|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الجائل بطيئاً مثل كوكب النجمة تشير العينان اللاهثتان ذاتهما، وهما في زحام أجسادنا الصغيرة على حافة الرصيف، تجلدان طرف الشارع الصامت في الضحى الخريفي هذا. بإتساعهما هاتان العينان كانتا قبل قليل تلهبان تراب الساحة بحثاً عن قوارير البيبسي كولا الفارغة، حتى إذا ما ملأ صندوقه انفرط كغرنوق يرفّ بياض ثوبه تجاه غرفة المقصف، ليعود بعدها وهو ينزع ورقة الحلوى، كي يغرسها بين شفتيه بامتنان. يطلق عينيه المتأججتين نحو فراغ الشارع، ومع ضجّة اصطفافنا على حافة الرصيف، يتطاول برأسه راصداً هسيس الكينا الضخمة، التي تدفع بجذعها العريض جداً سور الهيئة الحكومية، ليتصدع، كأنما يوشك يهوي، وتشيّع عيناه اليقظتان موكب الوريقات اليابسة مدفوعة بهبّة هواء خريفي مباغتة. كلما تعانقت أعيننا، فجأةً، أحس بعراك عنيف، أتوارى بوجهي بعده بعيداً، حتى اللحظة التي كنت فيها أتطلع نحو رأس الشارع، كغيري، منتظرين الموكب، لأشعر بصخب أنفاس لاهثة، وألمح، حيث التفتُ، عينين ضاجتين، ويدين فوضويتين، إحداهما تحط على كتف من يقف أماماً، وأخرى تدفع رأساً، قليلاً، جانباً، وهو يوزّع نظراته الهائجة نحو أول الشارع الخالي. ينظر فيّ متفحصاً بشدة، ثم ينقّل نظراته نحو الحقائب المدرسية المسندة بحذاء سور الهيئة الحكومية، ويعلو بصره، خطفةٌ، صوب انحناء أعلى الكينا العظيمة، ليستقر ببصره نحوي، ثانيةً، فأرتبكُ كثيراً وهو يقترب من جانب وجهي: "إذا جاء، وصفقوا، نهرب". قال همساً، فلم يتبدل وجهي، فقط هززت رأسي موافقاً ، وأنا ألوي عنقي يساراً حيث رأس الشارع العالي، الخالي إلاّ من وريقات الكينا تزحف يابسة، مع فجاءات الهواء الذي ترعش على أثره كرايات أثوابنا البيض. بينما تضل منه، ثانيةً، عيناه اللاهبتان نحو السور- السور الذي يذعن تحت وطأة الجذوع الضخمة لأشجار الكينا، حتى يكزّ رأسه الإسمنتي إذ يخمشه اللحاء المتفلّق كل فينة ، كأصطكاك أسناننا في صباحات شباط- لمحته لحظة أن عطف وجهه تجاهي، ووشوشني: "محمد؟ صَحْ؟". هززت رأسي بالإيجاب، ففرد أمامي، في زحمة الأجساد المتراصّة على حافة الشارع، كفّه الصغيرة المعروقة، تضئ بداخلها ثلاث كرات من النفتالين. ابتسمت، فأرخى ضحكة مكتومة عالجها سريعاً بكفّه الأخرى. العينان اللامعتان، بالسواد ذاته، الذي تبرق فيه أضواء المصابيح المدلاّة بسلك كهربائي بامتداد ساحة القصر، البارحة، لحظة يرفع رأسه عالياً، ثم لا يني أن ينفلت من دهشة الضوء، ركضاً، صوب منصة الفرقة، ليهز جذعه الصغير، مصحوباً بإيقاع سريع، ملوّحاً بيده الناعمة تجاه النساء الملمومات حول المنصة العالية، حتى يصفقن، ويزغردن، إذ يطلقن ضحكات عالية، فينزل مشيّعاً ببسمة عاجلة للمغنية السمراء، لائباً بعينيه التائهتين، حتى تضبطانني أتتبع ارتباكهما. قبالتي يجلس على السماط الممدود، ونثار الرز المنقوع بالصلصة يفرّ على جانبي فمه، وعيناه المتحفزتان ترصدان يده الملتمعة بالزيت، ووجهي. أحاول القبض على انشغال عينيه، لأهمز جيبيّ الجانبيين بحبات موز خضراء، لكنه باغتني بأن سارع بملء جيبيه دون أن تند عنه التفاتة للتي تجالسه، وقد لثمت نصف وجهها بمنديل ملوّن، ممعنة في تتبع تحركاته، بحاجبين مزمومين للأسفل. ولحظة علا طلقٌ ناري من جهة الرجال الهازجين بأصواتهم العالية، انفرطتُ ركضاً، خارجاً من البوابة الخارجية، لأدفع في خطفةٍ باب المنزل، فتطوقني رائحة كرات النفتالين الصغيرة: "أكيد، لابس". غمغمتُ، وقد سمعت وثباته المنتظمة مصحوبة بالصرخات، قبل أن ألمحه من فرجة الباب الموارب متسربلاً بقميصه الكاكي، شادّاً حزامه، مثبتاً طاقيته الزيتية، المحفوفة أماماً بشماسة ذات نصف دائرة، مادّاً يده تجاه وجهه المرتبك في مرآة خزانة الملابس، لحظة يفرد سبابته كمن يهصر مقبض مسدسه، عابساً بحاجبين مشدودين للأسفل كان أبي، وهو يقف باعتداد، ثم يعود ليخبط بقدمه أرض الغرفة التي فاحت منها رائحة النفتالين، من باب الخزانة المفتوحة توّاً، وقد تناثرت بعض كراته من الملابس المخزّنة، المحفوظة من العثة. تسلكُ خفيّة إذ ينهمك بأوامره بوجهها إلى أشباح رفاقه، ملتقطاً أربع كرات بيضاء لامعة، فارّاً بها من المنزل . وحالما لمحته، بعينيه النافذتين، قبل أن أدلف باب القصر المضاء بعقود المصابيح المصفوفة، تركتُ كرات النفتالين فوق الجزء الناتئ قليلاً من السور، حتى إذا ما توسطتُ الساحة الضاجة بأغنية راقصة تطايرتْ شظايا مصباح تدلّى من السلك الكهربيّ، محدثاً انفجاراً صغيراً جعل أعين النساء والصغار تحدّق عالياً، حيث بقايا غيمة دخان صغيرة، وكرة نفتالين بيضاء تترجرج بين قوائم الكراسي المحفوفة حول المنصة والمغنية. وقد غرز قبضته مكتضة بالنفتالين داخل جيبه، راح يلحظهم بأثوابهم الهفهافة ، وطراوة أعينهم الوادعة رامقةٌ أول الشارع العالي، ويلحظ أيضاً الشنط المرميّة عند أسفل سور الهيئة الحكومية، حيث يطقطق السور لحظة ترخي الكينا جذوعها الضخمة على رأسه: "آخذ شنطك معي وأنت تركض من بعدي". مزدرداً لعابي قبل أن أهزّ رأسي بالإيجاب، وقد التمعت في عينيه نظراتٌ حادّة كشفرة سكين: "أيتها؟" إلتفتُ فوراً إلى الوراء، متفحصاً أسفل السور : "البنّية". تعالت عيناه الشقيتان، وهما تتقدان نحو أول الشارع، حيث تلتمع سيارات تهتز بهدوء، حمراء مكشوفة، وأخرى سوداء، ودراجات بخارية تحفّها، قاذفة بومض أحمر لوّن الجدران وأثوابهم، لتلتهب أكفهم الصغيرة، وتنهمر كموسيقى ابتهاجات أصواتهم الناحلة، فيلكزني في كتفي بأصابعه القاسية، وقد رأيته ينسرب كالوعول تجاه الشنط المركونة أسفل السور، وما أن يلتقطها عالياً، حتى تزداد طقطقة السور الذي تتكئ على أعلاه جذوع الكينا، ويتداعى بهالته وئيداً نحو بياض جسده الضئيل، فتتراءى لي عيناه اللامعتان مفتوحتان عن آخرهما ترصدان الشارع والدنيا قبل أن تغيبا عني في زحام الأجساد الصغيرة المتكاثفة كقطرات. عينه وهي تهوي خطفاً تحت وطأة السور تشبه نيزكاً، جعلني أظلُّ لليال تلي، آن أستلقي فوق فراشي المبلل في سطح البيت، أتحاشى نجمةُ عالية جداً، وعاتبة، تحدّق دون أن تشيح، دون أن تهوي أيضاً. أكتوبر 93م |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |