صفحات من مذكرات رجل عاقل جداً - خالد حداد

مجموعة قصصية من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:52 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هموم صغيرة

الساعة الأولى من محاولة البحث عن المستحيل‏

عندما انتصف الليل كان قد مزق ثلاث عشرة ورقة. ظلت أفكاره تومض وتتلاشى في بقعة خفية عميقة داخل أعصابه، مثل حلم يقظة مستحيل. أغمض عينيه عن العالم الخارجي، وفتحهما نحو الداخل، فاندفعتا في استطالة ممتدة لا حدود لها. ثم تشعبتا في جميع الاتجاهات، وملأتا كل الفروع. لكن تلك البقعة ظلت خفية مستعصية. وانقطع التيار الكهربائي فجأة. لكن تياره الداخلي بقي في ذروة نشاطه، واستمرت الاستطالات في تمددها المتشعب العقيم.‏

عَبْرَ كتل الظلام المبعثرة حوله، ارتفع صوت بكاء حاد لطفل الجيران، فأُجفل قلبه، وانقطع تياره الداخلي، وفتح عينيه.‏

نهض ليحضر شمعة، ومد يديه يتحسس طريقه إلى المطبخ. اصطدم بكرسيين وجدار وطاولة. وأحس بوخزة مؤلمة في ركبته اليمنى حاول تجاهلها. وعندما تمكن من العثور على الشمعة وإشعالها، والعودة إلى غرفته بتمهل حذر حتى لا تنطفئ، عاد التيار الكهربائي، وهدأ بكاء الطفل، لكن تياره الداخلي ظل مقطوعاً.‏

الساعة الثانية‏

كان مصراً على الاستمرار، برغم كل شيء. فرئيس التحرير صلب في مثل هذه الأمور، ولن يغفر له هذا التقصير. وعليه أن يُقدّم يوم الإثنين، أي بعد يومين، خمسمئة كلمة، هي زاويته الأسبوعية في الصحيفة. والتي ينبغي أن تعالج موضوعاً مشوّقاً، ناقداً، ولكنّه مُدجَّن مُقلَّم الأظافر. وهذه المواصفات الأخيرة لم يقلها رئيس التحرير صراحة، لكنه أوحى بها. وفكر كثيراً في التمرد على رئيس التحرير. لماذا يوم الاثنين؟ لتكن الزاوية يوم الثلاثاء أو الخميس. ولماذا خمسمئة كلمة بالتحديد؟ ربما يستطيع التعبير عما يريد بعشر كلمات... أو بكلمة واحدة. أو ربما احتاج إلى ألف أو ألفين. واجتاح ذهنه سيل من كلمات لماذا؟ كان يغوص في إغراء هذا التمرد، ولكن ليس إلى عمق كبير. فالنتيجة معروفة، والثمن هو رأسه، الذي يتحفز لبتره رئيس التحرير والكثيرون غيره. وهو لن يقدمه لهم باختياره.‏

وحاول من جديد أن يبحث عن ومضته الداخلية. أغمض عينيه، واسترخى أكثر في مقعده. شعر بفوضى أفكاره، وكأنها ملتقى شوارع مزدحمة، تعطلت فيها إشارات المرور الضوئية. جرب تنظيمها، وأَرْشَفَتَها، ولكن بدون جدوى.‏

الساعة الثالثة‏

من إحدى الزوايا انفلتت إحدى الأفكار الملحاحة. " اليد التي لا تقدر عليها قبّلها وادعُ عليها بالكسر". كانت هذه الفكرة ترفض الانضباط في أرشيف عقله. ومارست كل أشكال المراوغة كي تظل محتفظة بسيطرتها واستمراريتها، بدءاً من مجتمعه الصغير حتى تصل إلى العلاقات بين دول العالم. تراقص خلف عينيه بصيص ومضة، فركّز تفكيره على هذه المنفلتة، استسلم لإغوائها، وحاول الانطلاق معها في إسقاطات متدرجة نحو الأعلى. وخفق جانب منكمش في داخله بعد بضع درجات، وانتصب أمامه رئيس التحرير ملوّحاً بقلمه الأحمر: لا تتجاوز حدودك، وانتبه لرأسك الهش. وأطفأ الرعب ومضته.‏

وتساءل داخلياً، كم يساوي رأسه.. عمود في صحيفة؟ عشر كلمات؟.. كلمة واحدة؟.. والمقابل هل يستحق؟ ولكن ما هو المقابل؟ خمسمئة ليرة.. عشر ليرات.. ليرة واحدة.. فشّة خلق، وصفاء قلب، واسترخاء في الأعصاب. هل سيغير العالم بقلمه؟ هل سينصف المسحوقين، ويُطعم الجائعين، ويسدّ البنادق الظالمة؟ هل سيتمكن من إعادة ما سرقه لصوص الحقوق إلى أصحابه، ملفوفاً بورقة ملونة، ومرفقاً ببطاقة اعتذار رقيقة؟‏

لو كانت كلمته تحمل هذه المَلَكَة الأسطورية لقالها، ثم اقتلع رأسه، وحمله بيده هدية لمن يطالب به. لكنه عرف أن زاويته الأسبوعية ليست أكثر من مساحة فارغة بحاجة إلى تغطية. قد يقرأ عنوانها بعض الناس، ويتابع قراءة ما بعد العنوان بعض هذا البعض، ربما بملل وشرود، تمهيداً للانتقال إلى مواضيع أكثر إمتاعاً، وأسهل هضماً.‏

الساعة الرابعة‏

ملأ التفكير في المقابل المادي لزاويته الأسبوعية مساحة واسعة من عقله. ثم تداخلت عَبْرَ هذه المساحة تداعيات كلّ منها يحاول السيطرة على بؤرة الاهتمام. كانت احتياجات أسرته للاستمرار في الحياة فحسب تتجاوز غالباً مردوده من الكتابة. واسترسل في تداعياته بحثاً عن القيمة الحقيقية لعمله، ولعمل الآخرين. من الذي يقررها؟ ما هو المبدأ الذي يتحكم بها؟ كيف ومتى تتحقق المعادلة العادلة بين قيمة العمل ومردوده؟‏

واستعاد في ذاكرته خبراً قرأه قبل بضعة أيام في مجلة فنية، يتضمن أن مطرباً عربياً حدد مبلغ ألف دولار أمريكي ثمناً لكل دقيقة واحدة يغني فيها. وضحك عندما حاول مقارنة نفسه معه، فهو بحاجة إلى سنة كاملة من الكتابة المتواصلة ليحقق أجر الدقيقة ذاك. وأغرته المقارنة بأن يفلسف السبب. إن كل شيء خاضع لمبدأ العرض والطلب. وقيمة المعروض تحددها نوعية الطالب الذي يملك السيولة اللازمة، وصاحب السيولة يُفضّل تحريك رجليه على تحريك عقله أو قلبه. وتوصل إلى نتيجة تجمع بين المنطق والتشريح، وهي أن قيمة العمل تتزايد طرداً مع انحدار العضو الذي يعنيه هذا العمل. وتسللت فكرة خبيثة إلى واجهة تفكيره، تغريه بإنجاز عمل يرضي كل الأعضاء معاً، ويمنحه كل درجات المكاسب.‏

الساعة الخامسة‏

عندما بدأ يكتب زاويته الأسبوعية، قال له رئيس التحرير:‏

ـ اكتب ما تشاء، وفي أي موضوع يستهويك. وعبِّر عن كل ما يدور في ذهنك. ولكن احذر عند معالجتك أمورَ السياسة والدين والجنس. إنها أدوات خطرة، من لا يتقن استخدامها يؤذي نفسه، ومن معه.‏

وتذكر عدداً من الكتّاب الذين قرأ لهم. وأعاد إلى ذهنه كيف يتعاملون مع هذه الأدوات، ويظلون بعيدين عن أخطارها. كان أحدهم مغرماً بالمواضيع السياسية. وتمتعه الكتابة فيها، ويثيره ركوب صخورها الجارحة، والاقتراب من فوهة البركان، ولكن بدون الولوج فيه. وأصبحت كتاباته مثل ثورات الزوج المغلوب على أمره، أمام زوجته المتسلطة، إذا تورّم قلبه منها فرّغ غضبه على أولاده وجيرانه.‏

وكاتب آخر يعشق النساء، كل النساء، عشقاً حسّياً حاداً. والكتابة عن عشقه هذا، بكل الانفعالات التي تشتعل في جسده، تخرج به عن قواعد اللعبة المسموحة. فكان يُطلق عواطفه الحبيسة المحظورة في كتابات تتحدث عن عشقه للأرض والوطن. والحديث عن عشق الأرض والوطن، الذي ينتفض في قلب عاشقهما، فيدفعه إلى مغازلتهما مثل امرأة خيالاته، لا اعتراض عليه. والرمز أسلوب مشروع، ووسيلة مسموح بها لتظليل النوايا الحقيقية التي لا يجوز التصريح بها، وكلما ازداد غموضه قلّ خطره.‏

وفي إحدى زيارته لدولة عربية متزمتة الرقابة، قرأ كتاباً يبحث في أصول إحدى العبادات. كان الكتاب في شرحه يذكر كل شيء باسمه، ويوضّح كل فعل بتفاصيله. وعندما أظهر استغرابه للسماح بنشر هذا الكتاب بكل ما يحتويه، قيل له: هذه أمور فقهية، ولا حياء في الدين.‏

وعرف أخيراً أن الخطر ينبعث من غلاف الكلمة، وليس من الكلمة نفسها؛ ومن قالب الفكرة، وليس من الفكرة ذاتها.‏

الساعة السادسة‏

كان العثور على موضوع زاويته الأسبوعية أمراً عسيراً. فقد اعتاد أن يكتب حين تولد فكرة في عقله، ثم تتنامى وتتوسع حتى تنضج، فتنفجر سيلاً من الكلمات، التي لا يعرف كيف تكوّنت، وأين ستتطور، ومتى ستنتهي. كانت الفكرة تهاجمه مثل القدر، بلا موعد، وبدون تحضير أو استعداد، تثقب نواة عقله، فيستسلم لنزيفه حتى الجفاف. والآن عليه أن يوقد شعلة أسبوعية منتظمة. عليه أن يفتعل الانفعال، ويؤججه، ويُنضجه، ويختلق الجو الذهني الذي يتفق مع الموضوع المطروح. وعوّد نفسه بعد بضعة أسابيع على التحكم بتوقيت أفكاره، وعدم تركها عفوية طليقة. وبدأ يبحث عن مواضيعه بين الناس من حوله. فالناس منجم للأفكار، وعليه اقتلاع صخور هذا المنجم، ومعالجتها وتنقيتها، ثم تشكيلها وتقديمها.‏

وأخذت بعض التساؤلات تتقافز في ذهنه. كيف يفكر الناس، كيف يعيشون ، كيف ينفعلون ويتفاعلون؛ كيف يحاكمون الأمور، وكيف تنشأ ردود أفعالهم. أعدّ في ذهنه مجموعة غير مألوفة من الأسئلة، اقتحم بها عقول من حوله. واصطدم بالخوف والصمت، أو الرفض والتملّص. فالجميع يخافون من كشف ما بداخلهم. كلهم يقول ما ينبغي قوله، ما تعلّم قوله، ما يليق قوله، ما يُسمح بقوله. لا أحد يتجرأ على قول الحقيقة. فالحقيقة مخيفة مهما تكن، وسر له خصوصيته، وكشفها يشبه التعرية. وتعرية الأفكار مثل تعرية الجسد، أمر معيب ومحظور، ومخالف لكل القوانين والأعراف. والناس تعوّدوا على الهروب من المواجهة، والاختباء في سراديب أقوال استسلامية، مثل: "الباب الذي يأتيك منه الريح، سدّه لتستريح". أو "ابتعد عن الشر وغنِّ له".‏

لقد فقد الناس القدرة على التحدي والاقتحام والمجابهة. تخلّى كلّ منهم عن شخصيته المتفرّدة، ذات الملامح المتميزة، ورضي بأن يتضاءل ليصبح جزءاً لا ملامح له، داخل الهوية العامة المشتركة لمن حوله. تطاولت المورّثات الأرنبية ثم استقرت في عروقهم، فقنعوا بالانزواء السلبي في أقفاصهم، والتطلع عبر شقوقها بشغف مكبوت إلى الكائنات الخارجية، وكأنها من عالم آخر، منيع، بعيد المنال، مدغدِغ، ملعون، مرغوب. يحلمون به ليلاً ويستنكرونه نهاراً. يمكن النظر إليه سراً بطرف العين، أو من ثقب الباب، أو من وراء شبكة ضيقة الفتحات وحيدة الاتجاه. أما الرؤية المباشرة بعينين مواجهتين، ومحاولة الاستكشاف والتعرف، والقدرة على المحاكمة الناضجة، والاختيار الموضوعي، فهي خطرة مثل ارتكاب المعاصي، أو الدخول بين فكّي التمساح، أو تشغيل آلة إلكترونية معقدة.‏

الساعة السابعة‏

تزايد ضوء النهار الجديد، ولم يكن قد كتب كلمة واحدة بعد. وشعر بمزيج من التعب والنعاس، وبدأ تفكيره يتراخى، وراح يطفئ زوايا عقله المضيئة واحدة واحدة. وكلما أطفأ واحدة ازداد استرخاءً. وظلت زاوية واحدة لم يستطع إطفاءها. وحين حاول ازدادت توهجاً. وقرر اقتحامها. لكن التعب والنعاس كانا أقوى من مقدرته على الوقوف. وازداد عناداً، وزحف على ركبتيه وهو يحاول الاقتراب منها. وحين وصل إليها أخيراً، انتصب في وجهه رئيس التحرير، حاملاً بيده عصا طويلة، طويلة جداً، في رأسها قلم أحمر.‏

(((‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244