دائرة الضَّوء.. - باسم عبدو

قصص قصيرة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

وتُمطــر الشَّـــــهوةُ رمـــــاداً

استلقى وجه الشمس على كتفي. أخذت الخيوط الساقطة تمشي فوق جسدي، وتوزّع دفأها بعدالة.‏

التصق لحمي بلحمها... أقدامنا تتحرك تحت الماء. طالت جلستنا على حافة المسبح منذ أن أضحى النهار واكتنز الجوُّ من حرارتنا. كادت الظهيرة الملتهبة ترسم فوق جسدينا خربشات كأنَّها أقلام الأطفال الذين يتعلّمون ويرسمون كما يشاؤون على ظهرينا، وعلى الأرض والحافات الملساء والجدران اللامعة.‏

حدّثيني أيَّتها المشرقة. أبحث عنك منذ زمن!!.‏

حرَّكتْ رأسها. لمعتْ ابتسامتها غير مصدّقة هذا التشويش والتهريج على بنائها الجسدي والفكري والنفسي. اعتلت الحَيرة مُحيّاها، ثمَّ خَشَعتْ روحها لكلماتي، فغمزت بطرف عينها، ومالت كنخلة عليَّ غير عابئة بما يدور حولها.‏

الآن دعيني أتأبّط أنفاسك. اتركيني أُقلِّد شفتيك، وهما تدوران حائرتين. وتعابير وجهك تُعطيني مؤشرات بأنَّك لاتُصدِّقين ما أتحدَّث به. تعتقدين أنني أرصف الكلمات وأجعلها تتدفق كالسيل كي يجرفك ويطوح بك، وهو يهدر ويُلقيك بعيداً عنيّ ثمَّ يتحقق حُلمك، فأطفو مندفعاً فوق سطح الماء؛ كَوْني المُنقذ الأول في هذا المسبح، أطوِّع جسمي كما أشاء. وبعد المطاردة أراكِ تلتجئين إلى أقرب نتوء أسمنتي، وأنتِ تلفظين آخر نفس وتشهقين من التعب.‏

شعرتُ أنَّك بحاجة إليَّ الآن، بعد أن لمستُ يدك المنبسطة، وكانت خصلة من شعرك ترتمي فوق عينك، وطرفها يُقبِّل فمك، وقطرات الماء كحبّات اللؤلؤ تُداعب قاعدتي نَهْديك، وتضيع تحت سقفيهما!..‏

شددتك من ذراعك. دفعتُك بقوّة، ثمَّ حملتُك بين ذراعيَّ. سمعتُ دقَّات قلبك وهي تتهامس مفجوعة تغنّي مُتجمِّعة فوقكِ، فتفيّأ جسدك واسترخى!!.‏

قُلتِ وأنتِ تشبكينَ يديك خلف رأسك: "كأنني أعرفك منذ زمن طويل".‏

قلتُ: وأنا كذلك! الآن وجدتُ ضالتي!.‏

استمعتُ إلى شكواها، واستمعتْ إلى أنين أوجاعي!‏

جَمعتْ لي حَبيبات قُبلة من أطراف شفتيها في رؤوس أناملها ونثرتها في الهواء، فلم يصلني إلاَّ بقايا مزَّقتها "عواصف" أنفاسها.‏

وقّعت على بياض، لكنّي استدركتُ وكتبتُ: "إنني استلمتُ قُبلة من لحمٍ ودم!!".‏

*.. *.. *‏

مشى أمامي قلبي في دروب ضيّقة بين رمَّانتين مُزهرتين. فتح لها الباب الخارجي، فاندفعتْ سيَّارتها الفارهة. كانت عيناها تتابعان حركاتي الخبيثة من المرآة!..‏

عُدّتُ أتفقّدُ السابحين والسابحات والعاريات، إلاَّ من قمصان الحُبِّ وحمَّالات تقهرني وتدفعني نحو هاوية التوتر..‏

المساء يطاردني، وأحياناً يسلخ جلدي ويغربل أنفاسي، فأضطر لإيقاد الحطب في قيظ ملتهب، وأظلّ أرجف من البرد!..‏

وفي إحدى المرّات أُصيبتْ "مَيّ" بالخوف الشديد، حينما سمعتْ صريف أسناني، وهي تصطك وتضرب رؤوسها ببعضها، فأدارت وجهها عنّي وبدأت تمسح دموعها..‏

صرَّحتْ لي بأنَّها شعرت أنَّ حرباً أهلية دارت في مساحات الفرح من روحها. وأنَّ زمّوراً يهتف ويصفّق وسط أرض الحزن من جسدها للخطر الذي داهمها، فتلكّأت ولم تطلب من أعصابها الاستنفار لتلبية مطلب من مطالبي الخمسة!.‏

ظلَّ كلامها جرساً يرنُّ في رأسي، ورائحتها تطفو على غشاء روحي. جعلتُ ذاكرتي متنزّهاً لهواجسي، ومجاديف زورقي تحفر في بحر عينيها.‏

بؤبؤا عينيها فانوسان يطلاَّن من كوَّتين يضيئان جسدينا وروحينا، ويحملان أحلامنا ويهتفان للأحباب والأصحاب والأصدقاء.‏

ضاعت "مَيّ" في سرداب النسيان، وبصعوبة كانت ذاكرتي ترحمني، فتلملم ملامحها، وتُعيد تكوين نسيجها الخارجي من جديد.‏

يرافقني الخيال أثناء عملي ومشاويري ونومي. وعندما أستحمُّ في أحلامي، أضحك من نفسي وأعتبر هذا اللقاء عابراً مثل غيره، لكنَّ آثاره تتلبّسني بقوّة وتتشبَّث بي..‏

لم أستطع التخلّص من فرحي. بدأتُ في رثاء إرادتي الضعيفة وعدم قدرتي السيطرة على مشاعري. أحاول تظليل نفسي بغيوم رمادية. زحف الأمل وثقبها واخترق كلَّ الجدران والموانع والأضلاع.. دخل ضاحكاً يدغدغني.‏

الأمل صورة جميلة أرى من خلال ألوانها وخطوطها مَيَّاً!..‏

أسئلة مشنوقة تتدلَّى من قَنْطَرة الإعدام.. رؤوس مقطوعة أحدثت الارتباكات واشتقاقات الأجوبة المهزومة، المطروحة أمامي جثثاً هامدة محروقة الأجنحة.‏

وفي ليلة حزينة أُغلِقت أبواب السماء وعدنْ.. أُدخلت النجوم إلى بيت فسيح في حيّ التبّانة.. لم يبقَ إلاَّ الخوف يستلقي بجانبي على سرير مُصاب بالنعاس.. أصبحتْ عظام الأوهام كالرقائق.. أوهام مرعوبة تحاول أنْ تزحف نحوي، إلاَّ أنَّها تتراجع حينما تُحدِّق في تفَّاحتي خدَّيَّ المتآكلتين وعينيَّ الغائرتين، فأغفو على وسادة الحزن...‏

كيف اخترق بصري زجاج سيَّارة مُسْرعة؟. لا أدري!!..‏

لا أدري كيف تلاقت وتعانقت العيون في مساحة الرؤية، وتناطحت رؤوس أبصارنا، وتقابل وجهانا!..‏

وعندما تحرَّكتْ شفتاها من خلف زجاج النافذة، رتبتُ تمتماتها ونسجتُ منها أثواباً لأحلامي..‏

أريدُ في هذه اللحظات الأنيسة أن تلتفت نحوي.. ضغطتُ على زرّ الزمور، فخرج صوته من قبرٍ، وظلَّ ينادي وينادي، وما أن أدارت وجهها، قفزتُ من سيّارتي كالمجنون، وبدورها فتحتْ باب سيّارتها وهبطتْ مع أنفاسها الطّيبة.. وكان السلام شهيّاً، ولقاء يطفح فوق صفحته الشوق، بل يغلي في مرجله ويتدفّق من ساقيته. وكانت دموعها وابتسامتها تسوطني على ظهري ورأسي ويديَّ..‏

أُكوّم الذكريات أمامي، وأنا أتفقّد لوحة، يقشعرُّ جسدي من رؤيتها ولمسها. تطبع أصابعها أسئلة على فؤادي، وأطبع قُبلة على يدها.‏

داعبتُ خصلة من شعرها مرَّة في بيتها أثناء غياب زوجها في بلد أجنبي... ابتعدت عنّي! ولم أعرف ماذا تريد من حضوري في مساء ملبّد بالحُبِّ والشوق الأسئلة!..‏

لم تُصدِّق ما أقول.. الخوف يحرس أمام بوَّابة فؤادها.. لم تُصدِّق أنَّ حُبَّأً معجوناً بجمالها ومآقيها وهمساتها يتجمّع فوق صدري، ويربض كسيف، ما أن أتحرَّك أخاف من طعنة، فأفقد كلّ الأشياء الجميلة!!..‏

لم تصدَّق حكاية حُبّي لها! لم تصدّق حكاية رسول داخلي يحمل رسالة المحبة والسلام، يتنبّأ لها بمصير البشرية.‏

اعتقدتْ أنَّ هذا اللحن الممصوص والمكروه يردّده شاب أعزل يتعلَّم اصطياد الفراشات.. يفتِّش عن صيدٍ، ويمضي وقته ويمشي في درب غير مهتمّ بما يترك خلفه من عظم ولحم ودم!.‏

يتركني.. ينسى الأشياء الجميلة، حين يقطف وردة نديّة من فمي.. لاتنسي ياحبيبتي هذا الدفق المُتهاطل من شريان الحُبّ.. أشعر الآن أنني صديق قديم لك.‏

تردَّدتْ، حينما طلبتُ منها أن تبوح لي بسرٍّ من أسرارها، وأن توقّع على قرارها الأخير وتسحبه ممهوراً بالخاتم من صدرها.‏

تردّدتْ... فهي كبالع الموس ذي الحدّين.. رأس ينغرز في فؤادها كزوجة مثالية تريد أن تُحافظ على صكّ العهد مع رجل يكبرها بعشرين عام، كان قد اختارها من بين عشرين فتاة، وكانت الأجمل!... ورأس يدور تحت فيء المقصلة..‏

حبيب جديد تشبع من رؤيته، لكنَّها تجهل سرّ هذا الاقتحام الذي تعتقد أنَّه اقتحام مجَّاني بلا ثمن، والمصادفة هي التي نزعت الغطاء عنه.‏

-سأكون قويّة وشجاعة في مواجهة هاتين العينين اللتين أشعر أنَّهما تصرخان في وجهي، لذلك لا أُريد التحديق فيهما طويلاً خوفاً من الغرق في رمالهما أو في شواطئهما الطينيّة.‏

سأواجه هذا الشاب الذي يحلم ويشعر أنَّ حلمه يكبر كلّ يوم شبراً، وأنَّه سيمدَّ يده ليختبر أنوثتي، ويدغدغ مشاعري.. سيمدّ يده إلى حديقة جسدي ليقطف وردة أو وردتين.‏

حاول مرَّة أثناء دعوتي له إلى البيت ليعلّم ابنتي درساً في اللغة العربية، فمدَّ يده قبل أن أطلب منه أن يدلك ظهري ويمسّده كما كان يفعل في المسبح.‏

هُنا، وعلى الكنبة مسَّد خصلة من شعري، ثمَّ رسم قُبلة ناعمة وطريّة على خديّ.‏

لم تأكلني أو تقهرني المفاجأة.. إنَّه شاب يبدو عليه الاكتمال والنضوج. تجاوز عمره العقد الثالث، وأنا أزيده بسنتين أو ثلاث.‏

-خطوةٌ إلى الوراء قبل أن أشمّ رائحتها الملائكية المُنعشة.. خطوتان وئيدتان. الأولى: كانت عندما أوقفتني وسألتني: هل أنت تُخبِّئ خلف هذا الجبهة العريضة عبقرية ما؟. أجبني بصراحة!.‏

-وقف بجانبي.. في البداية ألمَّ بي الخوف، فتراجعت، لكنّي شعرت أنَّه يقيس طولي ببصره.‏

-قلتُ: نعم أنني أكتب القصّة. أعتقد أنَّ قصصي تُعجبكِ، وأنَّكِ بحاجةٍ إلى قصص كهذه تُخفّف عنك الوجع، وتبعثُ في عينيكِ الدفء، لكنّي أقول لكِ لم أنشر أي كتاب حتى هذا التاريخ!.‏

خطوتُ نحوها هذه المرّة بجرأة.. مدَّتْ يدها بعناد، وقالت: لاتتقدَّم أكثر من ذلك!.‏

وكانت الخطوة الثانية:‏

سألتني ما الشهادة التي حصلتَ عليها؟‏

أجبتها بصراحة، وقلتُ: أنا مهندس مدنيّ تخرّجتُ منذ عقدٍ من الزمن...‏

اطمئنّي.. سأرسل كلّ ما كتبته من قصص وأشعار.. انتظري!..‏

أعطتني رقم صندوق البريد. نفذتُ ما وعدتها به..‏

قالت: ألا تريد رقم الهاتف؟.‏

-حصلتُ عليه.‏

-من أين؟.‏

-لايهمَّك الأمر!.‏

-كيف لايهمّني؟.‏

-حصلت عليه بطريقتي الخاصة!...‏

قدَّمتْ لي فنجاناً من القهوة اللذيذة. دلقته في فمي على ثلاث دفعات رغم سخونته. رافقتني إلى الباب الخارجي.. مسكتُ يدها وقبلتها.. ضحكتْ ومشتْ إلى آخر درجة، ثمَّ فتحت باب سيَّارتها وحثَّتني على الصعود.‏

دارت في شوارع المدينة الهادئة. كان الليل يرافقنا وعقارب الساعة تودِّع عاماً، وتستقبل عاماً جديداً.‏

تلمّستُ مكان الجمال في جسدها المتناسق. كانت تلتفتُ وتتطلّعُ نحوي بخشية وحذر.. وتبتسم!..‏

كنتُ أُلاطفها.. أَشْعَرْتها أنّني إنسان أُحبُّ المرأة وغير ساديّ أو أنني قادم من الغابة..‏

فَرحتْ من صراحتي. ظلَّتْ طوال الشهر الأول من العام الجديد تهاتفني، وفي ساعة مُحدَّدة...‏

تُحدّثني وأُحدِّثها وتمتلئ أسلاك الهاتف والسمَّاعة شوقاً ومحبَّة وقُبلات وأهازيج قصيرة وأحلام صغيرة لم تكبر أبداً، لأنَّها ظلَّتْ حبيسة قلبين وروحين. وكانت تخاف أنَّ هذا الحبُّ يربك حياتها، ويخلخل سعادتها ويعكّر صفاءها ويشغلها عن زوجها الصادق معها، وعن ثلاث بنات أنجبتهنَّ بإرادتها.‏

لم ترغب في تبديل هواجسها وطبيعة حياتها، وأنا كذلك صمّمتُ أنْ لا أستمع إلى صوتها بعد الآن..‏

نزعتُ شريط الهاتف من مكانه. ألَّحت عليَّ رغبة قويَّة تدفَّقت كالسيل، أن أغادر المنزل وأقضي العطلة الأسبوعية وأنا أُفتِّش عن امرأة أخرى، وأحقّق لقاء معها دون متاعب وأوجاع!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244