|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
باذلة أرواحها عيدانُ العنبر، تلك كمن يثبت قدمه المرتبكة فوق جرف صخري عالٍ، يحطّ في عمق العتمة، قابضاً جبساً متفسخاً تناثر أول ما اعتمد عليه، ما جعله يفزّ فزعاً، وكأنما سمع بعد انثيال كسر الجبس اصطفاقاً، كما لكفين أو لخبطة طائر بجناحين ضخمين ، فالتفت خلفاً ليطمئن إلى أن الآخر، فعلاً، يتتبعه. وحدها الرائحة المسكونة بالعماء مدّتْ سخيةً ذراعيها الطويلين، متحسسةً سيقانهم المكشوفة، حيث يشدّان بأسنانهما ذيلي ثوبيهما، فتقودهما الرائحةُ، رغماً عنهما، أماما. لكنهما، في دوخة العتمة القابضة، يسرقهما الضوء الوحيد النافذ رغم الستارة المدلوقة للأسفل، حاجبةٌ المدخل عن باحة البيت، وإذ شدّتها جانباً يدُهُ الراعشة ، دونما أسنان رهيفة انقضّ، داعكاً أعينهما ليغمضا هلعاً، ذاك الغبار المنحني بذراته الكثيفة مثل عجوز. وإذا يفتحان أعينهما بطيئين، بوغتا دهشين، أنها لم تسقط أرضاً، تلكم الوردة الضخمة المنسوجة، القائمة على غصن تقطّع بفعل ثنيات الستارة المدفوعة بيده من قليل نحو الجدار العارض. كسيفٍ فضي مغروز في صدر الباحة، تلتمع الكائنات الصغيرة اللائبة في هالة الضوء الساقط من علو، حيث الكوّة، وتتطاير هائجةً تلكم الكائنات إذ هشّها بيده، فتقاطرت من ملامحه بسمةٌ خفيفة دون أن يرفع حاجبيه المنكّسين، حتى بدا لتابعه إنما يدفع الألم الذي خلّفه حدّ السيف المسنون، الثاقب عنوةً سقف البيت. يلتفت، خطفة، مخطوفاً وقابضاً ياقة تابعه الذي لمّ ارتباكه، لاعناً كسرة المرآة المعلقة على الجدار، إذ تراءت له، مارقةٌ خلفه بغمر شعرها الهائش. نعلان زرقاوان يتشقلب في سقفهما صرصارٌ أغبر يفرد جناحيه إذ يسقط، ليعود ثانية صاعداً فوق النعلين. أحد فنجاني القهوة المتروكين هملاً، لم تنفك، بعد، من داخل جدرانه الخزفية، حبيباتُ ماء سائلة. قميصٌ مفرود أرضاً يضمّه بيدين قاسيتين غبار رازح الوطأة . خارج الغرفة، في الباحة، تتلصص أعينهما عميقاً ، دون أن يخطر له هاجس الاقتراب، حال يلحظ مرتبكاً حبائل العنكبوت في فتحة الباب، وعبرها يلمح في جدران الغرفة، إذ تنغرس، عيدان عنبر بذلت رائحتها وغيم دخانها الأبيض المتصاعد ذات ليالٍ باردة ، جاثية. يطقطق تحت قدمه الثقيلة إذ يستدير قفصٌ لصدر طائرٍ أو فأرٍ يبس، جلدته الشموس والغبار والهواء الهائل، فسرت ناعمة في جسده رعدةٌ خفيفة، تضاعفت وهزته هزّاً ، حال انتشر حول وردة أذنه لهاث، كما لو أن أحداً انهمر ركضاً عبر درج السطح، ماشدّه فجأة إلى الالتفات صوب أول عتبة في السلم، وإذ همّ بقبض ذراع تابعه، كان التابع قد سبقه، بأن غمر ظهر كفّه، برجفة يده الضالة. لا ورد، بغتةً، ينتشر في الفاصل بين الباحة والمدخل، فالستارة المخشوشنة، ملمومٌ ذيلها المنسدل، ومنشبٌ طرفه بعناية في الفسحة فوق الحبل المطاط المشدود على الجانبين، فارتبكا وقد مرّا تحته، متوجسَيْن. ليس كواحد، ولا حتى اثنين، غيرهما كانا يلهثان في عتمة المدخل، بل أن اصطفاقاً خطَفَ فجأةً، وليس ثمة جبس متفسخ يسقط في أرضية إسمنتية ملساء، وإذ يشدّهما، من أيديهما، من المدخل النازل آخرون ، يؤكدون لهما أن طيراً أبيض قد خفق توّاً، مارقاً بمنقار أحمر فاتن ، موجّهُ عالياً نحو سماءات بعيدة. انكفأن جلوساً مغمورات بسواد عباءاتهن، لحظة مرّوا شاهرين، عبر الشارع الصغير، قبضاتهم، وما فتحن أعينهن حتى خفّ حفيف أثوابهم المتسارعة ، وإذ جررن خلفهم أذيال العباءات تعالى، بطيئاً، أنينٌ لباب اصطفق بقوة خلفهم، واستدرن بحذر عيونهن صوب البيت ذاته، ثم تتابعت أعينهن الساهيات صوب خيط طيور بيض فرّ بعيداً تابعنه حتى التهمته عين الشمس الوضّاءة . مايو 94م |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |