دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الاعـــــتراف الــثاني

أتحدَّث من مقبرة تقع في مشارق المدينة. تطلّ على سورها الجنوبي. شعرتُ أنَّه بعد هذا الفراق، أنني أصبحت بحاجة إلى شهادتكم.‏

تعرفون يا أصدقائي اسمي الحقيقي وأسمائي الحركية، وهناك كثيرون يجهلون اسمي المدوّن في بطاقتي الشخصية. الجميع ينادوني بأبي زيدون.‏

أنا القادم من قرية غنيّة بأشجارها ووديانها ودلفها وينابيعها.. قرية تغرق في الضباب والندى والأودية.‏

تركتُ القرية بقرار من أبي صبيح، وعلمتُ متأخراً أنَّكم شاركتم في دفنه، في مقبرة أخرى إلى جوار أبيه وجدّه في الطرف الشمالي من المدينة، تقع في سفح جبل متوسط الارتفاع. وظلَّ كما أعتقد في القمّة كما كان وهو على قيد الحياة. وبقيتُ أنا كما كنتُ في أرض واطئة، وقبري إلى جانب قبور أناس أجهل تاريخهم. ولم أتعرّفهم وهم على قيد الحياة.. وهذا أمر صحيح، أن يظلّ كل واحد يحافظ على موقعه بعد الموت.‏

رسالة اعتراف منّي حملها رسول في ليلة مظلمة إلاَّ من قمر في الأعالي، يُلقي بضوئه على أحياء المدينة الهادئة.‏

الرسول يلهث، يبدو عليه التعب والإرهاق والخوف. تبلّل جسمه من العرق. وصوت أنفاسه يصل إلى عشرين متر. كان يتنقَّل من شارع إلى شارع، ويقفز فوق الدرجات علَّه يجد "أبو صبيح" مايزال ساهراً حول نُقرة ملأى بالحطب والجمر المتوهَّج. وبالفعل عندما فتح باب المقبرة الحديدي الأسود، كانت القبور الرخامية البيضاء رابضة كالأغنام، وأُصيب بالدهشة، واستغرب هذا التفاوت والصارخ بين القبور في مقبرتي، والقبور في مقبرة أبي صبيح، فمشى بين ممراتها الأسمنتية، وقطف الورود، ووجد صنبور ماء ومغسلة، وبخاراً يتصاعد من إبريق الشاي على طرف النُقّرة. ولم يتركه أبو صبيح إلاَّ وضيَّفه كأساً من الشاي الساخن، ثمَّ استلم الرسالة، ووقف ينتظر منه الجواب والوداع، أو مناقشته في مضمون الرسالة التي مازلتُ أحتفظ بها منذ أن كنَّا على قيد الحياة. ولم أكتشف السرَّ إلى هذا الوقت.‏

كان الخوف يلبّكني، وضُعف تجربتي يجلب لي الخجل وعدم الجرأة، لأنّ ما أصاب صديقي جعلني أعدّ إلى المئة قبل أن أغمس القلم بالحبر وأدوَّن المعلومات، وأن يسبقني أبا صبيح، ويُلزمني بإبدال مضمونها وكتابة رسالة كاذبة.‏

وعلى كل الأحوال هذه رسالة عتاب أُرسلها لأبي صبيح، بعد أن دبَّت الروح في عروقي وشراييني، وبدأ قلبي ينبض بقوّة. وعلى أثر عودة الروح إلى جسدي، تنشطّتْ ذاكرتي، وتجدَّدتْ خلاياها كما أعلمني طبيب المقبرة الخاص. وفي الليلة نفسها التي عادت إليَّ روحي حلمتُ حلماً شائكاً سجَّلتُ مضمونه في هذه الرسالة..‏

ابتدأ الحلم مع ظهور النور من شقّ النافذة، حيث بدأ يخربش في رأسي، وهذا القسم الأول منه: (عُدّت إليكم بصحّة جيّدة، وكان فرحكم عظيماً عندما لم تجدوا شعرة بيضاء في رأسي أو في لحيتي، وأنَّ لساني مُتحرّر من عقدة الخوف، ومتخلّص من التأتأة إلى الأبد. وظهري مستقيم تماماً.. وهذه عكّازتي أُلقيها أمامكم، وإن كان أحد بحاجة إليها فليأخذها كما هي مرصّعة بالفضّة كعصا أحد الخلفاء الأمويين).‏

كان أبو صبيح يلوح بها في وجهي كلَّما غضب عليَّ، علماً أنكم تتذكّرون كلّ الحوادث التي تعرّضت لها حينما كنّا نعمل بسرّية تامة ونوزّع المنشورات والبيانات المناهضة للفرنساوي.‏

ويختلف القسم الثاني من الحلم، حيث تمَّ في الليلة الثانية، وفي التوقيت نفسه، (وجدتُ ستّة عشر عصاً. كل خمسة منها مربوطة في حُزمة واحدة. والحزم الثلاث مُلقاة على الأرض. أمّا عصا "أبو صبيح" فكانت واقفة، وقمتُ بسلخ قشرتها بإظفر الإبهام، ونقشت عليها الزخارف. سحبها أبو صبيح منّي وبدأ يلوح بها. وكلما رفعها وحرّكها فوق الحُزم، تبدَّلت ألوان العصي، وأصبحت كقوس قُزح، أفرح حينما تتسمَّر عيناي بهذه الألوان. وأشعر بالسعادة والطمأنينة، لظهور قوس قُزح، لأنَّه دلالة على توقف طوفان الشتائم التي تتهاطل غزيرة من فمه)..‏

وفي اللقاء الذي تمَِّ بين أبي صبيح وخمسة عشر رجلاً تجشَّموا الصعود إلى سفح الجبل لزيارته، وكلّهم تجاوزت أعمارهم العقود الستة.‏

وقفوا بشكل دائرة حول قبره، فأخرج يده من القبر، وأشار إليهم بالجلوس، ففعلوا بخشوع دون أيّة همسة.‏

قال أبو صبيح: سأقرأ عليكم حلم أبي زيدون المسجّل بهذه الرسالة، وكلَّما حرَّك قضيب الرّمان، صفقَّوا له بحماسة لامثيل لها، وحرّكوا رؤوسهم بالموافقة. وكانت ذقونهم تدقّ في صدورهم. أمّا ذقني فكانت تصل إلى ركبتيّ المتلاصقتين.‏

أصبح الحلم بياناً يتناقله الأصدقاء والمقرّبين، وتحوَّل في فترة زمنية إلى نوع من التقديس، بعد أن حاول الدرك الفرنسي اعتقال أبي صبيح، والتشهير به واتهامه بالـ‏

(العاصي) على أوامر الحكومة الفرنسية والحاكم الفرنسي، وتهديده بالنفي الطويل إلى جزيرة أرواد.‏

انتاب أبو صبيح شعوراً بأنَّه مُحاصر ومراقب، فدقَّ باب غرفتي السريّة في طرف المدينة، قرب المقبرة التي دُفنتُ فيها، وطلب منّي أن أنفّذ التعليمات وأن أنقله إلى بيروت، ولكن عليَّ كالعادة أن أُقطعّه النهر وهو محمول على ظهري، وهي كما يدّعي مسافة لاتتجاوز خمسين متراً، وبعدها يكون الأمان في الجانب الآخر من النهر. وندخل إلى القرى الحدودية اللبنانية ونختلط مع العمال.‏

اتفقنا ألاّ نتحرك إلاَّ بعد أن تملأ الغيوم السماء وينام القمر خلف الجبال بين الأشجار. الليل البارد يعصف بنا، وأزيز الرياح كالرصاص تضرب صدورنا، وتكاد تقتلعنا من مكاننا وتدفع بنا نحو الوراء.‏

ارتدينا ثياباً صوفية دافئة وغطينا رأسينا بكوفيتين وتركنا عيوننا مفتوحة. أقفلتُ باب الغرفة... سرنا بجانب المقبرة في ليل شديد الظلمة.‏

أراد أبو صبيح أن يُشعل سيجارة، وطاب له التدخين في هذا الجوّ العاصف. حاولتُ إقناعه بتأجيل "الكيف" ريثما نصل إلى منقطة أكثر أماناً. هددته بتركه إذا فعل، لأنني لا أستطيع مواجهته بالحقيقة في هذا الوقت بالذات.‏

أطفأ سيجارته.. حاول إرضائي. وبدوري لا أستطيع إغضابه إلى حدّ القطيعة، لكنّي كنتُ أُظهر له كلّ المحبّة والاحترام، ووصل الأمر إلى تقديسه. وصدَّق الرجل نفسه وتحوَّل مع الزمن إلى رجل عظيم بالقوة!.‏

قطعنا حارة المقبرة وسلكنا الشارع الرئيسي. الموسيقا الوحيدة التي رافقتنا على طول الشارع هي حفيف أوراق الأشجار وعزف الرياح الصاخب.‏

بقينا نقاوم موجات الرياح الصارخة ونقاوم حتى تجاوزنا ساحة الأمويين. دخلنا في دروب الربوة نتنقَّل بين الأشجار الكثيفة، وبردى تهدر مياهه وتتقاذف أمواجه وتضرب في جانبيه، وخلفه نلمح أنوار البيوت الضعيفة وأصوات الأطفال.‏

لكزتُ أبا صبيح، وقلت له: الآن أَشْعِل سيجارتين بدلاً من سيجارة واحدة، ودعنا من أحاديثك وأوامرك التي لاتنتهي، واتركنا نتمتّع ونتلذذ بدخان ورائحة السجائر. كان أبو صبيح يضع في فمه "حبّ" روح النعناع وحبَّات من الفستق، ولم يقدَّم لي حبَّة واحدة!..‏

بصقتُ على الأرض. مشيتُ خلفه أتمتم بشتائم ومسبَّات ظلّت حبيسة بين شفتيَّ، خوفاً من توجيه تهمة قاسية وكبيرة إليَّ: "العمالة إلى أجهزة الأمن الفرنسية" كما فعل مع غيري.‏

تخلفتُ عنه عشر خطوات. وكنتُ أرغب العودة إلى دمشق، وتركه، لكنّي بعد هذا الحصار النفسي والجليدي والعاصفي، كانت خطواتي باللاشعور تتسارع، فيلتفت نحوي ويسألني عن الطريق وطوله، وعن ساعة الوصول.‏

طمأنته بأنَّ الطريق يطول كثيراً، وماهي إلاَّ ساعة ونصل إلى مرفأ بيروت، وأمامنا منطقة واحدة كثيرة المنعطفات والنزلات وتشرف على وادٍ سحيق، وعندما نتجاوزها. سيصبح السير أسهل، والأمان أكثر.‏

توقفنا عند الضفّة الأولى للنهر. جلسنا على صخرة كبيرة مرتفعة، فيها تجاويف وحُفر. صعدتُ إلى ظهرها وأمسكت يد أبي صبيح.. سحبته بقوة، فاندفع كالقنبلة وجلس بجانبي ثمَّ تمدَّد جثّة ضخمة. كنت أسمع دقَّات قلبه المضطربة، ولم تهدأ إلاَّ بعد دقائق، وبصعوبة خرجت ضحكة مصطنعة من بين أسنانه. مسح شفتيه. شعر بالارتياح قليلاً، وعاد لون خديّه إلى طبيعته!.‏

نبهته لتجهيز نفسه للانطلاق من جديد عبر النهر. أسندت ظهري إلى الصخرة، مسك رأسي، وفتله نحوه ووضع يديه على كتفيَّ وألقى فخذه الأيمن على كتفي الأيمن، وفخذه الأيسر على كتفي الأيسر، وسحب يديه عن كتفيَّ وطوَّق بهما رأسي.‏

تدلَّتْ قدماه على صدري وضغطتا على أضلاعي. أمَّا يداي فقد ثبَّتا ساقيه. وضغطت بهما على ركبتيه.‏

وبين لحظة وأخرى كان يمازحني وأحياناً يتدلل عليَّ ويدلَّلني كحماره الذي يركبه متى يشاء، ويعاقبني متى يشاء أيضاً دون رادع، وأنا أُسايره وألاطفه، ولا أسمح لنفسي أن يعلو صوتي على صوته، وأحياناً أكاد أجنَّ، وأنوي تركه وسط النهر والتخلّص منه، وهذه أفكار قديمة تُحاصر أنفاسي الآن، لكنّي لا أُريد أنْ أُشمِّتْ الحاقدين به!..‏

ويبدو أنني لم أُقدِّر عمق المياه تقديراً صحيحاً. وبعد الخطوات الأولى عندما تركنا الصخرة، ونزلنا في الماء، ارتفعت المياه فجأة إلى خاصرتيَّ، وكان قاعا نعليه يُلامسان سطح المياه. وفي منتصف المسافة نَهَضتْ المياه فجأة إلى عند إبطيَّ، وبين الحين والآخر كانت الأمواج ترتفع أكثر، ويدفعها الهواء نحو الأعلى، وتكاد تصل إلى أسفل شفتي السفلى...‏

كان أبو صبيح يُحرِّك قدميه ويضغط على رأسي وكتفيَّ ويحثّني كي أسرع لنصل إلى الطرف الآخر للنهر، وأحياناً يلومني ويعاتبني ويوهمني بأنَّ دورية من الدرك تفتِّش عنَّا في هذه المنطقة.‏

وقبيل وصولنا إلى المحطّة الأخيرة، غطَّتْ المياه عُنقي، فكنتُ أرفع رؤوس أصابع قدميَّ، ووصلت إلى مرحلة يائسة وإلى حالة من الإرهاق والتعب والخوف.‏

أحسستُ بمياه دافئة تبلّل كتفيَّ. وتنقّط من أسفل أُذني. اعتقدتُ في البداية ودون أن يُداهمني الشكّ، أنَّ مياهاً ساخنة تسقط من السماء أو تتفجّر من الصخور المجاورة، أو من أحد الكواكب السيّارة.‏

ضحك أبو صبيح ضحكة متدرجّة دون سبب يُذكر. أراد أن يبرّر فعلته الناقصة بأنَّه لم يقدر على الصمود حتى نصل إلى الطرف الآخر، ففعلها على كتفيَّ وسالت على ظهري دون رادع أو خجل، علماً أنَّه يعرف أنَّ هذا العمل لايمكن السكوت عليه!.‏

قفز دُفعة واحدة مرتمياً على الأرض. شعرتُ أنَّ حملاً ثقيلاً من الملح نزل عن ظهري، وفي الوقت نفسه فرحتُ لأنني أنقذتُ رجلاً مسؤولاً من أيدي الفرنساوي، ويمشي وراءه ألوف الناس وهم حُفاة، وبعضهم كان يأخذ البَرَكة من لمس ثيابه.‏

تمدَّد على كومة من الأحجار على بُعد مئة متر من النهر. أشعل سيجارة من التبغ العربي الأشقر، وأخذ يوبّخني، ويصفني بالجبان.‏

في هذه المرّة لم أتهاون معه ولم أسكت، فتقدمتُ نحوه رافعاً رأسي، ومسكتُ يده وضغطتُ عليها، وقلتُ له:‏

مَنْ الجبان ياأبا صبيح! أنا أم أنتَ؟! ومِنْ أين هذا البلل؟..‏

تركته ينفث الدخان من سيجارته المبرومة، ويحدِّق في الأفق البعيد، تتقاطر منه تنهيدات قاسية متوعّدة. تهبُّ أنفاسه كزوبعة، تدفع أمامه وخلفه وفوق رأسه كتلاً من الأوهام والأحلام والدخان!!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244