لغط موتى - يوسف المحيميد

قصص من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

لغط موتى

أصدقاء كثر يظنون أنني لا أملك أن أكتب نصّاً طويلاً، رواية مثلاً، لأنني لست قادراً على أن أنكبَّ لليالٍ، ولشهور، وربما لسنوات، في مكتبتي الصغيرة، مؤججاً شمعةً عُرفُها ينثني كلما تنفَّستُ مليَّاً، ومن أعلاها يتمشى شمعٌ يحفر بدبيبه، كبشرٍ يتناكبون، ليس عليَّ سوى أن أخطَّ بسواد قلمي على رؤوسهم ملامح وأحلاماً وذكريات، وهزائم وأسراراً ومكائد.. ثم أنضد لهم طرقات وشوارع، سراديب ومكاتب، وسجوناً وقصوراً، ردهات وبيوت صفيح، لأجعلهم يمشون بمشيئتهم إلى مايقودهم من وقائع وأحداث.. إلخ..‏

آخرون يظنون أن انشغالي كصحفي، يسلب وقتي، رغم أن أكثرهم يعرفون أن الصحيفة التي تشعل هزائمي، كل هنيهة، تعجُّ بوجوه منسوخة، منشبٌ عليها أقنعة مكررة، تهبط من ملامحهم الكلمات ذاتها، والآراء الجاهزة التي ينسلونها من أدراجهم، ثم يسحلون أسمائهم فوقها؛‏

ولو طرقتهم دون قصدٍ فكرةٌ شاردة، وغائرة، نكص أحدهم إلى دورة المياه، ثم قلَّب قناعه تحت خيط الماء، وارتداه ثانية.‏

لا أحد يدرك كم صعب أن أكشف أسرار وكنوز الذين يمرّون خفافاً في الذاكرة، ليس لأنني مثالي جداً، أخبئ ما أعرفه، لاأسرُّ به لأحد، حتى تغصَّ ذاكرتي وتفيض، فيتسرّب لغطُها كخيط سرّي داخل صدري، وأنا أواسي كفني في رقدتي الهانئة. ولست أرى الأشياء والأشخاص كما هي، فأنقل تجاربهم، ووقائعهم كما أعرفها تماماً، فأكون ناقلاً ساذجاً للواقع- ما الذي أتى بكلمة الواقع هنا - لايهم. ما أردته أنني أصنع شخوصي، وألوي أعناق وقائعهم، فأسوقهم أمامي كالشياه الضالة، أجعلها في سطوة الغبار تدلق سرائرها الكامنة، كما نفعل من اقتحام للمنازل الضخمة، إذا عجَّ مبيد الحشرات الأبيض، في أفنيتها، نعدّ الأعمدة فيها، ونتلمّس أثاث الغرف، قبل أن نسقط غافلين في أثاث النساء الوافرات، فنرتطم باكتناز يرعش كذبيح سقط توَّاً.‏

أحياناً تنفضني حمّى مديدة، تكثُ فوق جسدي عرقاً أو مطراً، أو جحيماً، حال تذكّري حالات شخوص أفكِّر أن يكونوا أبطالاً لرواية مثلاً. أشعر أن أحدهم، ولنفترض أن اسمه مسعود، سيوقفني في درب مسدود الآخر، ويستجوبني بقسوةٍ أولاً، ثم سيبكي كسيراً، كيف انفلت بصري من أسره، راصداً شهادة تقدير بختم رسمي للوزارة، تزيَّن أعلى سريره، ووساماً يتدلّى فوق الزهور المجفّفة على الكوميدينة لصق السرير؛ ثم سيجذبني من يدي، وهو يشير تجاه بيت ضخم، متفلّق الطلاء، بابه مردوم بسلاسل تتهدّل لتمس الرصيف، وأشجاره الضخمة فائضة وذاوية، قائلاً لي: لماذا لم تذكر أنني عملت هنا سائقاً، وأنني أنتظر صاحب المنزل في السيارة مع الكلاب الضالة، حتى يعرك نعاسي بياضُ الفجر؛ وقهقهاتُه مع أصدقائه المخمورين، وهم ينزلونني من السيارة، آمرين أن أخلع، وأقعي لأبول، مثل كلب، ثم ينهالون بضحكاتهم وركلاتهم، وطَفَر الدمع من عيونهم الذاوية.‏

ماذا سأقول لمسعودٍ لحظتها، هل أقول أن كثيرين شاهدوك وأنت تقعي وتبول، بالأقل الكلاب الشاردة التي لاذت في طرقات جانبية، وهي تشعر أنها أقوى منك؛ بل لعل أحدها، أكثر حظوة منك، لحظة اتخذته "موضي" ابنتك خليلاً، دلكت له وبره الناعم بالماء والصابون، وقد افترشت له سماطاً مزخرف الزوايا بزهور وردية، في مساحة جانبية من سطح منزلك الحجري، قرب حجرتها، وقد اعتزلت الأهل والأقارب والناس، وقادته خاضعاً ودوداً إلى حجرتها ببابها الحديدي؛ لم يكن صرير الباب ذاك الذي يعلو في الظهيرات، بل كان هسيسه ممتنّاً، ودائخاً، بعينيه اللامعتين، وهو يحس بعضلاته كلها تتخلص من رخاوتها، وتفزّ، فينهض عَجلاً متشمماً، ومن شدقيه يتقاطر جوعه وضلاله، ثم يعلو قليلاً، غارزاً شيئه، هازّاً كبندول ساعة في حوش بيتك الحجري، تاركاً عقداً ينتهي بحلقة نحاسية يجلجل في ظهيرة قانطة، كما الأجراس الضاجّة، في عنق الحمار الساحب عربة الجاز، في شارعك الترابي.‏

ربما تفجؤني أيضاً "موضي" بقامتها الممشوقة كنخلة ضاربة في واحة ابتلعها الرمل، وهي تحشرني في لوذةٍ طارفة في حارتي التي أسكنها، بوجهها الملائكي الذي غطّت صفرته كل شيء، ستدفعني بجبروتها لصق الجدار، وسأحس بأعشاب الجدار الطيني، الصفراء، الناتئة قليلاً، تخمش ظهري عاتبة، ثم تسألني كوني أحكي عن الكلب الذي ضلَّ الطرقات كلها، والشموس الحارقة، ليسكن بدعةٍ في الظل، مغمضاً تحت المياه الباردة، التي تسللت مخلوطة برغوة الصابون، من مثعبٍ فاض بعنقه، إلى الشارع الترابي، وتراقص تحت خيط الماء الهابط أولادٌ أشقياء وشاردين.‏

لماذا لم أذكر، بالأقل، خيباتها وهزائمها الكبيرة، كان يلفظها الموظف الحكومي بلحيته المشذّبة بعناية، في بيت الأهل الحجري، مردّداً وهو يدير مسبحته كمروحة، في مدخل البيت:‏

بنتكم ورجّعناها لكم. ورعبي لحظتها، إذ لم يقل لي أبداً، ماذا كان ينوي أن يفعل طول الطريق، مسافة ثمانين كيلاً، من القرية التي عشت فيها معه؛ فقط عرفت أنني في زيارة الأهل. تماماً كما لم أعرف أنني أُزفُ تلك الليلة البعيدة، فقط ثلاثة عشر حلماً حلمتها، آن حملوني بحجة أننا في نزهة بريّة، حيث قرية جنوب المدينة، هناك أدخلوني قصراً على حوافّ جدرانه العالية أضاءت لمبات حمراء؛ قالوا سنحضر حفل زفاف، وفي غرفة ضوؤها خافتٌ جلستُ، بصحبة امرأة بدينة، خضَّبَت أصابعي، وأرخت شعري الوافر، وحكت كلاماً غامضاً لم أدركه، حتى دخل بلحيته المصبوغة والمشذّبة بعناية، هامزاً كفّها بورقة نقدية، ثم غبتُ عن كل شيء، حتى الصباح الذي تقافزت على درجات سلّمه أسطوانة غاز أيقظتني. هل تعرف معنى أن تستيقظ عروسٌ على رنين اسطوانة، ولغط خارج غرفتها.‏

ستشدني ربما "موضي" من ذراعي، وتهمهم بصخب ناقة شرسة، عن قذارتي، وحجبي لكنوز غيّرت حياتها، بينما أحكي عن أسرار لاتهمّ كثيراً، كما عن إبنه الذي يبقى معي، ومع زوجتيه الأخريين، ضحى يغيب أبوه الموظّف، في دائرة الإمارة في المدينة، ليهتم الإبن بالنخل والسقاية، ثم يتسلل إليَّ؛ وكما يدلق فنجان القهوة المرّة- الذي أصنعه- في جوفه، يدلق لي مرارة أيامه، وعزله عن تتمة دراسته، لينتهي بأن يحفر بركبتيه أرض الغرفة القاسية، وينفض نشيجُهُ أثوابَ أبيه المعلّقة في الخزانة الخشبية كرجال مشنوقين؛ لماذا تذكر ذلك فقط، دون أن تنقل بصرك الجاحد إلى غرفته الخشبية في السطح، إذ يعرِّفني على صور بالأسود والأبيض تغطي الجدران، لفنانين وأدباء وثوّار وفلاسفة؛ لِمَ لا تسمعه ساعة يحدّد ملامح أبي الغائبة عنّي، حياته وعمله، الشهادة المزينّة بإطار داخل غرفة نومه، الوسام الذي علّقه على زهور الآنية، فجفَّت أو اختنقت، فأسموها زهوراً مجفّفة، أو مختنقة؛ أيضاً أبوه الذي يعمل خفيةً في خبايا دخان البخور الأبيض. كيف تشوّهه، وكل ماتذكره عنه، بعض هراء مؤلف فاشل، بأن تصفه بذي الالتفاتة المرتبكة، والعينين الزائغتين، والغموض الذي تفرضه الحمائم إذ تتبعه بأجنحة صفّاقة، وهي تطير من جذع لآخر، وكأنما تنبئ بقدومه؛ هل يكفي تسميته بالرجل المتبوع بالحمائم أنّى اتّجه، أيكفي أن تختتم سيرته في روايتك، بأنه فتح الباب، في مساء نفضتْ أشجارُهُ أقراطَها، لطارق مباغت، ثم اختفى هو، ومن دقَّ الباب، وكأنما ابتلعه رمل الدهناء، مثلاً.‏

سأقول لحظتها لموضي، وأنا أخلّص ذراعي من قبضتها، بأنني فعلاً لا أعرف أين اختفى، من التقطه، هل هرب، ضلَّ، تاه، سجن، ارتفع.. لست أعرف كلّ شيء.‏

ستقذفني بعين ناشزة، وحارقة؛ وحاجبيها يتجاذبان بشدّة، إذ تلومني، وهي تهمس، بأنني عرفت أين اختفى الكلب، وهو مجرد كلب، كيف أوثق عليه داخل كيس خيش، طُوح به في حوض سيّارة نقل صغيرة، شقَّت به الطرقات النائمة، وعلى أميال من طريق برِّي مهجور، حُذف بالكيس على صخرة، وهو ينبح، فأمطرَتْه حجارةٌ جعلت نباحه يخفت، حتى صار يهسُّ مع ركل ضعيف لقائمتيه، حتى خمد الكيس تماماً.‏

ستشدّني من ياقتي، ثانيةً، موضي، وهي تجأر، كيف عرفتَ أين غبتُ، بعدما سأل الطبيب الشامي بنظارتيه الدائريتين المعقودتين بسلسلة فضيّة، جدّي وأبي، وقد فحصني، إن كان ثمّة حيوانات في البيت، فهزَّ أبي رأسه نفياً، إلى أن صدحت لهما أختي الصغرى، أن كلباً يتجوّل في الأعلى، فقلب لحظتذاك جدّي فنجانه فوق جمرات موقد لم يترمّد بعد، حتى علتْ غيمةُ دخان تخلّلت لحيته الهائجة؛ جدّي الذي لا يفرِّط بحبّة قهوة، تنازل لارتباكه آنذاك عن فنجان قهوة مملوء. كيف عرفتَ إذ اختفيت من الحارة كلّها، لشهور ستة، أنني أودعت، كما يليق بكيس عظام متكلّسة، في مصحّة عزل خارج المدينة المقطِّبة.‏

أيضاً، ألا تشير، ولو لمحاً، إلى جدّي الذي كشط عظامي المنهالة عن اسمنت السطح بغلاظة، وأمر أبي أن يرميني هناك، معزولةً، إلاّ من حزني.‏

كثير من أصدقائي، وأنت أحدهم، يقّعدون أسئلتهم قبل أن تشتبك معي أيديها الطويلة، حتى المساء ذاك، الذي مدّت فيه أعناقها، بأنني أنقّل أدواتي وبصري أينما حللت، وأجلو مفرداتي مثل ودعٍ، وأمتطي الذاكرة فاضَّاً بها طفولتي، وطفولة العالم والأشياء؛ كيف، ولم لا تكتب رواية ما، دون أن يشاركني أيٌّ من هؤلاء مسؤولية الوقفة أمام شخوص شائكين كهؤلاء، مسعود، موضي، الرجل باللحية المشذّبة بعناية، الشاب المطوَّق بالحمائم، والجدّ. بل أن ارتباكي ووجلي حيال الأحياء، لا يعادل شيئاً أمام رعبي للأموات كالجدّ، مثلاً؛ وليست الإرتباكة هنا، بفعل شعوري فقط بحضور الأرواح، كحضورها في القط الذي يداهم غرفتي، برهة أكتب، ويسكب الشاي على السجّاد، أو أن يتدلّى فجأة من زاوية السقف، ماثلاً أمام عينيّ، العنكبوتُ المتشبث بخيط دقيق واهٍ لا أراه، وكأنما يلفتني بأن أقف عن كتابة سيرته. أوحضورها بطرقعات الوزغ النافذ من فتحة المكيّف، والشاخص أمامي بعينيه الطافحتين، حتى أتعثّر في المفردة تلو المفردة، وأغصّ في رعبي ورعشتي. أو غفلتي عن الصرصار السائر فوق إطار اللوحة المثبتة على الجدار، حتى يفجعني بأن ينقضَّ بجناحيه، حاطَّاً على ورق الكتابة؛ لم يكن خوفي من أن تحضر أرواح الموتى في هكذا حشرات طائرة، بل تصفّر الريح مثلاً، وبغتةً، من شقوق النافذة، فتجعلني أحياناً، بل كثيراً، أخفض رأسي كمن يتّقي رصاصة طائشة؛ أو أن يخرَّ فجأةً عرف الشمعة، وقد انتهت، فأغرس رأسي بين كتفيّ، يائساً من جدوى إقفال أذنيَّ عن وشوشاتهم، وحفيف أثوابهم، حين يتناولون الكتب من الأرفف المعلّقة على الجدران، نافضين غبارها، مقلّبين صفحاتها، وهم يبلّلون إبهاماتهم، لتنثني معها الصفحات العصيّة.‏

هكذا أحسُّ كثيراً، أن أحكي عن الجَدُّ، مثلاً، الذي يزجر عين الشمعة البصيرة، فتغمض. رغم ذلك، لم تذبلا بعد عينا موضي الناشزتان، ولم ينفك اشتباك حاجبيها الناشبين في عراك صاخب، إذ تلمح إلى الجدّ الذي تغافلته، ولم أشر إلى سطوته. كيف سأقول أنه زجر الشمعة مرّة، وحين أشعلتها مسَّها بإصبعيه، فنامت ثانية، وفي ظلمة الغرفة تسلل نشيجه خافتاً متقطّعاً، خفَّ قليلاً بعدها، متبوعاً بآهات طويلة ونافذة؛ وسمعته، كأنما يحدِّثني، بغرغرات تشبه لغط موتى أو مجانين، كما لو كان يلمح أنني أعطي الحق كلّه لهؤلاء الأحياء السذَّج بأن يحكوا، يثرثرون برهة، ويكذبون بُرَهاً، نعم، كذبوا كلّهم عليَّ، مستغلين موتي، وعدم قدرتي على كشف أباطيلهم، ناسين أنني أتتبعهم خطوة خطوة، أشرنق خطوهم إن شئت، أعدّ أنفاسهم الزائدة، فهذه المخبولة موضي، العائشة في سَعَدٍ الآن، مع صغارها أشباه القطط، لم تعرف أنني خطفتُ صغيرها من سنتين فائتتين، إذ كنت أرقد، ليس في قبري، بل خرجتُ أتنزّه، ولمّا تعبتُ، التجأت إلى خلوة المسجد، الذي أخذتني فيه غفوة، لا أعرف مقدارها، حتى غمر الخلوة ماء المجاري، مالئاً مايفيض عن ثلثي سلمّ الدرج الحجري، المفضي إلى فناء المسجد؛ فسمعت في انتباهتي صوت صغيرها يطشّش الماء، أعلى السلّم، فانزلقتُ كسمكة في غمرة الماء، صاعداً السلّم، لأشدّه من يده الناعمة المبتلّة نحوي، لابدّ أنهم قالوا لك أنه غرق، وأن أباه، في ذلك النهار الرمضاني، هالَهُ الصوتُ، فهام بسرواله، وفانيلته، فمه فاترٌ برائحة العَرَق البلدي، لينكفئ على ماء المجاري الطافحة في أعلى السلّم، يشربه صارخاً، وكأنما يشرب رائحة صغيره. لستُ قاسياً وقد شددت الصغير من يده، لكنني أحتاج من يشرذم معي وحدتي. ألا ترى أننا- نحن الموتى- ندفع الوحدة والوحشة عنَّا كمن يبدّد بحفيفه وصوته شراذم أناس لاهين يطأون على رؤوسنا ساعات نعاسنا.‏

وإذ يتوقف الصوت ورائي، أسمع خشخشةً، وكأنما يلبس نعلي، ليخرج. ألتفتُ بغتة، فلا أجده، رغم الصوت الذي يمحو ظلام الغرفة، قائلاً إنما لم يكن فظّاً، كما تفضِّح العاقّة، بل أنني أتنازل عن أملاكي وحقوقي لها، ولأمها؛ هل سمعتَ أنني فقدتُ غرفتي الوحيدة في بيتي؟ متى؟ ستسألني لابدّ؛ حسناً، عند وضع أمها آخر ضناها، في غرفتي، صفّوا أشيائها، ورتّبوها لكي أعود أسكنها ثانيةً، لكنني لم أعد، لم يسألني أحد، لأنهم حال تخفى عليهم أفعالي، يرددون في سرّهم، أو همساً: أنني خرّفت. ليس خرفاً ذاك، بل تأمل طويل، وحدها البنت الصغرى التي أسرّت إلي بالكلب الساكن في الأعلى، تسألني عمَّا إذا كنت سأعود إلى غرفتي. قلت لها، فيما أذكر، أن التي تلد، مثل أمها، تكون بحاجة إلى من يساندها في محنتها، كالملائكة مثلاً؛ وبعد أن تنجو من حالتها تلك، لابد أن تخرج مع مولودها من الغرفة، لحظتها، ستظل الملائكة تتجوّل بأجنحتها الرهيفة داخل الغرفة؛ لا تدري ماذا تفعل، كأنني أخشى إن عدتُ أسكن الغرفة معها، أن تجد فيَّ عملاً، فتأخذني بعيداً عن البيت، وربما عن الدنيا.‏

سمعتُ صوتاً، يشبه صوتي، يجرِّح هدأة الغرفة: والشياطين ألا تحضر؟. فواصَلَ هاذياً، كأنك تدرك السرَّ الذي أسلكه مع شبيهتي، تلك الصغرى، إذا رجعت من دكاني الراقد في قاع المدينة، ظهراً، أحاول إشغالها عن نوم أراه يدلّي رجليه من على جفنيها، فأخرج من جيبي مرآةً دائرية صغيرة، نكشتها مرةً من برَّاية بلاستيكية خضراء، لأجعل انعكاس الشمس الساقط عليها يتقافز على الجدار المقابل، وكأنما هي عين شيطان زائغة، فتحاول هي بشغبها أن تصفع الضوء بيدها، أخبرها آنذاك أنها إن خبطت هذه العين الزائغة، فإن الشياطين لن تزعجها في الظلام، حين النوم، لأنها تكون قد تخلّصت منها في الظهيرة.‏

هكذا كنت أحسُّ بفزعي إذ أنصت للموتى، ساعة ينفضون مكتبي، ويلبسون نعليّ، ويرتشفون من كأس الشاي قبلي. فيكف إذاً سأحضرهم معي، على طاولتي، وبمشيئتي، بينما هم يفجأون عالمي وتأملي دائماً أن ألمحهم يجرّون برازخهم ورائهم. هل كانوا يشتّتون حياتي الشائكة ببرازخهم، أم أنني أصلاً، ومنذ سنوات، أرقد في برزخي الهانئ، وإذا مللت السكينة أزحت غطاء رأسي، المشبوك ببرنسي، وجلْتُ قليلاً، ثم انثنيتُ أكتب كما الآن. وزاد احتمال ذلك أن ماأكتبه لم يره أحد، فهل أنا كتبت شيئاً، أم أنها أضغاث موتى؟.‏

لم أقل لمن يرى أن أكتب رواية أنني كتبت كثيراً، أو ربما هجست فقط- دون أن أكتب- في شخوص ووقائع وأماكن غريبة، وظننت أنني نضدت خيوط حكاية ما، لكنني على أيّ سفّهتُ بصديق أهداني محاضرات كاتبة انجليزية حول كتابة فن الرواية، وكيف نضع جدولاً نرتب فيه فصول الرواية، وتفاصيلها، ثم نصنعها، بأن أعدت إليه كتابه، دون أن أقول له، أن كتابة رواية تحتاج إلى فكيّن شرسين، لا يكفّان عن الهذيان.‏

ما يرجّفني الآن، ليس إن كنت أملك فكيّن شرسين، بل أن يعيث في غرفتي هؤلاء الموتى، أو أن يتعقّبني الشخوص الأحياء، وهو يشاغلونني، لِمَ ذكرتَ هذه الوقيعة، لِمَ أهملتَ تلك الوقائع، بل حتى البنت الصغيرة يحق لها بأن تستوقفني، زاعقة، بأنك صنعتني طفلةً ساذجة، لا تعرف من العالم إلاّ أن تفقأ عين الشيطان السحرية وتنام. دون أن تفكّر لو برهة كيف تنام هذه الشقيّة، ليس شقاء الشغب هنا، بل النَصَبْ. كيف كنتُ أوقظ فُرُش القطن برشاش الماء من رؤوس أصابعي، لتبرد في أماسي الصيف الدبقة؛ ثم أنصب ناموسية أحتمي بها من البعوض الناهش، لكنني لم أعرف كيف أحتمي من بعوض البشر؛ لا تسخر مني، فالبعوض له أجنحة رقيقة، لكنه دونما أيدي وأصابع غليظة، وأسنان شرسة. بالأيدي تطيّر الناموسية المنصوبة، وبحفيف يشبه بكاء الشجر تعصف بالقميص، ثم تغطيني كاملةً، فتحجب البعوضة الضخمة عني لوح السماء، ووشوشات النجمات اللامعة. كل ليلة قبل أن أنام كنت أستمع إلى النجمة الكبيرة تتحلّق حولها نجمات صغيرة، يستمعن أيضاً معي إلى حكاية جديدة. في الليلة الصيفية تلك، لم أنم على حكاية شائقة، بل غبت أو هويت في ظلمة بئر لا قرار لها، والأحجار التي تردم حوافَ البئر تولول مثل نساء حين أمرّ خطفاً أمامها نحو الهوّة، حتى كأن الأحجار تتكرر ذاتها أمامي، وهي تشقّ صدورها. لأفز صباحاً بعد غيبوبتي فَزِعةً ودائخة، وعلى طرف قميصي المشجّر بالزيتي والأصفر الداكن، ورقة شجرية حمراء معرّجة الحوافّ. لايهم أن تعرف أي بعوضة ضخمة جلّلتني بأجنحتها، لكنني لست صغيرة كما تظن، وتغرّر بقرائك الوادعين، بل إنني امرأة في العاشرة، وهو كلما اصطدمتُ ببصره في البيت، بعد تلك الليلة اللعينة، أضبطه يقيسني بصلافة بعوضة، أودّ كثيراً أن أفرد أصابعي وأصفعها، ثم أغسل أصابعي من دمها، كما غسلتُ، قبلاً، دمي خلسةً في حمّام ردمتُ بابه من الداخل بإناء بلاستيكي مملوء بالماء.‏

ثم أن هذا الجدّ الخرف، الذي ربما ضلّلك، وأرهقني بغرغرات الموتى الكريهة، كيف يظن أنني ساذجة، أن أسأله عمّا إذا كان ينوي العودة إلى سكنى غرفته؛ ألم يرى كيف نقلتُ أغراضي إليها، مع ذلك لم تقبضني الملائكة إليها، وتطير بي في السموات، بل جرّته هو بسلسلة طويلة، مع أنه جعل فِر‌َاشه في فراغ الحوش، دون أن ينتبه إليها نازلةً من كوّة البيت العالية المفتوحة على السطح، لتقطع أنفاسه الرتيبة بمشرط رهيف، ثم تأخذها معها؛ يا الله، دوّر على أنفاسك يابو مسعود.‏

ما أن تحشر ضحكةً مكتومة، حتى تلمّ ذراعيها حول صدرها، إذ تُتأتي بعفوية، ألا تدري أنت لِمَ نقلت أغراضي، لأنني ببساطة لا أملك مكاناً أحفظها فيه، فبعد أن سكنت بيت الدرج السفلي، هنا شنطة المدرسة، هناك كتبي وقصصي، وعلى الحائط ألصقت صورة الشيكولاتة، وقد نزعتها، قبلاً، من مجلة ملوّنة، ثم أكملت ما بدأته من نقل رسائل جبران خليل جبران إلى ورق قصصته من دفتر التفصيل المدرسي، ذي المربعات الصغيرة، دون أن أعرف لمن سأدفع بهذه الرسائل. إلى أن هجم الذباب ماسَّاً بقوائمه جدران بيت الدرج، موقّعاً بتركته على صورة الشيكولاته، يصحبه بعوض يتأرجح أمام عينيّ الصغيرتين، حتى تتابعتْ مدفوعةً ببعوضة ضخمة أيضاً حقائبي، وكتبي خارجاً، كي تحلّ مكانها دراجة هوائية متربة. وقبل أن أحتل غرفة جدّي الخرف، سكنت شنطةً حديدية كبيرة، تزيّن جدرانها الخارجية رسوم لمآذن وقباب ملوّنة، ومنازل، وأشجار خضراء، فرحت وأنا أطوي جسدي الصغير داخل الشنطة، مع أشيائي؛ أحسست وقتها أنني اتخذت مكاناً شاسعاً، هل تعرف كيف خالجني شعور بأنني ملكة لمدينة مليئة بالمآذن والقباب، بالمنازل والأشجار، بالضبط كما المدينة التي تصفها، في ليالي الصيف النجمةُ الكبيرة، المحاطة بنجوم صغيرة تنصت برخاوة ونعاس لذيذين.‏

ستعترضني البنت الصغرى شقيّةً لتسألني، كيف تستمع هكذا خانعاً إلى جدّي الذي جرّح الدودُ عظامَه، أن يحكي عني مستخفّاً، لا أعرف ألأنني بنت، أم لأنني صغيرة؟ إذا كان فقط لكوني بنتاً، فقد أمتِّر الطرقات، وأنفض ملاءة المدينة حتى تتناثر شوارعها بين يدي، وأقود الصبية في اللعب، يختارونني دائماً كوعل مستوحش لا يكف عن الإلتفات راصداً لهم بوابة الطريق لحظة يقفزون سور حوش البلدية، المرمي بداخله علب الجبنة والمربّى والسردين، ليطوّحون بها كأنما مطر فاتن يملأ بحباته الشارع، نتلقّفه نافخين به جيوبنا وحجورنا، إلى أن قفز آخرهم خارجاً، فتداعى يتلوّى إذ آلمته حافة العلبة المخبأة داخل سرواله، لكنني ساعة أفاق من خدر الجراحة في المشفى، سرّبتُ له علبة الحلوى التي أوقعته، لزمه بعدها غسيلٌ لمعدته وقد تلوّثتْ بفعل الحلوى العطنة.‏

لم يكن أيضاً من الصبية من يماثل غضب حجارتي التي أطلقها على شجرة السدرة الضخمة، حتى تكثّ من رأسها العالي ثمرات صفراء صغيرة وناضجة، ظننا أن حجارتنا هي التي تلهب الأغصان الرفيعة، فتنحني ليتقاطر عَرَقها كثمرات مدوّرة، لكننا اكتشفنا أن أصحاب المنزل يقذفون بالثمر الذي ملأوا به الأواني من وراء السور، كي يتّقوا مطر حجارتنا.‏

لمحتها تعترضني، بينما أمشي أماماً، فاردةً ذراعيها، تتهمني، بكيف تسرق أنت يانكرة، ماقمنا به نحن، ثم تشبّهنا بالشياه الضالة، وتقودنا أنت أيها الراعي الأمين، أي أمين أنت، وأنت تدّعي أن غبار الشياه الذاعرة يشبه الدخان الأبيض للمبيد الحشري الذي يعجّ في البيوت الضخمة، فتدخل أنت كما نفعل، في ضباب كثيف، لا يرانا فيه أحد، نعدّ الأعمدة، ونتفحص الأثاث، هل كنت أيضاً مثلنا تسرق ما جسَّت يداك. فجأةً، كأنما عرف الشمعة في غرفتي يتألم ويتلوّى، يخبو ضوؤه مرةً، ثم يعلو، لتنساب على أدراج غرفتي حشرجات الجدَّ، والبحّة التي تتسلق الجدران بقوائم ناعمة، كقوائم أسراب النمل السائر إلى أعلى: أشعر بأسفي أنك تنصت هكذا، لبنت ساذجة لم تشبّ بعد، ألم تعترضك أمها الملفوفة الوجه بغطاية سوداء، ذكرتُ لمسعود ابني يوماً، أنها قد لا تنزع الغطاية حتى في النوم، فضحك؛ ألا تذكر الغريرة تلك، وموضي أيضاً، كيف تحرضان أبداً، حين التوى عودي إلى الأرض، بأن تدفعاني عنوةً، أماماً، حتى انكفئ، وهي لا تعرف، أعني المغلولة بالسواد، أنني لم أفقد عقلي وسمعي بعد، لحظة تتهامس وجارتها، حاكيتين عن زياراتها للذي يدّعي أنه يخز العين التي تصيب، ويفك السحر، بحجة أن المعلولة موضي بحاجة إلى من يفك عنها السحر والغموض والصمت الذي قيّدها، ودفع بها إلى سكنى غرفة السطح، لم تكن تصحب المعلولة فقط، بل تطلب الماء لنفسها، كي يَمسح به ورماً جلدياً وحساسية، وتصيب صدرها، وهو الذي لا يفحص المسكونين والمسحورين إلا واحداً واحداً، في غرفة تغمغم في أنحائها الظلمةُ، بحجة أن الجن لا يرون إذ يحاولون الفرار من الجسد المسكون؛ المنتظرون خارج الغرفة يسمعون النهنهات واللهاث، ويتعوذون بالله من شياطين الجن والإنس؛ لابد أن هؤلاء أهل الأرض، الخارجين من الأوادم، وهم يلهثون في ظلام الغرفة، محاولين الفرار.‏

ـ ـ ـ‏

يرتعش الشمع السائل أسفل العرف المتذبذب، والجدّ يواصل غرغرته، ستقول أن تلك همهمات ميت، أو أنها فرقعات وزغ يترصد عند فتحة المكيّف.‏

في اللحظة التي يشفُّ قربي صوتٌ يشبه عراك نمل يتسلق الجدار الأملس، كان ثمة شيء يجلو أدراج غرفتي، الحاوية كتبي، يشير إليَّ، أن لا تلتفت إلى الوراء، هي امرأتي تنظّف بغطاية رأسها السوداء الشفّافة رفوف كتبك.‏

ياللأصدقاء الذين يحرّضون على جذب هؤلاء الموتى، لينفضوا حياتهم السالفة أمامي كبساط تدوِّخ ألوانه بصري؛ هكذا يظن الأصدقاء، بل يوقنون أن من ينفض حيوات الآخرين على الورق، إنما يتخلص من أرواحهم الحائمة حوله مثل فَراش ملوّن، ثم ينساها تماماً، كما نسي كازانتزاكي حُبَّه الأول، بكتابة روايته "الثعبان والزنبقة"، ثم تنفّس عميقاً وهو ينظر من النافذة، شاعراً بالإرتياح، لو تنفّست الآن، لتنفّس هؤلاء معي، وهم يحاصرونني بحكاياتهم الضائعة، وسخطهم على الأحياء والمتزلّفين.‏

تناثرتْ حولي نتفٌ تشبه فراء قطّة خلصت للتو من عراك عنيف، فخفَّ صوبي صوتُ عجوز لم يلفظ تماماً طراوته، وهي تثرثر لاهثة: كهلٌ عايب، ومغفّل، ماالذي يدلقه هذا الأبله، وكأنما هو صوت رجل يتغوط، هل للموتى جميعهم مثل هذا الصوت، لو أدرك أن صوتي الآن، مثل ذلك، لصمتُّ، كما أنا في كل حياتي السالفة، أن تكتب ماتسمعه، فأنت تنقل الغائط فقط للناس البلهاء، لأنني عشت كسيحة معظم حياتي، فذات بردٍ، قبل أن تلقي الشمسُ من نافذة حجرة القهوة، أنفَهَا الأحمر، أنجزتُ كل أعمال البيت، استحممت، وجهّزت القهوة والخبز المعمول بالسمن، والنار. كل شيء أعددته قبل أن يرمي النور وجهه في الحجرة، ورميت نفسي بعيني، سائلةٌ: كيف أنجزتِ كل ذلك في لمحة. بعدها، أصبحتْ قدميَّ مثل خرقتين، أضع أحدهما على الأخرى، وكأنني أرتب قمصاني في خزانة الملابس.‏

وفي أعوام تلت كنت وحيدة، يقظة في صباح بارد، أجرجر جسدي مثل قطّة مدهوسة الأطراف، وأشعل النار، ثم أبقى بجوارها أمشّط شعري، وأرمي كل فينة لفّة شعر معقودة، حتى تعالى دخان أبيض كثيف ، ملأ حجره القهوة بناس أو جان أشكالهم ضخمة تنوش السقف، لهم أصوات وضجّة، تشبه عواء وفحيح حيوانات شاردة، وكأنها تتراكض في براري فسيحة، وشيئاً فشيئاً بدأت الأشكال المخيفة بدخانها تتسلل من النافذة، وأنا مابين الصحو والغيبوبة، حتى سمعت طقطقات، كأنها أغصان تتكسر، أو حبات مطر ضخمة تندفع عنيفة ضاربةً إناءً مقلوباً على قفاه. بعدها، حاولت أن أجرَّ ركبتي إلى صدري، فاستطعت. ثم قمت أوقظ هذا الهرم المجنون من نومته، إسأله، هاهو أمامك يهزّ بإصبعه عرف الشمعة.‏

أعالجه بأن أضغط ذبالة الشمعة المتأرجحة، فيعلو دخان أبيض، خيطه متقطّع، مترجرج في أشكال رجال يضحكون، ونساء يمررن مغمضات، كيف سأدون، هكذا علانيةً، لحظة تغمض موضي عينيها في دوخة ملائكية، حال يرفرف لسانه الطويل، المتقاطر، كمثل ملاءة حمراء ترعش كل فينة على حبل الغسيل، بفعل هبّة هواء عاجلة والبنتان المحفوفتان بالمغامرة والكشف، إحداهما الصغرى التي صفقت عين الشيطان السحرية، لكنها لم تصفق بعد البعوضة الضخمة؛ والأخرى جارتها، وهما توقفان كل هنيهة ملاءات ترجف، إذ تكشفان خلفها لبعضهما أسرار فراشتيهما، وكأنما كل واحدة تلمس بوجلٍ فراشة الأخرى، خشية أن ترفَّ فجأة بجناحيها الشفيفين، فتتضاحكان، قبل أن تلمحا البعوضة الضخمة، الزاحفة لصق جدار السطح، بعينين ذئبيتين، تكيدان لفراشتين لم تنفذا بعد من شرنقتيهما، ولم تتعودا بعد أن تطيرا.‏

هكذا بعدها، جاءت ليلة صيفية، لم أرَ فيها سمر النجوم المصطفات حول النجمة الكبيرة، ولم أسمع الحكاية في الليلة الأليمة تلك.‏

رغم أنني أخشى حضور الشخوص أمامي الآن، في شوارع المدينة، في غرفة الإنتظار لدى عيادة طبية، أو على طاولة مطعم شعبي، لكنني لن أشعر بالإختناق يقبض حنجرتي، ويشدّد قبضته أكثر، كماهي اللحظة التي تدلّي فيها رائحةُ دهن العود قدميها فوق أنفي، فتجعلني أرى الدنيا بنيّة وخادرة، ومسبلة العينين. لحظتذاك، سأتوفّز كوبر قط شوكي، وأنا أتلفّت حولي باحثاً عن الرائحة، السائرة نحوي كغبار معركة لا تنتهي. وسأجده يلقي نظرةً، ثم يجتاز الشارع إلى ضفّته الأخرى، وهو يلمُّ فروته الصوفية، يسير كعجل مستوحش، لايني يقف بغتة، متلفِّتاً، ثم منطلقاً تجاهي، تقرع حوافره المتلاحقة اسفلت الشارع. يقف أمامي، رافعاً رأسه ليحدثني، رغم أن قامتي لا تتجاوزه، مما جعلني أنظر إلى الأعلى. لن أسمع شيئاً أبداً، سوى التحام وانفراج شفتيه اليابستين، كحصان راكض بقسوة على أرض صلدة. لكن رسالته ستصلني، وهو يلوم الذين داواهم وأبرأ جراحهم، وفقأ الأعين التي أصابتهم برصاصها الطائش، وكيف دقَّ بمهفّة الخوص جماجم الجن الرخوة، حالما يقفزون من الأجساد هاربين في أنحاء الغرفة. نعم، أُقفل النور، حتى يتخبّطون في الظلمة، وأصطادهم بعصا المهفّة الخوصيّة؛ والنهنهات التي كانت تعلو، كانت نهنهاتهم، وحشرجاتهم وشهيقهم وخوارهم، وليست للنساء اللاتي أقفل عليَّ معهن باب الغرفة. لم تكن موضي مسكونة، ولا أمها ذات الغلالة، التي فككتها مضطراً كي أمسح على عنقها بدهن ورشوش؛ صحيح أنها خفّضت رأسها بين كتفيها مثل عصفور، وأغمضت، لكن ليس أكثر من ذلك. ثم ماذا تريد أنت بالذات، ولِمَ تفكّر فيَّ، وبأن وحدتي غامضة، وأنا كهل عاجز، فأهلي وذريتي هناك، في الشمال، وحيدي كان هنا معي، يزحف أنين سيارته في أفواه رمل الطريق كلّما سافر، فغرزت في جيبه مسدساً يقيه وعثاء السفر واللصوص، المارقين في الطرق الموحشة كأطياف، لكنه في مساء تأرجح فيه القمر كبالونة مشدودة بخيط مطاطي، هَمَزَه، فطاشت رصاصةٌ، وعركت فروة رأس شادي الولد الوحيد للحجازية الشريدة. هل تعرف أنها عاشت طويلاً، تنسى وحيدها، وانفراط دماغه على جدار المسجد الطيني، حتى تسمع فرقعات الألعاب النارية مع الصغار، صباح العيد، فتجوب الشوارع زاعقة، ممزقة؛ باحثة عنه، وهي تحفر بعدما تخور كللاً جدارَ المسجد الطيني بأظافرها، وكأنها تسمع أنَّتَهُ مثل مواء في بطن جدار.‏

يهفُّ وجهي هواء فروته، وقد طوّح بها، ليغادرني، ثم توقّف ولم يخفُّ بعد لهاث رائحة دهن العود، ويلتفت نحوي مهدِّداً بسبّابته، بأنك لو سمعت عن سالم، الأسمر الغضّ، الذي آويته، وخدمني في كل شيء، أن تفسر ذلك كما تودّ، أو أن يوحي إليك.‏

تقهقر ثانيةً للوراء، هامساً:‏

*ماذا تشم؟‏

-تقصد الرائحة؟‏

هزّ رأسه، وبتردد أجبت:‏

-دهن عود؟‏

نظر باستغراب، فاستدركت:‏

-ربما رائحة سدر؟‏

*بل رائحة موتى.‏

ثم غادر.‏

هل ترى، أيها الصديق، الذي يسألني ذات مساء، بعد أن تمايلتْ نخلةٌ في فضاء عينيه ودارت، عن متى نقرأ لدينا رواية، وكأنما يحرّضني. هل ترى كيف يطاردني أناس، وكائنات لا أعرفها. هل ترى إلى الجدّ، الجدّة، مسعود وموضي والصغرى، والجارة ذات الفراشة، والبعوضة الضخمة، والرجل المتبوع بحمائم، والأم بالغلالة، كيف يطاردونني، كيف يهدّد كل منهم إن أغفلتُ مايريده، هل ترى يا صديقي كيف أن الوزغ يطرقع بصلافة، والعنكبوت يهوي بأنَفَةٍ أمام عينيّ متعلّقاً بخطيه الدقيق، والنجمة الكبيرة التي تساءلني وهي تقود وصيفاتها، كيف أحضر حكاية الليلة الصيفية البعيدة، دون أن أبحث عن الغائبين، ممن يتمدّدون في فُرُش قطن مبلولة على اسمنت السطح، دون أن أنتبه للبنت الصغرى، وأهشُّ على البعوضة الضمة لحظة أوعَبَتْ خرطومَها.‏

هكذا أشعر ياصديقي، أن الكتابة قلق أجرّه مثل كيس خلفي، إن أطلقته خففتُ عالياً وغائباً، وإن سحبته كللت، ستسألني، مابداخله، أذكر أنني قلت لك، تركل بداخله قوائمُ الكلمات، وترددت أن أقول لك، شخوص وكلس عظام، وسرائر.‏

كلما أتذكر واحداً، أحاوله وأرخي قدميه في عوالمي، أباغَتُ به يجادلني. لماذا وصفتني بأنني مجرّد أسمر وغضّ، أخفّف وحدة رجل عجوز وأحمق، لافرق بين رائحة ضراطه ودهن عوده؛ دون أن تصوِّر شتات الطفولة فيَّ، كيف يمرّ بي رجالٌ بجلود رجراجة رخوة، ونساء باردات، فيخترنني من بين أطفال الدار؛ ياللأطفال الضالين، كنّا نحسد بعضنا، دائماً يحسدونني إذ أمشي من بينهم مزهوّاً بملوحةٍ داكنة على وجهي، وشعيرات ملفوفة كعلامات استفهام متلاحقة فوق رأسي. تصطحبني امرأة فارهة، تبدو ودودة، رغم انكسار يشبه سقطة مخلب جَزَّ عذوقَ قامتها. لازلت أذكر ذاك المساء الخريفي، السماء فيه تحتجب بحمرة قانطة، واكتوبر في الطرقات يسوق أمامه وريقات شجر جافّة، وهو يركلها بقدميه؛ أيضاً هي ركلتني، وهي تعيدني إلى الدار، لحظتها، لم تستطع المربيات وقد اجتمعن أن يخلعن مسامير كفّيَّ، إذ أنشبتها في خصرها، التصقت في حضنها، وزعقت حتى ركعتْ نخلةٌ لصق سور الدار: لن أعودها، لن أفعلها ثانية. كنت أظنّ أنها عاقبتني وقد تبولّتُ ظهيرة ذاك اليوم في حديقة المنزل، وأنَّبتني عندها؛ لم أدرك إلاّ بعدما كبرت، وزرتها، أنها حبلت بعد عشرين خريفاً، ربما لو عرفت آنذاك، لغرزت مساميري في تكوّرها، لأظلَّ معها.‏

جاء بي، ذات ظهيرة، مسعود، بسيارة الأجرة التي يمتلكها، وأطلقني في الحي، كما الكلاب الشاردة، عرفت البيوت كلها، نمت فيها كلها؛ وفي السكك توسّدت تعبي، بل تحت أساسات المسجد، حيث أنيني الخفيض يتصالح مع أنَّة شادي الطويلة، إذ يغمض في أحشاء الجدار الطيني. نمت في خلوة المسجد، ذات ليال، قبل أن تغمرها مياه المجاري، وقبل أن يطردني آخر ليلة، الجدُّ الطائف في هواء الخلوة كالطيف، وهو يشتمني، ويشتم مسعوداً إبنه، الذي جاء بي، كان يظنّ أنني تركت الخلوة تماماً، لكنني ليلة الغرق، كنت في باحة المسجد، ورأيت الصغير الذي يدنو من طفح المياه في الخلوة، لم أنهه، أو أحذّره، لكنني لم أدفعه بيدي إلى الماء الراكد، ولست متأكداً إن كان ثمّة يد خفيّة لم أرها جذبته، أو قهقهات موتى تلت غرغراته لحظة النزع الأخيرة.‏

أيضاً، أطلق نحوي عصيَهم الشديدة الوطأة، أولادُ غلاّب، الساكنين بيتاً حجرياً ضخماً، يحرسه عبد أسود غليظ، وسرب كلاب شرسة، حتى نفر الدم من جلدي، وخلّصتني وقتذاك بنتٌ نحيلة، بضفيرتين قصيرتين جداً، وحاسرتين، عرفت فيما بعد أنها آخر سلالة مسعود، وعلّمتني كيف نقتصّ من هؤلاء، بأن نطحن زجاجاً مخلوطاً بالنفيع المرمي لكلابهم اللاهثة، وإذ التهمته تمدّدت ببطون منتفخة، ورائحة فطيس تعجّ في المكان، كيف ضلَّ من بينهم أحدُها، وفرّ من سطح لآخر، حتى وقف بقائمتيه على سترة السطح الأخير، وتمدّد بدعةٍ وخنوع، تاركاً النباح للمارّين في السكك، محتفظاً بهسهسةٍ خافتة، وعينين خادرتين، ووبر ناعم ونظيف، تفركه أصابع رخوة وليّنة.‏

كثيرون يتثائبون عمّا إذا جرّبت أن أكتب رواية، كما لو كنت سأصنع شاياً في الصباح، أو قهوة سريعة الإعداد، دون أن يشاركونني رعب أن تشجّ هدأتي البنت الصغرى، متهمة إغفالي بطولاتها، أن دبّرتْ مكيدةً ناجزة، بأن قهرت جيشاً من الكلاب بتسميمها؛ أو أن يلوي مسعود بقرف، وهو يتهمني، بثني الكتابة وقسرها، وتجاهل عمله كسائق خاص، حتى استحالت أنَفَته بلاطةً في رصيف، يطأها كل من مرّ، فعضد نفسه بنفسه، وامتلك سيارة أجرة صغيرة، تعوي كللاً كذئبة شريدة في شوارع المدينة، حتى كبرتْ، وصارت حافلة خاصة تحضن ركاباً ثمانية، يلوب بهم في شعائر حجُّ كلّ عام؛ كيف ترمي كل كدّ الأعوام تلك، وتطلّ من ثقبٍ، على حائط غرفتي، لامحاً شهادة التقدير المبروزة، وكأنما تريد القارئ يسأل ماذا بداخل هذه الشهادة، ولِمَ نلتُها، كأنك تشير إلى أنني جلدتُ الحمائم، ناثراً ريشها الأبيض، حتى نفقت، فضلَّ الرجل المتبوع بالحمائم الطريق إلى بيته، ولم يعد يعرف له أثراً. لابد أن تعرف أنت أولاً، ثم القارئ، أن لاشي أبداً يخصّ موضي، ولا انطفاء زواجها الأول، بل المسألة تختلف تماماً، ولا يهمني أبداً أن تعرف الأمر، أنت، ولا الأغنياء الذين تبرر لهم فشلك في أن تصبح روائياً مرموقاً.‏

أرأيت، ياصاحبي، وقد شرّفتني بأنني أمتلك اللغة، والأداة، وأستحضر وحشة الطفولة، وغمغمات المرأة، أرأيت كيف يشتمني شخوص من حلمت أن يصبحون أبطالاً لروايتي. أرأيت كيف يتهمونك بالغباء، ويهبونني الفشل.‏

هل تتصور أن تصل الحالة، مثلاً، أن تطيش رصاصةً من كف الذي يفزّز بأنين سيارته البراري إلى الشمال، وتسكن في رأسي، فترديني، دون أن أجد جداراً طينياً، دافئاً كرحم، يلمّني، تاركاً أعشاباً صفراء يابسة، تلتصق على سطحه، كأنها أصابعي تفيض زاعمةً أنها ستدوِّن حكاية قتلي.‏

هل تعتقد أن تطيش رصاصته صوبي، إذا مالوّحت، لو تلويحاً، للذي جعله يفلت شهقة الرصاصة صوب دماغ شادي الناعم كحرير، الفادح بعينيه الجميلتين، كوعل جبلي. هل تراه يجلو رصاصته، أم أنه سيحضر، ليس كالجدّ الذي يقرِّب أنفاسه من عرف الشمعة، فيتأرجح؛ بل كالقط الذي يداهم حجرتي، لا ليسكب الشاي على السجاد، بل ليشرّح جسدي الضئيل.‏

كيف سأروي لك، تسلُل البنت الصغرى مع سالم إلى مخزن الأثاث القديم في بيت غلاب، من الباب الخلفي لبيته الحجري الهائل؛ وماالذي شاهداه في غمرة قلبهما الأثاث والأدوات في المخزن، أتضمن ألاَّ يعترضني في الطريق إليك، سالم، ليكمم فمي، أو ليفض ذاكرتي الهائجة، مذكِّراً أن جوهر لا يحكي أبداً، ولا تتدحرج من سالفيه المشدودين أيَّما ابتسامة، وأن أيامه لا تجاوز منشفة صوف تتعلّق على كتفه، ساعة يصعد الدرجات بآنية تنكفئ عليها فناجين قهوة، بينما ينكفئ هو على الدرجات، وكأنما يمسحها أيضاً بخطمه الطويل، المزموم أبداً. ثم ينزل ثانية، ترفّ حوله كركرات الهازئين. ربما تسألني يا صديقي، ما إذا كان سالم سيحكي، عن انكماشه مع البنت الصغرى، كقطين يتوثّبان، أن شاهدا جوهراً في الظلمة، يلتمع على ظهره الأسود بريق ضوء كابٍ آتٍ من الخارج، وهو ينحني كصخرة عتيقة، يجأر، في غمرة غمغمة ناعمة متكسّرة تشبه انسكاب خيط القهوة من فم الدلّة العالي، صوب الفنجان.‏

كل الذين لمحوه، وهو مسجّى بامتداده الباذخ، في صندوق سيارة نقل، محشورة في الشارع الترابي، أرجعوا ابتسامته الخفيفة النابتة أخيراً حول الشعيرات الشوكية البيضاء المهملة في لحيته، إلى الرضا والطمأنة اللتين غادر بهما هذه الدنيا الفانية، وأنه الآن فقط يرى عياناً بيته في الجنّة.‏

ربما هو الوحيد، الذي أظنه لن يسلّط عليَّ قطّاً ذا وبر شوكي، أو وزغاً ذا عينين ناتئتين، أو عنكبوتاً هازئاً بالعالم. ربما أيضاً لن يدني منخريه العظيمين، وشفتيه الغليظتين من عرف الشمعة الصغير، الذي سوف يستسلم برخاوة إلى أنفاسه اللافحة. لن يفعل أيَّاً من ذلك، ربما بصمته، وحياد ملامحه تجاه أي حالة تعركه، سيقترب من الورق الذي أرعى على سطحه قطيع الكلمات، ثم يبدأ بافتراسها كذئب وحشي، كلمة كلمة، حتى يسيل الحبر الأسود من شدقيه المتهدّلين، دون أن يحكي أبداً، كما عادته، لكنني سأرى سالماً ينزوي تحت جدار عينيه الشرستين، وكأنه يخفض فروة رأسه الواقفة فوقها شعيرات معقوفة كعلامات استفهام لاتذبل، ولا تتدحرج، عمّا جاء به، ومن هو، وهل له أبٌ حانٍ أو قاس، لافرق، المهم أن يعرف أين مرَّ أبوه، أي طرقات عركها، وأي جدران امتنَّتْ مستأنسة كقطط، تحت مسِّ أصابعه لحظة يمشي لامساً الجدار المحاذي. كأنما يتقطّر الآن سالمٌ من عيني جوهر، مذعناً بِبَلهٍ لغرغرة ماكينة الخياطة، وهي تمجُّ آخر خيط أبيض فرّ من البكرة الخشبية.‏

هل تعرف أن قرف كتابة رواية يأتي من شغف الشخوص في الحكي، كل منهم يرى أن لحظة الوقيعة الآتية، له وحده، رغم أن أي وقيعة لن تكون كذلك، إلاّ بوجود الآخرين.‏

هكذا أحسست أن نتف فراء أبيضا، كأنما سفَّها هواء أو أنفاس فوق الطاولة، جعلتني أذعن لصوت الجدّة المتسرّب بغتةً من سقف الغرفة، مع خيوط المطر المصحوبة بالأتربة؛ أيضاً صوتها، لاتحفّه الحشرجة، أو سعالها كل فينة، بل يأتي غائراً كأنما يصّاعد من سُحُق بعيدة. نعم، أخشى أن تشوّه الحكاية، أن يثرثر هذا العبد بشعراته الملفّفة مثل قصاصات علب فارغة، ويخلط أصل الحكاية، مع نتفها، فرغم أن أبا مسعود حاول أكثر من مرّة أن يغافلني ويقذف بالماكينة في عربة القمامة، الصفراء، إلاّ أنني أقنعته أخيراً، بأن لا أخيط ملابس الناس، لكن سأضطر إلى استخدام الماكينة لأفصِّل ثوبين كلّ عيد لحفيديَّ، هل تصدّق أنني أقتني خاماً أبيض، أحفظه في خزانة ملابسي، كفناً لساعة دفني، نعم إكرام الميت دفنه، وكلّما قرّب العيد، ووافيته، أمزق بياض الكفن إلى نصفين، ثم أصنع منهما ثوبين للعيد، يلبسهما حفيديّ، غلاهما يمكن أكثر من مسعود ولدي، لكنني أدركت فيما بعد، أنني بفعلي هذا، كنت أرسلتهما باكراً إلى الموت؛ فالأكبر لمحناه، في صباح صيفي، وقد تحوّل إلى بعوضة ضخمة، صحيح أن مسعوداً وزوجته ذات الغلالة، لم يكشفا شيئاً، لكننا رأينا الأكبر ينزل من الدرج الحجري، المؤدي إلى السطح، وهو يطوِّح ذراعيه ضائقاً، دون أن يدري إنما يحرك جناحيه الشفّافين، اللذين صارا ينموان ببطء، حتى اكتملا في الظهيرة، إذ انقلب إلى بعوضة، تقدر أن تنفذ من شقوق الناموسية، وتسكب غضارة الماء الملاصقة لفراش قطني. أما الأصغر، فقد دلقت عليه ماء عيني لشهورٍ، وأنا أتخيّله بالثوب الذي صنعته من كفني، فارّاً في الهزيع من ليل خريفي، تاركاً فراشه فارغاً لسنوات، هل يكفي ياحشاشتي، أن يبصق مسعود أبوك في وجهك، ساعة غضب، لتهيم. ألا ترى كيف يخفض رأسه هو أن تهوي تجاهه شراسة نعل زبيري، ثم يعيدها أسِفَاً، كاثَّاً قبلةً ودودة على الكفّ التي طوّحت.‏

هل تعرف، أنني صرت أرث نصف الكفن الذي يخصّ أخي الأصغر، تناولني إيّاه جدّتي وهي تنفض كفّيها ندماً: بنتي موضي انخبلت. لستُ مخبولة، ولا فيَّ مسٍّ، أو جنون، لكن كيف سيصدقونني، إن قلت أصنع من نصف الكفن خاصّتي عَلَماً أبيض أثبّته في عصا مغروز في السطح. كانوا يرونني مسلولة ومخبولة معاً. لم يفّكروا إنما كنت أرشد الحمائم البيضاء الضالة، إلى مكان المنزل، حتى يأتي بحضرتها، المتبوع برفيف الحمائم. لكنني، بعدما دفعوني بحافلة صغيرة إلى مشفى العزل، وبعد أيام سبعة بغيضة، تتتابع كسلاحف، سقط من أذني، داخل مرحاض المشفى، قرطٌ فضّي، وغار بعيداً في البالوع، حتى يئست منه، فأيقنت آنها، أن أحدهم صعد وأنزل العَلَم الأبيض، من السارية التي صنعتُها له في المنزل، حتى لم يعد ثمّة رجاء في أن تستدل به الحمائم الضالة، ولا أن يحضر ذو العينين الزائغتين.‏

أتعرف، أنني بعد شهور، وقد عدتُ إلى البيت، افتقدت غمغمة ماكينة الجدّة التي تمزّق هواء الظهيرات، ثم أنينُها الذي يبين حال تُوقِفُ عجلة الماكينة الراكضة، إذ تغني كما لو كانت داخل صندوق سيارة مغطى بشراع زيتي، يهدر محركها جالداً طريقاً معبّداً في هوّات الرمل الرائبة. وقتها لم يعد جدّي يكرر محاولاته الفاشلة بأن يرمي ماكينة الخياطة في صندوق القمامة الأصفر، لكنها- أي جدّتي- قلّبت ماكينتها على جوانبها، وهي تدفعها، قاصدةً بها باب البيت الخارجي، إذ تدمدم بأنها كلّما فصّلتْ ثوباً يطلع أكبر من قامتها، حتى يئست منها. بعدها بأيام وجدتها أختي الصغرى تتمدد في غرفتها، بلا حراك، تغطي وجهها المعروك بالأعياد، بغطاء الماكينة القماشي، المزيّنة أطرافه بأهداف الدانتيل، الأسود، الذي صنعته في مساء شاحب كوجهي المسلول. هكذا لم يُفِد جدّتي رائحة الماكينة العابقة في غطائها القماشي، إنما سلّمت، وأخذت معها قماش كفنها الأبيض، لاثوب بعدها يجلل البعوضة ذات الخطم الطويل، ولا عَلَم أبيض في هامة السطح.‏

ليس سوى عصا غليظة عارية، وشاهقة نحو السماء، وكأنما تشير أبداً إلى المكان الذي قصده المفقودون.‏

هل تعرف أيضاً- وتنهال ضحكات موضي متتالية، شبيهةً بصرير فوط تشطف غبار نوافذ مشفى العزل- أن المدعوين إلى زفاف مسعود، أبي، أدخلوه من بابٍ على أمي ذات الغلالة، ونفروا من الباب الآخر خفافاً، تجاه المسجد، ليصطفّوا، ويكبّروا لصلاة الخسوف، ليس جدّي وحده الذي قاطع زواج إبنه مسعود، بل أيضاً القمر. يقول أبي أنهم فتّشوا عن القمر ليلتها، لكنه لم يظهر أبداً. لذلك، بعد أن سمعت تلك الحادثة الغائرة في السنين، ظللتُ في طفولتي أرسل أختي الصغرى إلى طرف الشارع الترابي، لأظلَّ في الطرف الآخر، فأسأل عالياً: هل عندك قمر؟ فتؤكد لي ذلك، ثم أعود مع أختي إلى المنزل، وأطمأنها بأن لدينا قمرين، لوهرب أحدهما، سنعثر على الآخر.‏

ستصرخ يا صديقي عندها البنت الصغرى بأنها ليست بحاجة قمر، يكفي أن تدسَّ أنفَها بين النجوم المصطفات، وتنصت خاشعةً إلى مغامرات النجمة الكبيرة.‏

حين انهار فجأةً، ذات مساء صيفي، طرف مبنى البلدية، قالوا أن نجماً هوى. ضحكتُ وأنا أداري أسناني المسوّسة بكفّيَّ حتى لا يرونني، ولا يسألون. لأنني لن أقول لهم أن النجمة الكبيرة أرسلت نجمةً تصغي إليها دائماً، إلى حكاياتها، كي تبحث عني، لحظة حجبتني عنها بعوضة ضخمة، ذات أسنان شرسة، ويدين تمزّقان الناموسة المنخولة، من ركنها، فيبقى المسمار مغروزاً، وحيداً وشاهداً في عراء السطح.‏

هل ترى يا صديقي كم صعب أن تبقى في حضرة مجانين، أحدهم يشدّ كمَّكَ من ناحية، والآخر يشدّك من ناحية أخرى، وكلاهما يحكيان معاً، بل أنك تسمع أحياناً إلى مجموعة أصوات لاغطة، تخر أذنك، فلاشيء يبقى بعدها، سوى رنين لاينفك يمخر سراديب أذنيك. هذا الرنين ليس سوى حكايات تتناسل، إحداهما من الأخرى، أحياناً حكايةٌ تلفظ الأخرى دونما رابط، يمكن أن يحكَّ دبيبُهُ راحتَك، مثل نملٍ يصّاعد على عنقك، حتى يقتحم أحراش شعرك.‏

أحياناً، أحس أنها الذاكرة، ذاكرتي ككرة ثلج مردومة بحجر، وأنت أيها الصديق الشقي مررتَ قربها، ولا أعرف، بقصدٍ أو دونه، مسستَ بقدمك حافةَ الحجر، فتدحرجتْ كرةُ الثلج، بطيئةً في البدء، مالبثت أن انهالت سريعةً، متعاظمةً وهي تزدحم بالثلج الناس، بالثلج الحكايات، بالثلج الوقائع، بالثلج الأسرار، والكنوز، والأحلام، والهزائم. وإذ تتضخّم الكرة فائقةً قرص الشمس، ترتطم بجدار مائل، فيفرُّ نثاراً مالمّته الذاكرةُ لحظة الانثيال الحميم، حتى تظهر صافيةً، ونقية، وهي تُغمض حياداً وتجرّداً.‏

هكذا، ترى أن ما يعوق كتابتي لرواية هو حضور هؤلاء الشخوص بشكل طاغ، يجعلهم يشدّون ثوبي كلّ فينة، كما صغار يتشبثون بعباءة أمهم السائرة في الطرقات، ماذا ستفعل آنها، إما أن تخلع عباءتها وتدعها معهم، يمزّقونها حسبما يشاؤون، كما أفعل بأن أدع ذاكرتي يلهون بها، أو أن تخبئهم في عباءتها وتقطع بهم العمر، إذ تحجبهم عن الأعين الشرسة، والهمهمات المحلّقة، كما أفعل لسنين، وأنت تذكر جيداً، كيف ترى شخوصي الفادحين، برهة أخرجهم واحداً واحداً، من جيوب ثوبي، أطلقهم يهنأون فوق إغماضة الطاولة، وكلّما شعرتُ أن الطاولة تنتبه لهم، أعدتهم ثانيةً إلى مغارات ثوبي الداكن.‏

مايرعبني الآن، وأنا أرخي لك كأغصانٍ، أسباب فشلي في أن أطرق الرواية، أن تكتب لي، كعاداتك المجنونة، ذاكراً أنني هنا، لم أكتب رسالةً، ولم أشرح خلاصي، بل أتقنت تورّطي، بأن أنجزت هنا روايتي.‏

يا إلهي، هل يمكن أن يكون خريف الذاكرة رواية ما. هل ورق الذاكرة اليبس الساقط كحكايات قديمة وشائخة، يمكن أن يسحَّ فوق الطرقات كأناسٍ ألمحهم يعبرون في رأسي كما لو كانوا خلف زجاج مضبّب.‏

الأمر لك، إذاً.‏

هل ترى ياصديقي؟‏

كنت قبلاً مثلك تماماً، لاأؤمن باللامرئي، أوقن كثيراً بما هو محسوس، بما تجسّه يداي، بما تتلوّى رائحته كأفعى الماء داخل أنفي، بكل مايصطخب في حدود بصري. لا أدع للبصيرة أن تتفلّت من مكمنها، للمارد أن ينمو من قمقمه، فلا أصدّق أن رجلاً يحمل جبلاً، لا أصدّق أن امرأة ترى في مرآة الأشخاصَ المارين خلسة في مخيلتها، لا أصدّق أيضاً أن شخصاً، ليكن اسمه علاء الدين أو ولي الدين، أو أيّاً يكن، يجد مصباحاً مغبراً، فينتضي من جيب سرواله قماشاً تالفاً، يمسح به غبرة المصباح، حتى يتصاعد دخان أبيض كالثلج، يتشكّل منه المارد القادر على كل شيء، ليبدأ يحقق أمانيه.‏

لم يظهر لي مارد يحقق لي أحلامي الذابلة كوجوه نساء في سوق في ظهيرة قائظة، بل ظهر لي شخص آخر، أرعبني لوهلة، لكنني اطمأننت إليه.‏

أنت تعرف يا صديقي أنني أكتب دوماً بقلم رصاص، بل لا أخفيك أنني لاأعرف الكتابة بقلم سواه، منذ الصغر، وقد وجدت تفسيراً لذلك، فيما بعد، وهو أنني لم أحسم رؤيتي في كثير من الأشياء والعوالم والوقائع والحقائق.. الخ. أكتب اليوم ماأراه حقيقياً، في الغد لا أراه كذلك، فأشهر الممحاة، وأخفيه من الوجود، أن تمحو الشيء معناه أنه لم يكن، لكن أن تشطبه، فهو كائن لكنه مشوّه.‏

في اليوم التالي من كتابتي للرسالة السابقة، التي أطلعك فيها على أسباب فشلي في أن أكتب رواية ما، فتحت نافذة مكتبي، حتى تتسرب منها خارجاً رائحة الموتى وتغوّطهم المستمر الذي انتشر في أرفف الكتب المغبّرة. وجعلت أراجع أصل ماكتبته لك بالأمس، إذ أرسلت لك نسخة مصوّرة منها. فشعرت أنني لم أحدّد لك بدّقة بعض ملامح الشخوص الذين أوردتهم في الرسالة، مثلاً، البنت الصغرى من هي، وماذا صارت إليه، وكيف هي الآن، قلت لنفسي سأحدّد اسمها بدلاً من الصفات الميتة، صحيح أنها أصغر أفراد العائلة الطائشة، لكنها بالضرورة بإسم، بل أن لها اسم جميل، ومعبّر. قرّرت لحظتها أن أمرّر الممحاة على كلمة "البنت الصغرى" في الرسالة الأصل كلّها، واستبدلها بإسمها الجميل، وما أن بدأت أجلو كلمتي: البنت الصغرى، كما يجلو علاء الدين مصباحه، حتى لمحت كائناً صغيراً جدّاً يتشكّل، في البدء ظننته نثار الممحاة المتّسخ، لكنني لمسته بطرف إبهامي، كأنما كان يتحرّك بحجم نملة صغيرة وكسولة، لا أعرف كيف نما في لمحة، ووقفت أمامي كأنما خلف غلالة شفيفة سوداء إمرأةٌ صغيرة، ليست سمراء، لكنّها محروقة، كما لو أحرقتها شموس الظهيرات، وبعينين واسعتين لامعتين، تشبهان نافذتين مشعلتين في الظلمة، شعرها كان طويلاً وبنيّاً، برق لحظة غمزته الشمس الساقطة من النافذة، نفضت شعرها عالياً فشعرت بغمامة مرّت فوق بصري، ثم خطت برفق كأنما تنأى لأن لا توقظ الموتى النائمين، متجهة نحو النافذة، لتغلقها، وتعود إلى الطاولة، تزيج بيديها أوراقي، لتجلس مدلّية رجليها، محاولة أن تضفي قميصها المنضّد بدوائر خضر وحمر، ذات أحجام متباينة، حتى يغطّي ساقيها الضئيلتين:‏

"أنا مزنة"‏

 

يتبـــع

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244