|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:52 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القــرار لا تتحدث هذه القصة عن مكان أو زمان أو أشخاص محددين... إنها فانتـازيا، أو حلم يقظـة، حـول ما كـان، أو ربمـا سـيكون... 1 ـ التحضير للرحلة ـ ما هين حادَشوت طيولينو؟ ـ يَقاداح أَحَري شَافُوَعْ. ـ مي يَهَليخ إيتّانو؟ ـ شام قاهال جادول.(1) وتابع الخمسة حوارهم، وهم يناقشون برنامج رحلتهم إلى "أرض جيرانهم"، كما يطلقون على البلاد العربية المحيطة بهم. كانوا مبتهجين ومتشوقين إلى تلك الرحلة التي انتظروها طويلاً، والتي خططوا لها بعناية، فهي حدث جديد فريد من نوعه، يختلف عن كل ما سبقه، ويعني لكلّ منهم شيئاً أكبر، وأبعد مدى من أي سفر عادي آخر. كان كلّ منهم يُضمر في نفسه حلماً يخفيه عن الباقين، وأملاً يتوق إلى تحقيقه من خلالها. كان "شلومو" صاحب مصنع للألبسة الجاهزة، أخفق في فتح سوق مناسبة ضمن العديد من مدن أوروبة الغربية، وشعر بأن الانفتاح على "الجيران" سوف يُحسّن أعماله، ويؤمّن له سوقاً واسعة، لا تكلف الكثير من أجور الشحن، وإرضاؤها سهل ، لأنها تلهث وراء كل ما هو غربي الطابع، كما سمع. وكانت "يهوديت" صاحبة دار نشر كبيرة، اختصّت بإصدارات عبرية للكتب التاريخية والسياسية، التي تتحدث عن اليهود وتاريخهم و"حقوقهم"، وتأمل الآن في ترجمتها إلى اللغة العربية، ثم طبعها وتوزيعها بصورة عريضة في الدول العربية. ولم يكن "عزرا" و"سارة" أقل شوقاً من أصحابهما للقيام بهذه الرحلة، فهما يملكان شركة نقل سياحي ، ويبحثان عن قنوات جديدة يوسعان فيها نشاطهما، ويزيدان من أرباحهما، وليس أحلى ولا أشهى من الآثار والجبال والمصايف المحيطة ببلادهما. أما "موشيه" فهو ضابط في الاستخبارات، أُوكلت إليه مُهمة جمع معلومات مفصلة عن الأنشطة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية في الدول المجاورة، وهذه الرحلة سوف تيسّر مهمته في الحصول على ما يريد شخصياً، ومن مصادره مباشرة. 2 ـ أبو عبد اللّه يتذكر لم يكن "أبو عبد اللّه" رجل سياسة في حياته، ولم يحلم كالكثيرين باستلام منصب إداريّ كبير وهامّ. كان رجلاً بسيطاً، عادياً، ينفعل ويتفاعل بصدق تلقائي مع أحداث بلده، وتنبع قناعاته، وردود أفعاله من حدسه الفطري وإحساسه العفوي. وكان أكبر حلم عاشه في سنواته الخمسين هو أن يؤمّن دخلاً نظيفاً يحفظ كرامته، ويسد الحد الأدنى من نفقاته الضرورية، واحتياجات زوجته وأولاده الأربعة. ومع أنه لم يتجاوز في دراسته المرحلة الإعدادية، إلا أنه عوّض ذلك النقص بقراءاته المتنوعة المستمرة، ثم باكتساب مهارة رائعة في قيادة السيارات الثقيلة وصيانتها، جعلته خلال خمسة وعشرين عاماً موضع حسد عدد كبير من زملائه. ولم يكن كثيراً عليه أن يصبح أخيراً سائق حافلة فخمة، في شركة سياحية كبيرة. وحتى الآن لا يزال يستعيد، بحنين موجع، ذكرى السنوات التسع التي أمضاها في المدرسة، ويتحسر على كلّ تفاصيلها، ويكرر في كل مناسبة أحداثها، الحلوة والقاسية. وعندما يتسلل الحديث، في سهراته مع أصدقائه، إلى الأمور السياسية، كان يروي لهم، ربما للمرة المئة، كيف كان يقود المظاهرات في ذكرى وعد بلفور، وتقسيم فلسطين، وتأسيس الدولة العبرية، وغيرها، وكيف كان يدور مع زملائه على المدارس لتجميع الطلاب، والانطلاق بهم عبر شوارع المدينة، وهم يهتفون بأعلى أصواتهم، حتى يصلوا إلى ساحة المدينة، حيث يخرج من بينهم خطيب أو شاعر، يتجمعون حوله، ليصبّ كلماته الحماسيّة فوق انفعالهم الصاخب، فتلتهب الساحة بمزيج متداخل غريب من الهتاف والتصفيق. 3 ـ تداعيات قديمة لا أعرف ما يجري لهذا العالم اليوم. الجميع فقدوا عقولهم، وضمائرهم، ومُثُلهم. يقول لي بعض أصدقائي: يا أبا عبد اللّه، هذا منطق العصر، وعليك أن تساير التطور). عجيب قولهم. هل لكلّ عصر منطق خاص به؟ هل تتغير القناعات مع تغير الزمن؟ هل يمكن أن أتعايش مع من كرهني وكرهته آلاف السنين؟ هل يمكن أن أصفح عمّن نهبني وأذلني وأفقرني وقتل أهلي؟ وأن أنسى كلّ ما يحيط بعلاقتي معه من ذكريات، وكوارث، وأحزان، وقهر، عشتها عمري كلَّه، ونشأتُ عليها منذ طفولتي؟ هل أستطيع أن أصادق، وأحب، وأتعامل مع من قتل أخي وآلافاً غيره بسلاحه؟ هل أستسلم إلى هذا كلّه، وأتقبّل نتائجه ببساطة وهدوء؟ كنا أيام الشباب نشير إلى عدوّنا بكلمة "اليهود" أو "الصهاينة". وفي أحد الأيام دخلت في نقاش حادّ مع صديق لي، لأنه قال: علينا أن نرضى بالتقسيم ونصالح "إسرائيل" ونقبل وجودها، فهي أمر واقع مفروض علينا، ولا يمكننا تغييره). كان مجرّد النطق بكلمة "إسرائيل" كفراً، يُحتقر قائلها، ويوصف بانعدام الشعور الوطني، فكيف بطرح فكرة الصلح. وتطوّر النقاش إلى شجار، ودفعني انفعالي إلى صفع صديقي. والتقيت ذلك الصديق بعد سنوات، وذكّرني بتلك الصفعة، وقال لي: ترى كم شخصاً ستصفع اليوم يا أبا عبد اللّه؟ وشعرت بأن صفعتي رُدَّت إلي. 4 ـ بداية الرحلة كان الفندق في ذروة ازدحامه. فقد وصل أكثر من أربعين سائحاً وسائحة، لهم وضعهم المتميّز الذي لم يألفه أحد من قبل، وانتشروا بصخب طليق تدفّق من بهو الاستقبال إلى غرف النوم والممرات وصالات المطعم، حتى غمر الفندق كله. واستولى على مدير الفندق وموظّفيه مزيج من النفور والفضول والقلق، فعليهم جميعاً أن ينفذوا كلّ ما يُطلب منهم، بغضّ النظر عن عواطفهم ورغباتهم وقناعاتهم الشخصية. ومع أن العاملين في الفندق قد ألِفوا مع مرور الزمن سماع العديد من اللغات الغريبة عليهم، إلا أن ما كانوا يسمعونه غرز وقعاً كريهاً ومنفّراً في آذانهم. وزاد من نفورهم أن وجوه القادمين، وأسماءهم وتصرفاتهم، كانت متناقضة مع الأرض التي يسكنونها، ومع بيئتها وعاداتها وطابعها. كانوا في كلّ تفاصيلهم خليطاً عجيباً متنافراً، له ألف هوية، على الرغم من انتمائهم ظاهرياً إلى هوية واحدة. * * * كان وصول السائحين في وقت متأخر من النهار، فاعتُبرت بقية اليوم استراحة لهم، على أن تبدأ جولاتهم في صباح اليوم التالي. وتضمن برنامج الرحلة أن ترسل الشركة السياحية المشرفة حافلة فخمة ومكيفة لتأمين تنقلاتهم. وفي الساعة السابعة والنصف صباحاً كانت الحافلة تقف عند مدخل الفندق، وخلف مقودها "أبو عبد اللّه". 5 ـ تداعيات أقل قدماً العالم يجري بسرعة مجنونة. الناس يركضون بدون توقف، والأحداث تتابع بصورة لا تسمح بتأملها أو هضمها. لم أعد أستطيع فهم شيء. كنا نرفض مجرد ذكر ما يوحي باعتراف، ولو غير مباشر بهم، والآن نجتمع معهم، ونصافحهم، ونفاوضهم، ونتحمل مراوغتهم ومماطلاتهم، ونبتسم في وجوههم، ونقيم علاقات معهم، ونزورهم ويزوروننا. مررت منذ بضعة أيام بجانب مقرّ سفارتهم في بلدي. رأيت اللافتة النحاسية، وعلم النجمة السداسية يتحديان التاريخ، والمنطق، والإحساس بالكرامة. وأدركت كيف تشعر المغتصبة المقهورة. وبحثت في ضباب عقلي المنهك عما تعلّمناه ونشأنا عليه منذ طفولتنا، وعن مظاهراتنا أيام الدراسة، وعن الخطب وقصائد الشعر الحماسية، وعن الرفض المبدئي المتأصل في قلوبنا وعقولنا، وعن رائحة دم أخي الشهيد ومن سبقه ومن لحقه، فلم أجد شيئاً. 6 ـ القلعة كان أفراد المجموعة السياحية يقفون أمام مدخل الفندق متلهفين لتنفيذ برنامج يومهم الأول. وخلال دقائق قليلة استقر كلّ منهم في مقعده، وانطلق "أبو عبد اللّه"، بحافلته، وحمولتها، وعواطفه، وانفعالاته، وتداعياته، باتجاه الطريق الجبلية المؤدية إلى القلعة الأثرية. كانت الطريق معياراً لمهارة السائقين، يتحدّى بعضهم بعضاً في القدرة على صعودها حتى مدخل القلعة الأثرية الكبيرة. كان الكثير من السائقين يصل إلى ما قبل المنعطف الحادّ الأخير، حيث يتوقف ويطلب من ركابه أن يتابعوا سيراً على الأقدام، أما "أبو عبد اللّه" فقد كان يصرّ على المتابعة، ويعتبر ذلك مجالاً للتباهي بين زملائه. وكان في كل مرة يصعد القلعة بحافلته، يبتسم عند وصوله إلى المنعطف الأخير بثقة واعتزاز بالنفس، ممزوجين بشيء من الرهبة التي لم يستطع، بعد خمس وعشرين سنة، أن يتخلص منها. 7 ـ تداعيات حديثة جداً من لم يذق طعم القهر في حياته لا يستطيع وصفه. وقد تمر الكلمة أمامه نظرية مجردة حيادية، فلا تحرّك لديه أي فعل أو رد فعل. أما من مر بالتجربة، فإنه يحس بقلبه يتورّم ويتضخم ويضغط من الداخل، حتى يتسرب من حلقه وعينيه ومسام جسمه، فيشعر بأن كل خلية من جسده ترتجف، وتصرخ فيه، وتستحثه لفعل شيء ما، أي شيء. ومن يقدر قد يفعل، ومن لا يقدر ينكمش على نفسه، فيتقلص، ويتضاءل حتى يصبح أصغر من أصغر خلية صارخة. هذا هو القهر اللاسع الحقيقي الذي أخذ ينزّ عبر عينيّ، ويسيل ممتدّاً إلى أعصابي، وأنا وراء مقود الحافلة، أتأمل بنظرات خاطفة سريعة، عبر المرآة أمامي، من سرقوا أرض بلدي، ورزقها، وتاريخها، وتراثها، وما تبقى من كرامتها. 8 ـ الهبوط من القلعة بعد الانتهاء من زيارة القلعة صعد أفراد المجموعة السياحية إلى الحافلة، وأدار "أبو عبد اللّه" المحرك. كانت الطريق الهابطة بانحدار شديد تمتد أمامه مسافة تزيد عن ثلاثة كيلومترات، تمتلئ بالمنعطفات الحادة. وبشكل آليّ وضع السرعة الثانية وانطلق بحذر الواثق المتمرس. كان من الدروس الأولى التي تعلمها في القيادة أن يغير ذراع السرعة، خلال هبوط كل مقطع من الطريق، إلى نفس السرعة التي وضعها خلال صعوده. كان المنعطف الأول قريباً، وبعده تنحدر الطريق نحو ثلاثمئة متر قبل المنعطف التالي. وهذا المقطع من الطريق هو أكثر المقاطع صعوبة وخطورة. فعلى يساره جدار صخري عمودي، وعلى يمينه الوادي العميق الممتلئ بأشجار الصنوبر والسرو. أنهى "أبو عبد اللّه" التفاف المنعطف الأول ببراعة، وامتد أمامه الانحدار الطويل. وبدلاً من أن يحافظ على السرعة الثانية، بدّل برشاقة فائقة إلى الثالثة، فالرابعة، فالخامسة، فالسادسة، فالسابعة، ثم ضغط على دواسة الوقود حتى آخر مداها. كانت عيناه وأعصابه وعضلات ذراعيه في أقصى درجات توترها وتركيزها، كي يتمكن من المحافظة على المقود بالاتجاه الذي يريده تماماً. وشاهد الطريق تتناقص أمامه بسرعة، والمنعطف يقترب ويقترب. واختلطت أمام عينيه صورة أخيه، مع مبنى السفارة، ولافتتها وعلمها. وفجأة شعر بمزيج غريب من النشوة والرهبة، بدأ من أسفل عموده الفقري، وامتد حتى عينيه. كان قد انسلخ عن الطريق، وانطلق يحلّق، هو، والحافلة، وحمولتها، وتداعياته، وذكرياته، وأحزانه، وقهره. ومن تحته، على بعد عميق جداً، كانت أشجار الصنوبر والسرو تمد أغصانها مثل أذرع مذعورة، أو متلهفة، أو ربما معانقة. (1) ـ ما هي أخبار رحلتنا؟ ـ ستتمّ بعد أسبوع. ـ من سيذهب معنا؟ ـ هنالك مجموعة كبيرة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |