|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الاعـــــتراف 1 صباحاً غسل أبو زيدون وجهه. أنعشته رائحة الخبز الفائحة من التنّور. تناول رغيفاً ساخناً. التهمه بشغف. تفقَّد أطرافه. مرَّر أصابعه على أُذنيه. أدرك أنَّ زوجه سجَّلت هذيانه وصراخه وتلعثمه.. تداعيات عمياء تودي به إلى الهاوية. هواجس مجنونة فَقَدتْ ذاكرتها.. حملتها زوبعة عنيفة فوق جناحيها، كأنَّ جسراً كهربائياً ينقل إليه صوراً مُرْعبة في ليلة شتائية قارسة البرودة. ليلة حمقاء. زمهرير ينقّب تحت غشاء القلب عن مصدر الشجاعة. لايستطيع كبير المنجّمين إقناعه، بأنَّ أبا صبيح، الزعيم المعروف، يجرجره. يمسخ صورته الآدمية. انتقاه من عشرين أتاناً. استهواه منظره ونَظَارته. شدَّه من أُذنيه. تفرقعتْ عظام رقبته، كفرقعات حبَّات الحمص. حدَّق مليَّاً إلى صورة أبي صبيح الماثلة أمامه، كحاجز بينه وبين زوجه. تسمَّرتْ عيناه في عينيه. قطَّب جبينه. قفزت الابتسامة من الصورة. تسلَّقت وجهه. عصرتها التجعّدات، وغرقت بين الأثلام الجلدية. هوذا الليل يتناسج مع الصباح. تتفرَّع ذيوله أمامه وخلفه.. وجهان يتقابلان. تبدو عليهما علائم الفرح. يكادان يتقاربان من بعضهما. وكلَّما تدرّجت ضحكته. أجابه أبو زيدون. بنهيق أليف وحزين، يطغى على كلِّ الأشياء. ينتهي اللقاء بعناق دافئ حميم!!.. تناول رغيفاً آخر. دهنه بالزيت البلدي ورشَّ فوقه سكَّراً. اقترب من زوجه. جلس في مواجهتها. حاول سرد قصَّته. أدرك أنَّها كانت تُرافق قلقه، ساهرة بجانبه. قال لها: أعرف ماذا ستقولين؟. -كلنا حمير يا أُم زيدون. لم يَعُد يناسبني هذان الشاربان المخيمان كنسر فوق قمّة تقف على حافة الانهيار!. غريب أبو صبيح!. مَنْ لايعرفه عن قرب ويعاشره. يجهله!. ليلة سوداء كالقطران تفوح كراهية. نهار للنباح والنهيق والترويض!. أنتِ زوجة طيّبة وصادقة. خبَّأ عنك أشياء كثيرة لايريد البوح بها في هذا الوقت الحرج. أحلامه لاترى النّور، وإنْ تدرّجت تحت الضوء، فهي مازالت وليدة. تحبو على التراب كالديدان. وإذا لم تخرج أحلامه من تحت سقف فضائه، فمصيرها الموت الأبدي! قرار واحد، أو كلمة وحيدة من أبي صبيح تخرِّب مابناه طوال حياته! فات الأوان.. علم متأخراً أنَّ أُذنيه تتعامدان فوق رأسه. شعر بالفخر عندما سمع صوت صاحبه، وحينما لايجد ملجأ يقي نفسه من الحرِّ أو البرد، يبدأ بالنهيق الطويل. يغنّي مواويل أندلسية. يدفعه الشوق إلى الماضي، لكنَّه كما أكَّد مراراً، هي رغبة قاسية، مسجونة ومُعْتقلة، تستفزَّها حماقات وتعالي مكروهة. كان ينهض ويمشي نحو الدرج أو إلى باب الدار. أعادته أُمّ زيدون إلى الفراش ثلاث مرَّات، وفي كلّ مرَّة تسقيه الماء وتُعيده إلى مكانه. تظلّ تُبسمل وتقرأ الآيات الكريمة حتى يهدأ وينام!. -2- تنهَّد أبو زيدون. أشعل سيجارة من التبغ العربي. حرَّك إبرة المذياع. أراد أن يسمع الأخبار، وهذه عادة اكتسبها منذ أن أصبح صديقاً لأبي صبيح ورفيقاً له. كان لا يُغادر بيته إلاَّ بعد أن يسمع ماذا يجري، ومايدور في الوطن والعالم. ويتصل بالفلاحين، يزوّدهم بالأخبار الطازجة، ومايدور في جبهات المعارك. توطدت العلاقة بينهم، فأصبحوا يستمعون إليه ويقتنعون بآرائه. وكثيرون تبرَّعوا بالمال أيام الشدائد والمحن، ومنهم مَنْ تعرَّف أبا صبيح والتقى معه في مكتبه بالمدينة. تذكَّر أحدهم عندما استقبله وكان يردّد مع زملائه: "نتمنَّى أن يأتي البيك، ونلتقي معه لأمر هام". حينها ابتسم أبو صبيح وهو يحمل صينية الشاي، فقال لهم: تسألون عنّي. أنا مَنْ تريدون مقابلته، لكنّي لست بيكاً!.. كان أبو زيدون جالساً بصمت، يراقب كل حركة وابتسامة تظهران، ويسجِّل كل موقف مُغاير لأسئلته الباطنية المخفيّة. يتلاعب بالهمسات الجوَّانية. يكذّب ماتراه عيناه.. وماشاهده وما كان يتوقعَّه. تحسَّس مكان الكفّ الموجع، عندما صفعه أبو صبيح لتأخره عن الموعد. وسمعت المنطقة كلّها بهذه الحادثة.. عاد إلى طمس ودفن جولات عشرات الأفكار النازفة منها والجنينية... راجع ما أقدم عليه وكذّب نفسه!. سجَّل مضمون القضيَّة التي جاء الوفد من أجلها. صمت الجميع. تقاطعت نظراتهم، وبين لحظة الصمت وشرب الشاي، دقيقة من الوجع والتأمّل والانتظار، وهم يفكّرون من أين يبدأون؟.. -3- سمع أبو زيدون دقتين قويتين على باب الدار. ردّد، وهو ينهض: "هذه دقّاته.. عشرون عاماً وأنا أعرفها. تعوَّدتها أُذناي".. دقَّة ثالثة خفيفة مرتبكة، كأنَّها تحمل مفاجأة ما!. هنا تأكَّدت بأنَّه قادم إليه يحمل أخباراً. صمَّم وتغلَّب على استيائه لمواجهة أصعب الاحتمالات. وأنَّها لم تكن المرّة الأولى التي يُخاطر بها. عوَّدته السنوات الماضية أيام الملاحقة أن يُنقذ أبا صبيح من أيّة ورطة مُعقَّدة، وينقله خارج الحدود. صورة اقتحمت طريقه. تذكَّر مشقّته عندما حمله على ظهره بين الوديان والممرات الوَعْرة. وكان يوفر له الراحة التامة والطعام والاطمئنان. وكيف (حمل النرجيلة والتنباك والفحمات والملقط والشاي المخمَّر، وعندما تجاوزوا المناطق الخطرة، جلسا فوق صخرة مستوية السطح. تمدَّد أبو صبيح. هيَّأ أبو زيدون نَفَساً أعجمياً لذيذاً، وغفا على صوت قرقرة النرجيلة، بينما كان الليل يهبط أنيساً مواسياً رقيقاً، يطوي تحت عباءته نهاراً مشمساً. ويوجّه الليل عينيه وكمّي قميصه إلى وجهين تعبين وعيون ذابلة ونرجيلة تخبَّئ في بطنها أشياء كثيرة. بقيت هذه الذكريات راسخة. انشرح صدره لها. استعادها في لحظة اقتحام ومضة من الاعتزاز بالنفس، وما تناقلته صحف ذاك الزمان "فلاَّح أنقذ زعيماً". داعب أصابعه. فرك كفّيه. مسَّد شاربيه. سحب مزلاج باب الدار بقوة. ارتعش!!. زال الخوف من نفسه. دخل أبو صبيح حاملاً محفظة صغيرة سوداء. حاجباه كثيفان يخيّمان على عينيه. لحية مستعارة. كوفيَّة وعقال وقنباز عربي مقلَّم!. كان الخبر الذي تلقّاه أبو زيدون "حدوث انقلاب ثالث في البلاد". -4- الآن!!.. وبعد صمت، ضرب أبو زيدون كفَّاً بكفٍّ. صمتٌ يطلُّ على زنزانة أو يشرف على مشنقة. "ماذا لو خسرت نفسي وربحت العالم؟". أسئلة زرعها ماوراء النهر وماقبل النهر. تتابعت حارة لاذعة. دوار في فضاء ماوراء الأسئلة؟!.. مطر عاصف. ليل جرَّده من الصراحة والنباهة. نجمة أنضجتْ سنابل الخوف. رياح حارة كألسنة اللّهب، قطعت وحرقت سعف النخيل في واحة، ماتزال خضرتها أملاً وحيداً، يعود إليه في مثل هذه الأوقات!. صباح وحليّ آسن!. مهمة أليفة. لم يبق للخوف أثر، وللموت مساحة.. حياة كهذه السفوح تتجمّع فوق انحداراتها ألوان الفرح والخوف. تدثَّر الرجلان بلباس صوفي. ارتديا معطفين روسيين سميكين وطاقيتين من الفراء. سارا بعد حلول الظلام. تركا القرية. سلكا درباً جبلية. هبطا سفحاً آخر أشدّ انحداراً. اتخذ أبا صبيح قراراً لاعتقاده أنَّ أبو زيدون رجل المهمات الصعبة، ومنفّذ أمين لقراراته. حاول أبو زيدون الاعتذار بقوله: (لا أستحق هذا المنصب الكبير!). شتمه مؤكّداً له: لايمكن أن ترفض قراري، وألاَّ توافق عليه، لأنّه قرار صائب، وإذا لم تعتذر عن موقفك برسالة خطيّة، فأنت منذ هذا التاريخ ستكون في صفوف المعارضة، وسيكون مصيرك كمصير غيرك!. وقفا وقفة تأمّل. حدَّقت عيونهم في القمّة المواجهة لهما. رجلان أمام نهر وبين قمّتين وسفحين، ومياه تتقلّب في بطن الوادي هادرة هائجة. سكون قادم في صباح رحيب. صورتان؛ صورة للصباح وصورة للطيف.. صورتان زاهيتان في عمق الوادي تحتضنهما قمتان وسفحان، سلخت السيول والأمطار جلديهما. خلع أبو زيدون حذاءه، علَّقه في حزام جلدي. رفع سراويله إلى الركبة. انحنى قليلاً أمام صخرة يقف فوقها أبو صبيح، فركب على ظهره. حمل طربوشه بيد، وأمسك بكتف أبي زيدون باليد الأخرى. مشى في عرض النهر مسايراً حركة الماء، وكلّما قطع متراً، ارتفعت المياه رويداً رويداً حتى غمرت خصره، فتناقص طوله، إلاّ رأسه المشرئب نحو الأعلى. خلع أبو صبيح حذاءه. ربط الفردتين وعلّقهما في رقبة أبي زيدون وأشعل سيجاراً كوبياً. تلذذ أبو زيدون برائحة السيجار وكانت كالدواء. ومما أضحك أبا صبيح، قوله:انفخ الدخان في شعري لأنَّه سيبدَّد خوفي وتعبي، فهو من جزيرة الحرية، لكن أفكاراً أخرى راودته، أن يلقيه في النهر بحجَّة أنَّه تعثَّر بصخرة وتحت الماء يخنقه ويتخلَّص منه. أنَّب نفسه على هذه المشاعر غير الصادقة. انهال بالشتائم على ساعة الولادة. جلد ذاته بسوط النقد الصارم حتى سلخ جلده، وانتفخت ذاكرته، كأنَّها امرأة تقترب من ساعة الولادة أو الإجهاض. أصابه الندم والألم على كل كلمة أو همسة حفرت هذا المجرى القذر في جمجمته... تابع صراعه مع الأمواج والعرق يتمشَّى فوق جسده!. -5- ترجّل أبو صبيح.. هبط على الأرض سعيداً مرتاحاً. ركَّز هندامه. جلس أبو زيدون بجانب صخرة يعصر ثيابه ويجفّف عرقه البارد، وبينما كان يستعيد أنفاسه، أخرج أبو صبيح زجاجة كونياك وكيساً صغيراً من الفستق الحلبي. أدار ظهره إلى أبي زيدون ونزع الغطاء بأسنانه. جرع نصفها دُفعة واحدة، وأبو زيدون يتفرَّج. تجمَّد في مكانه كعمود خائر القوى من شدّة التعب والجوع وأبو صبيح يقهقه. "لايليق بأمثالي مشاركته فرحه واصطهاجه، يحتاج امرأة تُشاركه، كأنَّه على شاطئ البحر الأسود، يشرب الريّان الوطني، و"أليّسا" تمرح أو تتقلّب على جنبيها بالمايوه، ترشقه بالرمال والابتسامات. تركض أمامه حتى الشاطئ، فيحملها كسمكة وديعة بين ذراعيه ويغطسان معاً تحت الماء". كاد الدم يتفجَّر من وجنتيه. لوَّن الكونياك شبابه وتحجَّر البرد فوق خدَّي أبي زيدون كجمرتين منطفئتين، دون أن يدعوه لمشاركته أو يقول له كلمة تُفرحه وتخفّف متاعبه ولو "رفع عتب". تابعت عينا أبي زيدون زجاجة الكونياك الفارغة، تحملها الرياح، تدفعها الأمواج مترنّحة يميناً وشمالاً وقشور الفستق تتطاير فوقه. أثناء ذلك ركَّز أبو صبيح ربطة العنق. سرّح شعره. لمّع حذاءه، ثمَّ أخرج زجاجة عطر منعشة صدر عنها موسيقا مُريحة للقلب والروح، نغمة من مقطوعة لـ "موزارت". ارتفع صوت في أعماق أبي زيدون، بل أصوات تزاحمت وتلاطمت. أصوات دفعته للقول: "أنا حمار كبير". تلمَّس أُذنيه. استعاد حلماً شائكاً وصورة عكست ملامحها مرآة الذاكرة. شاهد تمزّقها وتبدّل ملامحها. (أنا إنسان ألتهم الحقارة بإرادتي.. كيف أحمله على ظهري!. أنا ذليل. قذر، وهو حقير لئيم، يسكر ويشتمني. ترنو عيناه إليَّ مستهزئة، ساخرة!!. أسئلة ملحَّة سكنت في بركان خامد. فتحت فوهة في شريان الوجع!. ألا أساوي عنده قشرة أوحبَّة أو جرعة؟. هل رائحة الكونياك والسيجار كافية؟). تحدَِّث مطوَّلاً بشفتين مرتجفتين وقلب مكسور: "لا لا يا أبا زيدون. لقد قَسَوْت عليه.. أبو صبيح صديقك ورفيقك. فمن أين جاءت هذه الأفكار الحمقاء؟ لماذا أشتمه في السرّ؟ لماذا لا أفضحه أمام عشيرته وأبناء قومه؟. كيف خرجت كلماتي النابية من غلاف الطين المحتضن روحي وكبريائي؟ كلّ هذا هراء. أنني أقوم بواجبي!!.. يستحق أبو صبيح أكثر من هذا، لكن مَنْ يجرؤ على قول الحقيقة!!. طوال عمره يقسمها إلى نصفين، نصف للظاهر، وآخر للداخل!. طوال عمره يمشي على جسدي. أدفع أجرة نقلي له. إنَّها تضحية صغيرة تافهة، يحثَّني واجبي للقيام بتنفيذ مهمات أصعب وأخطر من هذه المهمّة. ومن حقّه أن يعمل مايشاء، كأن يفرض العقوبات، ويفصل مَنْ يشاء، إذاً ينبغي أن أنفّذ عقوبتي بنفسي. أتمنّى أن تحترق هذه الأفكار الجهنمية، وألقي رمادها في النهر دون رجعة وأن يحترق جسدي معها!". -6- "عرفتُ الآن أنَّ المسافة تتسع بيني وبينه.. هو من طينة، وأنا من طينة. الآن، وأنا أنتقل إلى الشيخوخة، عرفت الفرق بين خبز الفطير وخبز الخمير!. الآن... أدركتُ أنني حمار رخيص جدّاً.. أدركتُ هذا حين ودَّعته، أنَّه يمشي فوق جسدي، ويدوس بحذائه فوق أضلاعي... رأسي كرة ثلجية بين يديه يكبِّرها متى أراد ويكوِّرها في قبضة يده. وتضمر سعادتي معها حتى تصبح بحجم دائرة العين. يدحرجها كـ"كلَّة".. يحوِّلها إلى حبَّة دواء!!.. أدركتُ كلّ هذا حين ودّعته إلى مثواه الأخير.. وهانت مُصيبتي عندما رأيتُ حميراً مثلي شائخة وأكبر سنَّاً مني، هرمة تطلب الرحمة له، وتُلقي النظرة الأخيرة عليه". |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |