صفحات من مذكرات رجل عاقل جداً - خالد حداد

مجموعة قصصية من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

يوم اختفى سعيد الراضي

1 ـ سعيد الراضي‏

سعيد الراضي رجل فريد من نوعه، تتداخل التناقضات والمفارقات بين تركيب خلاياه وتكوينه النفسي. فشكله يبعث الرعب، أو الهيبة على الأقل، في نفس من يقابله أول مرة، بطوله الذي يقارب المترين، وجسده العريض الضخم ووجهه الجادّ المتورد والممتلئ قليلاً، وشاربيه الكثيفين اللذين يغطيان كل مساحة شفته العليا العريضة، ويتطاولان على طرفي فمه، وكتفيه اللذين يشبهان كتفي إله إغريقي، ووقاره الذي يفوق وقار تمثال فرعوني.‏

ولكن، ما أن تجلس معه لبضع دقائق حتى تبدأ الرهبة بالتقلص، والهيبة بالانكماش، ويسيطر عليك إحساس غريب، يمتزج فيه الفضول، والافتتان، والشفقة، والرغبة اللئيمة بالضحك. فهو يخشى زوجته المستنفرة دائماً، ولسانها الحاد اللاذع. وحين يسمع نكتة في سهرة يرمقها بطرف عينه، ثم يضحك بتحفظ، وعندما تنظر نحوه يزُمّ شفتيه فجأة، ويبتلع ضحكته، ويعود إلى وقاره الفرعوني. وإذا تحدث، في مناسبات متباعدة جداً، فبصوت خافت يكاد لا يُسمع. وهو يسعى، محاولاً لملمة شظايا شخصيته المتناثرة، إلى جعل صوته يبدو جهيراً من مقام "الباص". وبشكل تلقائي، يقترب محدثه منه برأسه وأذنيه ليسمع ما يقول، وغالباً لن يستطيع، ويطلب منه أن يرفع صوته، فيحاول المراوغة وتجنب ذلك، ومع إلحاح محدثه يمد يده ويتلمس منطقة حباله الصوتية، ويضغط عليها بأطراف إصبعيه الإبهام والسبابة، وكأنه يعتذر عن ضعف صوته، فيخرج الصوت صادحاً من مقام "التينور"، وقد يتخيل أصحاب النوايا السيئة أنهم، إذا واصلوا الإلحاح عليه، فقد يضغط على حباله الصوتية بأصابعه الخمسة كلها، ليخرج صوته نديّاً من مقام "السوبرانو".‏

2 ـ زوجة سعيد الراضي‏

أما زوجة سعيد الراضي فهي نقيضه تماماً وتختلف عنه في كل شيء حتى أدق التفاصيل. فهي قليلة الهيبة بطولها الذي لا يتجاوز المئة والخمسين سنتمتراً، وشعرها الغلامي، ووجهها النحيل الشاحب، وشفتها العليا الزغباء، وجسدها الناتئ العظام. لكنها حين تتحدث يصدمك صوتها العريض، الممتلئ رجولة، وتكاد تشك في انتمائها فعلاً إلى عالم الأنوثة، لولا بروز نتوءين صغيرين بحجم كرتي البنغ بونغ على صدرها، يوحيان للناظر المدقق بوجود خيال ثديين أنثويين. وذكر أحد معارفهما في جلسة ضيقة ألح على عدم إفشاء ما قيل فيها، أن زوجة سعيد الراضي بشكلها وصوتها وشخصيتها تجبرك على إعادة النظر في مفهوم الأنوثة، وتدفعك إلى البحث في علم الجنس، والغوص في مقارنات واسعة لتأثيرات الغدد والهرمونات، ثم التوصل أخيراً إلى الاقتناع بأن الأنوثة أمر نسبي، لا يتعلق بالخصائص الجسدية، والتقسيم التقليدي للجنسين. ثم برهن على نظريته بقوله إن مايكل جاكسون، مثلاً، أكثر أنوثة من مادلين أولبرايت. وتساءل أخيراً بفضول خبيث عن كيفية تعامل سعيد الراضي مع زوجته في لحظاتهما الحميمة، وأكد استحالة لقائهما بأي طريقة مألوفة سمعها أو قرأ عنها.‏

3 ـ سهرة في بيت سعيد الراضي‏

كانوا ستة أشخاص. سعيد الراضي وزوجته، وصديق له وزوجته، وصديقة لها وزوجها. كانوا يتحدثون عن المقاومة اللبنانية وعملياتها ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وأجمعوا كلهم على أن هذه العمليات هي أجدى وسيلة على الإطلاق لتحرير الأرض المحتلة. فالسلطات الإسرائيلية تدرك بازدياد عمق تورطها في الجنوب اللبناني، وأصبحت تطرح للمرة الأولى، ولو ظاهرياً فقط، فكرة الانسحاب من طرف واحد، بعد فشل ما أسمته بالشريط الأمني في إحلال الأمن، ونزع الخوف المتواصل من نفوس سكان المستعمرات في شمال فلسطين المحتلة.‏

أصغى سعيد الراضي بصمت. كان من عادته، حين يرغب في إبداء رأيه، وتكبحه نظرات زوجته، أن يطلق كلماته نحو الداخل، باتجاه خلايا ذهنه المتقدة دائماً، وعندها يسرح في حوارات مستفيضة طليقة، وتحليلات موسعة حرة، لا يبترها خوف من زوجته، ولا يكبتها قمع أو رهبة من أي كان. وبلحظة، انفصل بعقله وتفكيره عن المجموعة كلها، واسترسل في نقاش مفتوح مع ذاته. قال لنفسه: ليتني كنت أحد أفراد المقاومة الوطنية اللبنانية. ليتني أستطيع القيام بعملية انتحارية، أخترق فيها حاجزاً إسرائيلياً بحزام متفجر، أو أواجه دورية معادية برشاش لا تنضب طلقاته. ليتني أستطيع التسلل إلى الأرض المحتلة، وأقوم بعمليات تهز الكيان الصهيوني، وتزلزل قادته، وتزعج مؤيديه، وتقلق مهادنيه. ألن تكون مثل هذه العمليات أجدى بكثير من انتظار السلام، الذي لن يأتي؟ ألن تسرّع هذه العمليات في تحرير الأراضي المحتلة، وتحجيم الغرور الإسرائيلي؟‏

بدأ نقاشه الذاتي يتضخم، وارتفع صوته الداخلي عالياً، ففاض عن سعة ذهنه، ومقدرته على الاستيعاب، وتسللت قطرات منه عبر صدره إلى حنجرته. وشعر بمجموعة هائلة من الناس، المختلفين في آرائهم وردود فعلهم، وقد استغرقوا في جدال عنيف داخله، وتشابكت حواراتهم لتصبح خليطاً غامضاً. لم يعد يميز كلمات المجموعة، ولم يعد يسمع سوى ضجيج صاخب مثل هدير سيارة عتيقة. وفجأة سمع الجالسون عبارة مبتورة، تجاوزت مقام "الباص" المعتاد، وخرجت من مقام "التينور". وصمت الجميع، وراحوا ينظرون بدهشة نحوه. فقد ألفوا صمته الدائم خلال أي نقاش، وبخاصة السياسي.‏

لم تكن العبارة واضحة. وألح الجميع عليه كي يكررها. كان الأمر صعباً عليه، وأقرب إلى المستحيل. وازداد تقلصه في مقعده، وحاول الهروب والاختباء داخل ذاته، لكنه أحس بأن الغطاء الثخين، الذي يغلف أفكاره، قد انكشف أمام الجميع، ولم يعد قادراً على ضبطه وستر ما فضحه صوته. وشحن صدره طويلاً، ثم حرك شفتيه، لكن حنجرته لم تتجاوب معه كما أراد. وانطلقت عبارة واحدة، اخترقت الصمت الداخلي والخارجي بقوة، كانت مزيجاً جديداً غريباً من "الباص" و"التينور"، مع مسحة خفيفة من "السوبرانو". قال بهمس مبحوح: المقاومة هي الحل.‏

نظر الجميع إليه بعيون ثلجية خالية من أي تعبير أو انفعال. لقد حركت الكلمة داخلهم كثيراً من ردود الفعل المتنوعة والمتباينة، التي تتراوح بين التأييد والاستنكار. كان الجميع يرغبون في إطلاقها، لكنها كانت أبعد من حدود جرأتهم، ومن المدى الذي يمنحونه عادة، أو يستطيعون منحه، لأفكارهم. وبعد قليل خرقت زوجته الصمت الطويل، وقالت له بشفتيها الصارمتين المزمومتين وعينيها الصقريتين الحادتين: هذا أمر أكبر منا، وقراره ليس بيدنا.‏

استفاق سعيد الراضي فجأة، ورجع من المجموعة الصاخبة المتصارعة داخل ذاته إلى المجموعة المتحفظة الجالسة حوله،. ثم انكمش في أعماق تحفظه المعتاد، وتمتم هامساً، وهو يتأمل زوجته: صحيح، إنه أكبر منا.‏

4 ـ اختفاء سعيد الراضي‏

وفجأة اختفى سعيد الراضي. كان موعد عودته من عمله ثابتاً في الثانية والنصف ظهراً. وحين بلغت الساعة الثالثة بدأت هبات من القلق تتحرك في قلب زوجته. وخطرت في بالها احتمالات كثيرة. فكرت أولاً أنه ربما تعرض إلى حادث سير، واستبعدت أن يكون قد تشاجر مع أحد ما، واستبعدت أكثر وجود امرأة أخرى في حياته. وأخذت ترتب في ذهنها ردود فعلها ولسانها على كل حالة محتملة، أو غير محتملة. يجب ألا يخرج عن سيطرتها، وعليها أن تضبط أي ابتعاد عن المسار المحدد له، وأن تستخدم تكتيكاتها ببراعة حتى لا تفلت الأمور من يدها.‏

في الساعة الرابعة تحول القلق إلى خوف، ربما للمرة الأولى. وشعرت بحاجتها، ربما للمرة الأولى أيضاً، إلى من تلجأ إليه وتستشيره، وتطلب مساعدته في هذه الحالة الطارئة غير المتوقعة. واتصلت هاتفياً بصديقه، ثم بصديقتها، وحاول الاثنان طمأنتها لكن قلقها وخوفها لم يتركا مجالاً لأي اقتناع. بعد نصف ساعة كان الصديق وزوجته والصديقة وزوجها في بيتها، واقترح الجميع خططاً للبحث عن الزوج المختفي. وبعد ساعتين عاد الصديق وزوج الصديقة، وأعلنا فشل جولتهما على الأصدقاء والمستشفيات. وفي اليوم التالي عرف الصديق أن سعيد الراضي متغيب عن وظيفته في إجازة لمدة أسبوع.‏

كان سعيد الراضي، في الحقيقة، قد سافر إلى مدينة بعيدة، واستأجر غرفة في فندق منعزل. لقد أراد التفرغ كلياً لأحلامه، دون أن يقطع متعة انسيابها شيء. وتمنى أن يحقق في أحلامه ما لا يستطيع إنجازه في الواقع. وأطلق على مغامرته هذه اسم الهروب نحو الداخل، ونفذها بعد إحساسه بقرب اختلال توازنه النفسي. أقفل سعيد الراضي باب غرفته، وخلع ثيابه كلها، واستلقى على الفراش، ثم أغمض عينيه بقوة، وابتسم منتصراً، فقد بدأت أحلامه التي انتظرها طويلاً.‏

5 ـ عند الحدود‏

انطلق حاييم واثنان من زملائه في دوريتهم الليلية الراجلة قرب الحدود. كانت المنطقة جبلية وعرة لا تستطيع أي آلية السير فيها. وبدأ الممر يضيق إلى درجة لا تتيح مرور أكثر من شخص واحد. وفي السماء ارتفع البدر مستديراً، ليزيد المكان وحشة ورهبة. اقترب حاييم من أحد المنعطفات خلف زميليه، وشعر فجأة بذراع قوية تلتف حول عنقه. حاول المقاومة بصورة غريزية، وحين عجز جرب الصراخ، لكن الضغط الشديد على حنجرته كان أقوى من قدرتها حتى على الهمس.‏

شعر زميل حاييم بصوت وراءه أثار ريبته، وحين التفت مستطلعاً اندفع جسد حاييم نحوه واصطدم به، ففقد توازنه وسقط الاثنان متدحرجين على المنحدر ثم إلى الوادي العميق. واستدار الثالث بإحساس من التحفز والخوف وحب البقاء، ورأى كتلة بشرية ضخمة ملثمة تندفع نحوه. وجمدته المباغتة للحظة قبل أن يتمكن حتى من التفكير. ومع التحام جسده بالكتلة الثقيلة الضخمة الجاثمة فوقه أحس بالخطر الحقيقي، وأصبح رد فعله الغريزي موجهه الوحيد. ورأى كفين عريضتين تمتدان نحو عنقه، ومنحه رعبه، وتمسكه بآخر خيط يربطه بالحياة، قوة استثنائية مكنته من رفع رأسه، والإطباق بشدة على إحدى الكفين بأسنانه. وشعر أخيراً بسائل دافئ مالح يتدفق داخل فمه، وقطعة من إصبع دافئة ممتلئة تنزلق نحو حلقه وتنحشر فيه. واستيقظ سعيد الراضي من حلمه.‏

6 ـ عودة سعيد الراضي‏

فتح سعيد الراضي باب بيته، ودخل على أطراف أصابع قدميه. كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة صباحاً، ولم يرغب في إيقاظ زوجته من نومها. ورغم حرصه الشديد، شعرت زوجته بحركته، وفتحت عينيها، ورأت عينين تعرف ملامحهما جيداً، لكنهما تحملان تعبيراً واثقاً ومتماسكاً لم تلحظه من قبل. كان سعيد الراضي يضع يده اليسرى في جيب سترته، ونظر بحدة وعمق في صرامة عينيها وقال باختصار: مساء الخير. امتزج في صدرها خليط من الأحاسيس، كثير منها بهجة بعودته، وبعضها رغبة في معرفة مكان اختفائه الطويل، وقليل منها، ولدهشتها، كان غضباً لخروجه عن سيطرتها الحازمة ورقابتها. وأخيراً سألته، بتردد أثار استغرابها، عن سبب غيابه غير المألوف طوال هذه المدة، وأين أمضى هذه الفترة، وماذا كان يفعل. وأجاب باقتضاب حاسم: كنت مسافراً... في رحلة استجمام. ولم يضف كلمة واحدة بعد ذلك.‏

7 ـ بعد شهر‏

مضى شهر على عودة سعيد الراضي من رحلته الغامضة. كان تورد وجهه قد خف قليلاً، وفقد جسده الكثير من الامتلاء السابق. أما تحفظه الخائف المعهود فقد تلاشى، وأصبح يضحك باستغراق مشبع عند سماع أتفه نكتة، دون أن يرمق زوجته بطرف عينه. لكن أكثر الأمور غرابة كان صوته الذي لم يعد خافتاً، وأصبح الجالسون في الغرفة المجاورة يستطيعون سماعه بوضوح. ولم تجرؤ زوجته على الإلحاح لمعرفة تفاصيل غيابه الغريب، بل احترمت، ربما للمرة الأولى، رغبته في تجنب الإشارة إليه. كان يبتسم بينه وبين نفسه وهو يرى بعد أيام امتلاء جسدها قليلاً، واختفاء الزغب المتناثر على شفتها العليا، ويلاحظ لمسات من الرقة تنساب مع صوتها، كما فوجئ بكرتي البنغ بونغ في صدرها تتحولان تدريجياً إلى كرتي تنس.‏

ومن وقت لآخر، حين يجلس وحيداً، كان يتلمس بمتعة فائقة إصبع السبابة العريضة في كفه اليسرى، وقد نقصت سلامية واحدة. ثم يتذكر مثل شريط سينمائي، تفاصيل حلمه الممتع في تلك الليلة المقمرة، ويتنهد بارتياح.‏

(((‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244