تُمسِّد شعرها.. كانت آنذاك طفلة. وأُمّها فتيّة لم تمتْ بعد. ظلت هذه الصورة راسخة في ذهنها، فكلّما مرَّ أمام البيت مع بغله تكتفي بشراء العلكة وتدفع ثمنها بيضة واحدة. تذكَّرت كيف كان يبخّر وأمّها تتنشّق.. تتهاطل دموعها بسخاء.. تضحك وتكتفي بالقول لأبيها: "مرَّ المغربي وقدَّمتْ له أُمّي رغيفاً ساخناً وصحناً من اللبن الرائب". تسند ظهرها إلى الحائط. تدسّ يديها بالخرج. تُداعب الأدوات وتقلّبها. تنقِّل بصرها من عينين مكحولتين بين المغربي والنسوة والأشياء. تُراقب بدقّة. تلحُّ عليها رغبة ناضجة. تدلك خدّيها وتمسح بقذيلتيها وجهها الأبيض. تراقب المغربي وهو يرتّب البيض في السلّة بين طبقات التبن، ويفرغ القمح في كيس من الكتّان. يتطاير الشرر. يتقادح من عينيها فوق رؤوس الناس والأحجار. وفي هذا الوقت يتضاءل الظلّ، وتفرش الشمس بساطها فوق العشب. تتغلغل خيوطها في النهر. فيسطع سطحه ويسرح الهواء في السهل الأخضر، ويتموَّج العشب أمام البيوت. الوجع يرعى كآبتها. دموعها تبشِّر عن أشياء لا أعرفها!. تتناثر كحبَّات الرمل.. رائحة البخور... يدان تتحركان. رأس ينحني، ينحدر شعرها الناعم فوق كتفيها. تتخلله أدخنة ودموع وتعاويذ!. أُحدِّق... أفتح ذهني جيداً. يتقدّم رأسي يتمتم المغربي أو يقرأ.. لم أميّز تماماً مايجري بين الخيوط الدخانية!. وجهان يستظلان، لكنني لمحتُ أصابعه تدهن خدّيها وجفنيها وخلف أذنيها... فكَّتْ "نوفة" أزرار ثوبها.. ظهر نهدان فائران. تثاءبتْ وتثاءبَ. فمان مفتوحان. وجهان يتقابلان. عطر يفوح ودخان يتحلزن. تنهض الشمس. يبحث وميضها عن جدران. تتلاشى قطرات الندى. يتسلل النسيم بين الأوراق. تحلم الأشجار. الزقاق يتعرَّج خالياً. صمت جاف. يركع المغربي على ركبتيه. يُلقي برأسه فوق صدرها. يسترخي عنقها فوق كتفه.. خدَّان يتلامسان. يدور رأسها... بغل يجوب الدروب بنهم. أسئلة محيِّرة تُحاصرني "شكوى أم فضيحة؟ سمِّها ماشئت!". تركض خلفه. قدماها حافيتان. شعرها يتطاير، وبقايا عطور تنهض من جسدها الطريّ. الناس يتراكضون. تتناقص المسافة بينها وبين الناس والمغربي. لا أعرف كيف تغلّبتُ على خوفي وصمتي، ولا أعرف كيف انتفضتُ من استرخائي، وطرتُ كسهم، أصيح.. وتصيحُ.. ضجيج وبقايا ضباب. غبار وعشب وساقية. صور منتوفة الجوانب. شمس تمرّر أصابعها بين الغبار والزرع. هدَّأتُ مع الناس من روعها. لملمتُ اضطراباتها وشعرها وثوبها، وبقيتْ تُردّد: سأطير معك إلى آخر الدنيا. س.أ.ط.ي.ررر... أُغلِقتْ باب الدار. ربّت والدها بيده الواهنة على كتفها، لكنَّ عينيها بقيتا تتسمّران في وجوهنا. طُرِح المغربي على الأرض ويداه مقيدتان وراء ظهره. تلتصق ذقنه في صدره. تسيل دماؤه سواقي صغيرة، تنحدر ملتوية من رأسه ووجهه. خَمد صوتها وتراخى جسدها. بقي جسدها يهبط، ونهداها ينهضان، ثمَّ ارتمت مُنْهكة، معروقة بين قدمي والدها. تربَّع المغربي بعد أن فُكِّتْ يداها من القيد.. السوط والعصا فوق رأسه. أخرج من جيبه خُصلة شقراء من وشعرها. فركها بين إصبعين مرتجفين. نفخها نحو الأعلى والأسفل. مرَّرها أمام وجهها. دَخَّنَ البخور. فتح كتاباً فيه أرقام ورموز وأسماء غريبة.. وجوم وسكون ومفاجأة!. شفتان تهمسان. جفنان مسبلان.. دخان وبخور ورائحة تدور بين الرؤوس وتتعالى!!. نهضتْ "نوفة" تتمايل وتتلّوى. أمسكت حجراً. بدأت تهرس رأسه ويديه، وتدقّ ظهره. عيناها مندهشتان ومفتوحتان باستغراب وذهول!. تساؤلات ونزيف. صمت وضجيج، وعلائم تعجّب تتزاحم في فضاء الدار!. أحضرتُ "بوَّاً"(1). ضحك المغربي وفهم ماأقصده من هذا العمل، فنتف بعض الشعرات من الجلد. ركع وقرأ، وكرَّر الصورة السابقة. الخوف يمتدُّ شريطاً سحرياً بين الوجوه والقلوب. انسلَّ المغربي بهدوء ويداه ترسمان إشارات مُبْهَمة أمام وجوهنا!. بقي العجل ينطَّ.. تدور أُمُّه حوله، تمسح وجهه بلسانها. يسيل لُعابها. تترك خلفها خيوطاً بيضاء رفيعة!. اختفى الرجل بين الكروم وأصبحت حكايته تثقب دفء الذكريات!!. (1) البوّ: "إذا ولدت البقرة عجلاً، ومات، تُفرَّغ أحشاؤه، ويملأ جوفه بالتبن. وعندما يحين موعد حلبها، يوضع أمامها. فتحنُّ عليه وتبدأ بلحسه. ويبعث هذا الدفء الأمومي الحليب من أثدائها. وهذه تجربة ناجحة عند الفلاحين". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |