|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
السمكة رأسها ساخن ومدبّب بهمس المشّائين لصق بابها، ترتبك نوافذ المنزل الخشبية الفائضة إلى الشارع، حتى ليحنوا رؤوسهم بغتةً، كأنما يتّقوا كِسَفاً يهوي من سماءات عالية، وإذا ما ضبطت أعينهم الذاعرة مفاصل النافذة، إذ تنعق قاذفةً ضلفة النافذة إلى فضاء الشارع، أشاعوا أنها لم تزل تسكن البيت، حتى إذا ما اكتمل رفيف البث في الحارة، سمعوه ذاته ثانيةً، مضافاً إليه، أنها أطلّت بوجهها خطفةً على طرفي الشارع. رُبّ هواء الأماسي الخريفية يرتب أجزاء جسده الهائل، ثم يسقط خفيفاً من علوٍ صوب كوّة تكشف باحة البيت، نافضاً الملاءة المطروحة أرضاً، هاشّاً بيديه ريش العصافير الميتة في الباحة، منسرباً كوعلٍ من أعاليه، عابراً المدخل، متسلّقاً نعومة جبس الجدران للمجلس، حتى ليفيض برأسه من النوافذ إذ تشرع أياديها لتضمّه، فيفضُّ أثواب المشائين، الخاطفين قبالة البيت، ويدغدغ أسفل عنق معروق، كي يدمدم أحدهم: "يمكن هواء". وحدهم، بقلّة سنينهم، ولمعة أعينهم السود الصغيرة، ساقوا أحلامهم أمامهم، بأنهم رأوها تدلق النوافذ، وتهرق رأسها الرخوة عبرها كالماء. وأن العصافير ذاتها الواقفة دوماً فوق عوارض النوافذ الخشبية، تنكفئ على ظهورها بغتةً، حالما تفرك خشونتها أحجارُ نبالهم المطّاطة في ريش صدورها اللّينة، لتهوي، مرتطمة أجسامها مخضبةً بأرضية المجلس، وكثيراً ما أطلّت أعينهم المتلصصة عبر النوافذ، بحثاً عن العصافير، وليس ثمّة شيء، غير غبار يمسح المساند المكسوّة بصوف عليه نقشٌ لحمامة تفرد تاجها، وتحدّق صوبهم، وسجادة جافةٌ أغصانها إذ تشتبك، تواري بغبارها الهادر قطرات دم طرّية. فقط الذي يبقى بعيداً، يحاول محتدّاً إسماعهم وصوصاتٍ تنأى شيئاً فشيئاً، كأنما طائر هارب ينفذ بريشه، قافزاً على ساق واحدة: "هه، اسمع". لكنهم يجزمون أبداً أنها هي، دون سواها، تسرق العصافير. الحالمات وحدهن يعرفن وجهها الساخن، وشآبيب عينيها الوالعتين، وهمسها الدؤوب لهن: "البحر". والسوالف إذ تنظمها كعقد عن خرافة الملوحة التي لا تغادر الفم لسنوات. وحدهن يغمزن لبعضٍ عن خلاء البيت ذي النوافذ المدلوقة، عنها، إذ شاهدتْ الزرقة الغامضة لأول مرة، والموجة العالية إذ لا تغطي التماعة السمكة الذهبية القافزة كنصل. كيف انفرطت عجلةٌ، وداست بقدميها البضتين الرمل الرطب حتى مدّ ليونته وغمرها. تطاولت بأن اقتحمت الملوحة، وعيناها اللاهبتان تحددان المكان الذي تهوي في قراره السمكة الذهبية، ثم تخوض في الماء المالح الذي يعلو شيئاً فشيئاً، والسمكة اللامعة التي تمعن في الغواية، لاتني أن تقفز قربها، لتلهث ثانيةً ورائها. حكوا أنها أمسكت بها بين يديها، وقالت: أنها أحسّت بسخونة رأسها المدّبب الناعم، وعينه اللامعة الدامعة بسخاء، لكنها إذ ذاك اكتشفت أن البلل تسلّل غامراً ملابسها، وأن شيئاً ما، بدأ يجذبها ببطء نحو القاع، لم تشعر به، بل كأنما خدرٌ يفضُّ جسدها، حتى صارت كائناً يلوب عميقاً تصحبه أسماكٌ ملوّنة، برؤوس مدبّبة، وناعمة. فبراير 94م |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |