|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الرَّبَـــض(1) لم أكن مشاركاً فعالاً في تلك الليلة، بل كنت مستمعاً. يمرُّ أمامي شريط من الذكريات. عيناي تمتصان غبار الأحاديث ويخدش رنين الكلام أذنيَّ. تُخزِّنُ ذاكرتي أخباراً مُتفرِّقة. كان لعودتي من المدينة إحساساً خاصاً عند أهلي وأصدقائي. عدتُ إلى تلك السنوات بصعوبة، ولاغرابة من سماع تلك الأحاديث. اعتقدتُ رغم صغر سني آنذاك، أنَّ هذه القصّة تناقلتها الألسن، ولاتزال تدور كجاروشة بين فترة وأخرى. بدأتُ أشك أنَّ شيئاً يخصّني، مُخبّأ عنَّي. وكنتُ أنتظر مفاجأة!!. أيّة مفاجأة!! لكن لاأدري ماذا يحدث في نهاية تلك السهرة! سوى أنَّ أسطوانة منخورة بدأت تدور ببطءٍ، تلتقط كلمات ذات معانٍ متناقضة، ثمَّ تتسارع في دورانها مع تصاعد ضحكات وقهقهات تضغط بقوّة على أعصابي، وتتعالى مغسولة بالفرح. وتنزُّ من الوجوه التي تبدو شاحبة، تربطها خيوطاً من دخان "الجلّة" و "نُقْرة" في وسط الغرفة يتوهَّج الجمر فيها، وتتكئ فوقه "دلّة" القهوة. يا إلهي!!.. قطع الليل شوطاً من أسفاره. حدَّقت إلى هذا الفضاء المخنوق بالأضواء الخافتة، الهابطة من أطراف فانوس وفتيل مقسوم إلى نصفين، كقرني جَدي صغير. الفضاء رحب خارج جدران الغرفة، واسع، تتراقص النجوم فيه وترعاه مُجْتمعة حول القمر. دبيبٌ ونهيق حمير يطاردها كلب. تقفز فوق "حَبَلات" البيادر. عرائش الكرمة تسكن بين أوراقها العصافير. خفافيش الليل تجوس أزقّة القرية، تُصفِّر فرحة. كان الصباح رحيقاً نديّاً رطباً. الشمس تصعد بهدوء فوق البيوت. تتسلّق رؤوس الأشجار. تطلُّ ضاحكة، وتعلو، ويطول النهار، يمتدُّ ساحراً فوق العشب والأحجار، وعلى غير توقع تدوّي دقَّات جرس الكنيسة ثلاث دقّات متتالية. يتوزّع صداها، يُطوِّق خصر القرية، وكأنَّ موعداً للحزن يترافق مع الجرس النحاسي الكبير، يزغرد لسانه. يخبط بشدّة على الجوانب السميكة، فيصل إلى أبعد بيت في القرية. سؤال غريب وقف كحاجز على مفرق الدروب! فأيّة طريق أسلكها! توقفتْ حيرتي حين شاهدتُ عدداً من الفلاحين يسوقون أبقارهم وبغالهم، قادمون من السهل، وآخرون توقّفوا عن الحراثة عندما سمعوا الدقّات. لم أسمع عن مرض "عيسى" المفاجئ، ولم يحدثني أحد عن الفلاح البسيط، أنَّه في حالة غيبوبة منذ مساء أمس!. لم أُصدِّق أول الأمر أنَّ رجلاً بهذا الجسم الضخم، وهذه الصحة، يترك كل شيء خلفه، يموت بهذه السرعة!. بقيت صورته معلَّقة أمامي تسايرني وأنا أفكِّر. تأكل وتشرب، وكلما مددتُ حبلاً لأنشل من أعماق الماضي أسرار هذا الرجل أُصاب بالصداع وأتراجع نحو الخلف. بدأتُ أقرأ من دفتر طفولتي سطوراً. أُقطّع فصولاً من قصّة رجل مات، وبعد يومين حَمَل كفنه. شقَّ غبار الموت. رفع "ربَضَ" القبر بيدين صلبتين وخرج مغسولاً بالتراب. وعندما سرتُ مع الناس خلف جنازته، رافقني شبح الموت، وكان بشعاً في تلك اللحظات الحزينة، المشوبة بالخوف. رائحته كريهة. وتخيلتُ أنه يدفعني نحو المقبرة. بدأتُ أرتجف. أخطو بصعوبة، أسير في جنازة بسيطة متواضعة وراء ستة رجال يرفعون سلَّماً. و"عيسى" جثَّة منفوخة، يلفّه كفن.. دُفِن في حُفرة وأُهيل فوقه التراب. شاركتُ الناس ونثرتُ فوق القبر حفنة من التراب. قلت لنفسي: "من التراب وإلى التراب". كلّ شيء بدا طبيعيّاً حتى هبط هذا النبأ، فأرهبنا، كأنّه غيمة سوداء خيَّمت فوق رؤوسنا "انتصر عيسى على الموت وعاد حيَّاً إلى بيته". حمل هذا الخبر رجل كان يقود حماره إلى كرمه قرب المقبرة، فسمع صوتاً وأنيناً واستغاثة!. استغرب الرجل أوَّل الأمر. حثَّ حماره على السير، فحَرن. وخزه، ثمَّ ضربه بشدّة، لكنّه فوجئ بالحيوان يستلقي على الأرض، وينهق نهيقاً حزيناً. تأكّد الرجل من الأنين الذي لم ينقطع. أصاخ السمع. اقترب من القبر. لامست أُذنه جداره. ازداد الأنين. تساءل! تمتم! ما الذي يحصل في هذا الوقت؟. ذُعِر وهرول مسرعاً ينشر الخبر. اعتقد أهالي القرية أنَّ الرجل قد جنَّ. ضحكوا وسخروا منه. ردّدوا: "عيسى حيّ.. عيسى حيّ". وتحت إلحاحه وتوسلاته توافد الناس جماعات وأفراد وتجمهروا حول القبر، وحين تأكّدوا، أزاحوا التراب والحجارة عنه، وبدأوا يردّدون بصوت واحد: "عيسى حيّ... عيسى حيّ".. نهض عيسى من بين الأموات مثل "ألِعازر" يمشي على قدمين. يلفُّ جسده قماش أبيض ويحمل بيده جمجمة. حُمِل إلى بيته وخلفه جموعاً وغباراً وأصواتاً.. عيسى.. حيَّان.. عيسى حيّ.. عيسى.. لم أتخلَّص من وقع المفاجأة بسرعة. أصابني الذهول والحيرة. وهل يُعقل أنَّ عمراً جديداً وسنوات ربَّما مديدة سيعيشها عيسى، ويعود إلى بيته وأرضه، يزرع ويحصد ويحرث ويغنّي، ويأكل الخبز الساخن على طرف التنوّر، يغمسه بالدبس والسمن، ويُطارد دجاجاته ليدخلهنَّ إلى القُنّ. تجرأتُ على سؤاله بعد أن استردّ روحه وأشرقت ابتسامة غطَّت نصف وجهه الواسع، ومطّ شاربه نحو الأعلى وبدّل ثيابه. جلس في وسطنا ضاحكاً مُسْتبشراً!. قلتُ: ماذا شاهدت ياعيسى في تلك الليالي الثلاث؟. ضحك "حيَّان" كعادته وتقاربت تجعّدات وجهه من بعضها. تقلّصت جلدة جبينه، ثمَّ ظهر نابان ألبستهما بالذهب "نوريّة" كانت تتردد إلى القرية في موسم الحصاد. أجاب: شاهدتُ عجلاً أسود سميناً. جلده يلمع وله قرنان صلبان وغليظان. يجرُّ خلفه عربة تمتلئ بالأموات والهياكل العظميّة، يقودها رجال بهيئات غريبة!. حاولوا أن يشدّوني ويحملوني معهم، لكنّي رفضت وتمسّكت بالرَبَض. قال أحد الحاضرين: وكيف قبلوا ذلك؟ أجابه: لم يتركوني إلاَّ عندما وعدّتهم بالعودة ثانية وإخبار ذويهم وزوجاتهم وأولادهم عن أحوالهم. سألتْ امرأة تقف على عتبة الموت. صحيح.. صحيح، يا حيَّان، هل سيعودون ثانية؟ قال: نعم. كل ماقلته وما رأيته كان صحيحاً!.. قالت: هل تغيَّرت أشكال الأموات. وملامحهم؟.. أجاب: لم تتغيّر ملامحهم سوى أنَّهم أصبحوا هياكل عظميه!. سكت الجميع. سيطرَ جوٌّ من الصمت. أحضر عيسى خروفاً، بطحه فوق الأرض. وضع رأسه على حافة العتبة. بسمل.. ذبحه.. وظلَّ يُمسك فكيّه حتى سالت دماؤه.. قال: سأجِّرب مرّة ثانية، لكن ليس في هذا الوقت، بل في الربيع القادم، عندما تزهر الأشجار وترتفع سنابل القمح. ومَنْ يرغب بإرسال الهدايا إلى أمواته وأحبابه وكتابة الرسائل إليهم، فأنا على أتمّ الاستعداد لإيصالها، إن كانت من النقود أو الثياب والعطور والأحذية والأطعمة اللذيذة!!.. في اليوم الثاني لعودة "المَيْت" من رحلته انهالت عليه الهدايا وامتلأت جيوبه بالنقود والقطع الذهبية. وفي صبيحة أحد أيام الربيع فوجئت القرية بأنَّ "حيَّان" غادرها سرَّاً إلى جهة مجهولة!!!... (1) حجر مستطيل منحوت تسقَّف به البيوت، ويصل بين القناطر، وتسقَّف به القبور أيضاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |