دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

فوَّاز يحكي جنونـــه

إلى فوَّاز العيسمي.. تتقافز نبضات قلبي نحوه دائماً...‏

-1-‏

تعبر صور الماضي أليفة إلى كوخ ذاكرتي، لكنّي لم أستطع تمييز شكل قميصك وهندسته.‏

القميص الذي حدَّثْتَني عنه كثيراً، وعن هدّية امرأة عمّك المتقمّصة في الحاضر. لم أعد أميّز بين لونه ولون وجهك!. تظلّ ضمَّتك ساخنة مُسَمَّرة أمام وجهي، وأنت تردد في أكثر من جولة كلاميّة وسط حشد من الأصدقاء، عندما طاردك أحد الأطفال محاولاً الإمساك بك، فطرت أمامه وساقاك تسابقان الريح، لكنّك توقفت أمام البركة.‏

استطاع أن يشدّك من القميص، فخرج بيده. ألقى به فوق التراب الحامي، فجاء واقفاً كصبّور ملح متجلّداً في قيظ الصيف!.‏

توقف يلهث. عينٌ ترصدك وعينٌ تجمَّدت فوق قطعة القماش المقدَّد، اليابس، كعظمتي وجنتيك البارزتين، وأنت تغوص تحت الماء، تبحث عن حافة البركة الأخرى، وعن ملجأ يستر عريك!!.‏

-2-‏

تُنقِّل بصرك بين الوجوه المرتاحة الرضيّة. تتشابك خيوط عينيك. تتخلل أهداب عيونهم وبياض بشراتهم. أمَّا قلبك فكان يرقص مع قهقهتك المعهودة التي مازلتُ أميّز تدرّجاتها.‏

أنت غيمة ماطرة في كلّ الفصول. تعشق الجفاف. تتمايل بين انحناءات القمح النديّة. تحمل صرَّتك التي تذكّرني بطفولتك وبسمرة وجهك المائلة إلى السواد، ولا تفرِّق في العتمة بين الدرب الهالكة والدرب السالكة!‏

أجبت عن السؤال بنفسك: لماذا تقف وسط لوحة جميلة؟..‏

-"سأخرج بهدوء خوفاً من تشويهها قبل أن تغتالني عيونهم وتؤرّقني عيناها، وسأضحكهم قبل أن أتركهم".‏

التفتوا نحوك بمحبّة. تعالت ضحكاتهم. اعتذرت منهم وودعتهم. قلت لهم: اسألوا أمّي.. لابل لقد سألتها قبلكم: لماذا جرّدتِني من الجمال يا أُمّي، علماً أنَّ وجهك يقابل قمر قريتنا وشمسها!.‏

بوغِتت أُمّي من السؤال السخيف، وامتعضت. نهضتْ تتكئ على كتفي. إنَّها أُمّي.. تعرفونها.. استضافتكم البارحة وكرَّمتكم. لكنَّها أرادت أن تُضْحكِكم، فاضحكوا منّي ولا ترتعبوا من هذه اللوحة السوداء، وسط زخرفاتكم وألوانكم!.‏

وعندما كانت تتوحَّم دلَّتْ رأسها في فوهة برميل الزفت الجاف، فجئت أشبه بالعبد.‏

انسلَّ فوَّاز بهدوء كقطّة مبلّلة بالماء. تركهم مذهولين!. تابعتْ عيونهم باسترحام وفوق وجوههم فقاعات باهتة، سرعان ماتلاشت وعاد الجمال إلى تلك اللوحة!.‏

-3-‏

يُطاردني اللون الرّمادي.. هكذا قال فوَّاز..‏

أجبته: لأنَّه يلتصق ويتشبّث بي.‏

أهلكني هذا اللون ولم أستطع جرفه أوتشويهه. وقفةُ استرحام كبَّلتني أمام جدّتي، أطلب منها بيضة لأنَّ شهوة جارفة وحارقة تمسَّكت في حلقي، فاشتهيت الحلوى في إحدى أماسي الصيف.‏

لبّت جدّتي النداء أمام إلحاحي وتكرار طلبي. أعطتني بيضة وكان فرحي يُطارد خطواتي إلى دكان أبي حمد الأعرج، لكنّي وجدته مغلقاً‍.‏

البيضة في قبضة يدي. تحتضنها أصابعي وتضغط عليها بحنان. حاولت أن أقرّبها من قلبي، فتلوَّنت نبضاته. تسرّبت حركة غريبة إلى سمعي. توغّلت في أعماقي.‏

قلّبتُ البيضة، دوّرتها في كفّي الصغيرة. وضعتها على أُذني. ارتخت يدي. سمعتُ أصواتاً. درتُ عدّة دورات حول مركز الصوت. انبطحت على الأرض. لامست أُذني التراب. أصخت السمع جيّداً. كأنَّ الزمن توقف! ازدادت النقرات من الداخل.‏

اعتقدتُ أنَّ كتكوتاً أُصيب بالخوف، يودّ الخروج إلى الهواء. خمّنتُ أنَّ جدّتي أخذت البيضة من تحت القُرقة.‏

حيَّرني مصدر الصوت! ولم أعرف من أين يأتي؟!.‏

شددت أصابعي، قلبّتها.. طرتُ في الطريق الترابية رافعاً ذراعي خوفاً من وقوعها أو اصطدام يدي بحائط فتنكسر وينقسم قلبي فلقتين، لكنّي لم أدرِ كيف سقطت من الروزنة إلى أرض التبَّان الروماني وأنا أقفز فوق الأسطح المتلاصقة.‏

بقيتْ كفّي قابضة على البيضة رغم كلّ المخاطر. جُنَّ العجل الوحيد الموجود في التبَّان. حاول أن يفتح بقرنيه درباً في الجدار السميك من وقع المفاجأة!.‏

لم يتوقع هذا الهبوط الغريب من السقف. هجم عليَّ. كان يدور في أرض التبَّان، يجعر. يتحرَّك من ركن إلى ركن. يهاجم الباب المغلق، يفتح خياشيمه، يشبّ بجسده الطرّي. يرقص وينطُّ.‏

دفعتني الحيرة العمياء. تلبسني الخوف أمام هذا الوضع إلى التسَّلق على الجدار.‏

ربضتُ ككلب مذنب فوق نتوء حجري بارز على طرف القنطرة، أنتظر لحظة الخلاص!.‏

يدور العجل بحركة غريبة فيها بعض الجنون وبعض الخوف. يقف على قدميه الخلفيتين موجهاً قرنيه إلى الأعلى. قرن نحو رأسي وقرن نحو قبضة يدي، وأنا ساكن صامت أرفع ذراعي عالياً.. يتعالى صوتي. تُمزِّق الفضاء المضطرب شتائم عمّي الذي كان يردّ على نداءاتي دون أن يعرف مكاني!.‏

يسأل عن مكاني وأنا أجيبه. تترجرج كلماتي، تمتزج مفردات الصوت بالصدى، حينئذٍ سمعتُ خطواته تقترب من الباب.. سحب المزلاج الخشبي. تعالت ضحكاتي، عندما هجم العجل باتجاه الضوء القادم يريد الخروج.‏

هبطتُ قافزاً، تُحدِّق عيناي بجسد عمّي. يرفعه قرنان قاسيان وصلبان، يُرمى فوق الحجارة.‏

ركضتُ نحوه أضحك رافعاً ذراعي. دفعته أمامي. تتراخى تمتماتي. تَهْمدُ من شدّة الفرح.‏

اتجهتُ نحو دكان أبي حمد الأعرج، ظلَّ عمّي يركض خلف العجل، ولم أدرِ فيما إذا استطاع أن يُعيده إلى التبَّان في ذاك المساء الصيفي!!.‏

-4-‏

سخرية لاذعة طوَّقتني بها فتاتان لبنانيتان أرادتا مسخ أحلامي. تعتقدان أنني شاب لم يُقابل وجهي سطح المرآة منذ عام. يتناثر الطحين من ثيابي كلَّما اهتزَّ جسدي.‏

فكرَّتُ بعمق. سبرت أغوار قلبي. رائحة مُنعشة تنسحب نحوي، أسنان لؤلؤية مرصوفة بعناية إلهيّة تدغدغني كلَّما تحرَّكت شفتاها.‏

راودتني رغبة أن أُطوِّق خصرها وأشمَّها وأُقبّلها في أي مكان أستطيع الوصول إليه. وألوِّن نعومتها بعرقي ورائحتي الزنخة.‏

شعرتُ بأنَّها تقرف وتتقزّز من منظري، لكنَّ الجنون دفعها إلى الأسئلة والاستفسارات؟!!..‏

لا أدري كيف تجاسرتْ وبدأتْ تكيل تساؤلاتها. هل تتفاجأ حينما تستمع إلى أجوبتي؟..‏

قلتُ: لم أغتسل ذاك المساء. نهضتُ كالمجنون من بين أكياس الطحين المكوّمة فوق مصطبة الفرن في أحد أحياء بيروت.‏

المصطبة ملاذي ودفئي. فوقها تتصادم أحلامي. تحيا وتموت. آكل وأشرب. أقرأ وأتسلَّى. أُبدِّل ثيابي وأحلق ذقني. أمشّط شعري في تلك الزاوية الحميمة على قلبي.‏

أتمنّى في لحظات السعادة ألاَّ تراني خطيبتي الغائبة، وأنا أغطس بين الأكياس أو أمام بيت النار. كلّ هذا من أجل توفير بعض الليرات.‏

كنتُ أصوِّر لها حياتي كدفء قلبينا وشفافية روحها. وقفتْ خطيبتي بيني وبين هذه الفتاة التي أصرَّت على معرفة أسراري ووجودي في صالة سينما غير مخصَّصة لأمثالي.‏

صورتان تشعّان، تصقلان روحي وذاكرتي. تُطاردان فرحي وحزني.‏

صمّمتُ بعد إلحاحها الشديد أن أُعرِّفها عن اسمي الصريح ومكان عملي وهويّتي الشخصية واسم الفيلم، وعن شكسبير وأدبه وحياته وكتبه.‏

حاولتُ أن أستعيد بعضاً من كرامة أرادت هدرها وتمزيقها وتسفيهها. سألتني: لماذا لم تبدِّل ثيابك ورائحتك حتى تظهر على حقيقتك؟.‏

قلتُ: هذه حقيقتي. صورة مُهملة مُطاردة ممزَّقة، وحين علمتُ بأنَّ فيلماً شكسبيرياً قطع البحر سالماً، سيعُرض في هذه السينما، قفزتُ وطرت، لكنّي ياصديقتي العزيزة أرجوك أن تقبلي منّي هذه الهديّة!.‏

مددتُ يدي، فنفرت. تراجع جسدها. حاولتْ دفعي بقرف. احتضنتها صديقتها في المقعد المجاور.‏

عاد الهدوء والاستغراب عندما قرأتُ لها أسماء قصص وروايات عالمية. حزنتْ.. شعرتُ بدفء جوَّاني تحمله أنفاسها، لم تتفاجأ من أقوالي واعترفاتي غير السرّية!.‏

قالت: أوضح لي يافوَّاز كيف وصلت إلى الصالة؟.‏

-رفض قاطع التذاكر السماح لي بالدخول. ألقى نقودي في وجهي وشتمني. جمعتها من الأرض، وبين أقدام الناس. حشرت جسدي ثانية بين الرتل. حدَّق فيَّ بجلفٍ وتعالٍ. عيناه تتأجَّجان، تشمئزّان من صورتي وهيكلي.‏

بدأت لواعج الحزن والألم تتقطَّر حمراء وصفراء، تعقبها قطرات من العرق الساخن، تتمسَّك في أطراف سروالي.‏

ضحكتُ ضحكة ساخرة ممطوطة أمام كلّ الناس، وتَفَلْتُ في وجهه. شعرت بجنون يقتلع حُبَّاً مغروساً في داخلي.‏

قلّبتُ نظراتهم الساخرة. وقفتُ في وسط دائرة مثل قرد ضيَّع صاحبه. أقفز من زاوية إلى زاوية، وعشرات العيون تتسمَّر مذهولة!.‏

لم يَعُد الوقت يسمح لي بالعودة إلى الفرن وتبديل ثيابي. انهمكتُ في المناظر المعروضة على الشاشة. والموسيقا.‏

أُطفئِت الأنوار. اختفت من ذهني صور مشتتة محروقة مغبرة. سمعتُ همسات تداخلت بيني وبينها.‏

حدَّقت بطرف عيني. اختلستُ نظرة وسط الأضواء الخافتة. رأيتُ شخصاً يسرق كلماتي المسموعة، يحمل ورقة وقلماً.‏

اعتقدتُ أنَّ رجلاً من المباحث يكتب أسراري. يسكن هذا الرجل منذ زمن في أعماقي. يحفر في روحي عن رزقه. يطاردني.. يلاحقني في القرية والمدينة. يجلس بجانبي فوق مصطبة الطحين. أشعر أحياناً بأنَّه يطلُّ من بيت النّار ومن الأكياس وينتقيها بنفسه، ولم أسمع منه كلمة شكر وتقدير.‏

لَبَدتُ كخنزير برّي أُريد الخلاص. شعرتُ بحزن يتسلَّق وجهها وقلق، ومفاجأة يتكوَّران تحت جلدة‏

رأسي، وإلاَّ لماذا تحوَّلت سخريتها بهذه السرعة إلى‏

الجَدِّ واللطف والمُداعبة!.‏

انسحبتُ قبل أن تكشفني الأضواء والألوان والروائح. تركتُ فوق المقعد بقايا طحين ورائحة جسد مُتْعب.. تركتُ شيئاً من فرحي وحزني وخوفي.‏

هبطَّتُ الدرج ألتوي بين الممرات مُتَّجهاً إلى الباب الرئيسي المطلّ على الشارع تتبعني عينان لوزيتان من كوّة قطع التذاكر.‏

في الصباح حمل صديقي الشاعر الجريدة مسرعاً إلى الفرن، يفتح الصفحة الثقافية، يؤشّر على الزاوية اليسرى، يضع إصبعه فوق صورة ملطخّة بالأبيض والأسود، يندرج تحتها عمودان من الكلام عن عامل رثٍّ موهوب!..‏

قال فوَّاز:‏

كانت المفاجأة التي مازالت تنثر عطرها كلَّما عادت الصورة إلى مكانها تحمل دفء روحي وتنبتُ في ذاكرتي فرحاً عتيقاً خمَّرته السنون. صورة تُضحكني وتُسكرني، أرى فيها نفسي. يتألّق الحزن بمرارة، فأعود إلى البكاء من جديد!!!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244