|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
شتات الموتى بعد أن دفعتُ جسدي إلى الخلف، داخل مقصورة السيارة، كنتُ قد أبقيت قدميّ خارجاً، لأزيل، بلوح الألمنيوم المسبوك لصق جانب السيّارة، بقايا الطين العالقة بباطن قدميّ الثقيلتين، وما أن خلصت حتى صفقت بالباب خلفي، لأكتشف ذاهلاً أننا الآن دونما أبي. لقد كنا قبلاً ثمانية، محشورين بكثافة داخل مقصورة السيارة الكبيرة، إذ نتقابل، ملصقين بذلك ظهورنا لزجاجات السيّارة الباردة ، المطلة على شوارع هادئة ، في ظهيرة مكتظة بغيمات رمادية، تتحرك بطيئة في سماء الرياض، والرياض ما برحت تتقاطر من جدائلها حبّات مطر قد توقف للتو، لكن الشوارع لم تزل تلتمع به، فتضئ الجدران المحاذية لبلاطات الأرصفة اللامعة. وبرغم أننا ثمانية، وأبي مسجّى بيننا، بجسده المطمور ببطانية صوف بنيّة في وسطها وردتان ضخمتان صفراوان ، وبرغم التفافنا حوله، ورغم أننا نعطي للشوارع ظهورنا، إلاّ أن أعيننا المرتبكة لا تتماس أبداً، إذ تتوزع نظراتنا التائهة في الشوارع المغمورة بمياه المطر، حيث تستضئ بالتفاتاتنا المتسارع، المتنقلة بين الأشياء، من أبواب الدكاكين مقفلةً ، إلى مظلاّتها الشراعية، نصف مفتوحة، ومبتلّة، ما تزال قطرات تنزلق من أطرافها، إلى شجيرات الأرصفة، خضراء، داخل أقففاصها، تنفلت وريقاتها الصغيرة بالتماعها الفضّي، وما أن أشعر بحركة خفيفة للذي يجلس بجواري، حتى تصطاده عيناي الغائرتان متلبّساً، لحظة أن تحط يده الضخمة، بشعرها الكثيف، فوق ركبة أبي المغمورة داخل البطانية، ثم يهمزها بشدة، كأنه يوّد إيقاظه، لكنه ما يلبث أن يبدأ يضمّد ركبته، وينحدر إلى ساقه الممتدة تحت غطاء البطانية، وألمحه يهمّ بأن يغمض عينيه بشدة، كي يحبس دمعة مباغتة، فأسمع تنهيدة خفيضة تنفلت من حنايا صدره، وأشتغلُ دهشةً، إذ لم يتناهى إليّ أبداً أي آهة، أو حفيف لهاث لأبي، هذا الذي يتمدد بيننا، خالياً من حزن، ها أنت أيها الأب الحاني، الآن، مجرد من أي شيء يتوجك، من بذلتك الكاكي، بجيوبها الفائضة منها رائحة النفتالين، الحافظ من العثّة، ومن حذائك الثقيل ذي العنق، الذي لمَ لسنينٍ قدميك- بعدما تقاعدتَ- حتى تلصصت أصابعهما خارجاً، كأنما تتشمم التراب وتوشوشه. أي صباح فرّ بعيداً تشدّه دوماً كلما التففنا حولك، حال حشروا قدمك المفلطحة عنوةً في بطن الحذاء، وإذ فرزت تتباهى به خابطاً الأرض انكفأتَ، فضجّت جدران الغرفة المحاذية للميدان بكركرات جعلت الحبل المشدود إلى السارية يصطفق مخلّفاً رنيناً عالياً يشبه الضحكات. ها أنت مسلوب من أي شيء، من النائحات، ممن يزغردن لانطفائك، لا أحد يزيّن مضيّك بانفعال ما، غير العجوزين الذين يشاركانك، بعد أن تقاعدت، التعليقات الصغيرة، والغمزات، واللعنات التي تسيّجون بها الماريّن أمامكم، في محطة الفحم والحطب، إذ تستظلون بعشّتكم المحفوفة بشراع أبيض حول قوائم خشبية، والمسقوفة بألواح الصفيح. إنهما بشعيراتهم البيضاء، وتجاعيد جبينيهما السمراوين، بثوبيهما الصوفيين مرفوعين، ومربوطين عند خاصرتيهما، بعنقيهما الفائضين من عمق الحفرة، كاشفين عن رأسيهما المشدودين بفترتين حمراوين، وهما ينزلانك ببطء، ملفوفاً بقماش أبيض، خفيفاً كنتَ إذ يدخلان جسدك في عمق الشق الجانبي في الحفرة، ثم يصوّت أحدهما بالذين تجمهروا معنا حول الحافة: "اللبن". يناولونه قوالب اللّبن المبتلّة برشاش المطر، يضعانها بترتيب دقيق، كي يسدّا فتحة اللحد. والذي سرق من سهونا وقتا يهمز به ركبتك وساقك الممدودة في السيارة، وبعد أن أعاد إلى مقصورة السيارة بطانيتك الصوفية البنيّة، ملفوفة حول النعش الخشبي، ألمحه خلفنا يصنع، بيدين ضخمتين، كراتاً طينية صغيرة، ثم يتناول العجوز ذو العين البيضاء، في عمق القبر، كرة طينية صغيرة، يرشق بها الفتحات الضيّقة التي خلّفها اصطفاف قوالب اللْبن: "الطين اليابس حطّه تحت"، منهمكاً كان في غلق الثقوب: "الطين الليّن، آخر شيء، يا جماعة"، بيديه الجافتين يمسّد الطين الطري في كل الجنبات الفارغة، المفتوحة. لاحظتُ أن أعيناً كثيرة تصبّ نظراتها في عمق القبر، أشخاص كثيرون لا أعرف أياً منهم، أحدهم بجواري، بنظارتين رفيعتين تخفيان خلفهما عينين صافيتين: "كأن الحفرة غير عميقة؟" أجبته: "فعلاً". أرخى ابتسامة عذبة، زادتْ من بهاء تلك الظهيرة الغائمة: "لا بد أنهم أعطوا مشروع الحفر لمقاول- أضاف- أقصد شركة". لم أبتسم، بل هززت رأسي موافقاً، حتى تشجّع قائلاً: "والمقاول إذا لم يعمّق الحفر، أسهل وأوفر له". أجبته ثانيةً: "طبعاً". همس بصوت خفيض: "الله يستر، يمكن مع الأمطار والسيول تطلع الجثث". بغتةً، صار يومض كنيازك انفلتت توّاً، ذاك النهار البعيد، الذي لمحت فيه أبي متوحشاً، وهو يفزّ واقفاً بين رفاقه، تاركاً عشتهم ترقد بوداعة في عمق محطة الفحم، إذ يمشي خبباً كحصان مستثار، ويقف على رؤوس العمال، بمعداتهم التي يقرقر حديدها الصلب وهو يشجّ جوف الأرض، فتأز الأحجار الكبيرة وتسخن قبل أن تتفتت. أشار إليهم بيديه أن يتوقفوا، وما أن هدأت المحركات حتى انحنى بجذعه الطويل، ملتقطاً من أكوام التراب المنثور على جانبي الحفر الطويل للمجاري، بعض عظام بيضاء ومصفرّة. تفحّصها. نبش التراب بأصابعه، وظل يلتقط عظاماً أخرى، أكبر حجماً، وبعد أن رفع مشطاً كاملاً لقدم أو يد، ورفعه إلى وجهه، أشار إليّ أن: "أحضر كرتونا". وصرتُ، بعد أن وضعت كرتون موز فارغ، أجمع معه العظام، حتى أنه أنزلني ببطء في عمق الحفر، وجعلني أناوله شتات العظام المتبقية، في لحظة ذهول وتأفف انتشر في ملامح وجه المشرف على تسليك المجاري، تجلّت في همهماته بلغة لا نفهمها. لكن، تحديق أبي في عينيه الملوّنتين جعله يواري وجهه بعيداً، حتى نفض أبي يديه من التراب، ومضى حاملاً كرتون عظام تطقطق مع اهتزاز خطاه الواسعة، وغطّاه ببساط مقلّم يلمّ فراشه، المطوي بعناية، والمربوط بحبل بلاستيكي، حيث يرتكن في الصندوق الخلفي لسيارة نقل ظفر بها بعد عناء طويل من تقاعده المبكر من الخدمة العسكرية، وبعد أن بات وحيداً كعادته، لليالٍ ، في وحشة البراري، لم نعد نلمح أثراً لكرتون الموز في صندوق السيارة الخلفي، الذي نتحلّق في باحته، أثناء غيابه، لنغزل الحكايات الصغيرة، ونطيّرها قبل أن تكتمل صوب شجرة الكينا الضخمة جداً في أول محطة الفحم. ارتبكتُ إذ صوّت أحد العجوزين، مادّاً يده نحوي، لأناوله كفّي، فيقفز بنشاط خارج الحفرة. يعقبه الآخر، ثم تتدافع أيديهم بأصابعها المتماسكة، فيهمي، كثيفاً، فوقه التراب الرطب: "ادعوا له بالثبات"، تتوالى أصوات خفيضة: "اللهم ثبته.. اللهم ثبته"، مددتُ يديّ الراجفتين، دافعاً حفنة تراب رطبة، وصغيرة، تتناثر أجزاؤها نحو قاع القبر، فأحس بشظايا الفنجان الصيني، الذي رعشت جدرانه الخزفية لحظات التفاف أصابع أبي حوله، وقد تكسّرت جدرانه الرفيعة داخل صدري، لأشعر، بعدها، بدوار هائل يلوب برأسي، فأبتعد قليلاً عن أثره. تحركتْ السيارة بنا في الطريق الترابي، أماماً، وتحركتْ عيناي الساهرتان متحسستين هجعة الأهل والأصدقاء بنتوءات قبورهم التي سحّتْ حتى ساوت الأرض ، بفعل الليالي وانشقاق السماء، وغمغمة الريح الشمالية الباردة. تخطفني من شرودي انكفاءات السيارة على الجانبين، إذ تهوي إطاراتها، بغتةٌ، في الحفر المغمورة بماء السيل، بينما العجوز ذو العين البيضاء، المجاور للسائق، يشرع نافذته، تاركاً الهواء البارد يمعن داخل صدره المفتوح الأزرار، كاشفاً عن فانيلة صوفية بنّية، فاضحاً ارتجافه، إذ يرتفع، عميقاً، صدره، وينخفض ثانية، بآهات طويلة، وعينين ذابلتين، هل يخشى طرقات الموت المباغتة؟ أم سيفقد حفنات الحبّ غير المملّح، إذ تمتلئ به جيوب ثوبك الصيفي، يا أبي، آن تلمّ العشة في عمق محطة الفحم شتاتكم، أوقات العصاري، لحظتها، تكون بهيّاً، مطلقاً للسانك مداه الذي لا يحد، فتحكي لهم عن الجوع والفقر، والحرب، والسرقات الصغيرة، وأسفارك المباغتة، لكنك لا تحكي لهم أبداً عن مرضك الطويل، إذ تضم أنحاء أسفل بطنك بيدك، وتشهق بغتةٌ من شدة الألم الذي يعتريك، وتقنعهم، بعدها، ببساطة وهدوء، أن لا شيء ينتابك، حين تطلق، مباشرة بعد وهج آلامك، ضحكة عالية، هكذا لا يستطيع أحد أن يقبض على حالتك، ولا حتى أمي، إذ كنت في دقائق يومك تنقلب من حزن طاغ، إلى ضحكات عالية، وصهيل يرجّ أنحاء ونوافذ البيت: "لا تنس تمرّ الجامع، نرجّع النعش". تنبهتُ على صوت الرجل العجوز، الذي قال ذلك للسائق، دون أن يلتفت، وبدأتْ قطرات مطر صغيرة تعانق رأس الزجاجة الأمامية للسيارة، ثم تنزلق في خيوط دقيقة، يفجؤني، بعدها اشتعال الماسح الأتوماتيكي، وهو يقذف بحبات المطر على الجانبين، وقد كبرتْ، وتكاثفتْ. لمحتهم الآن، أقسم أنني لمحتهم جيداً، بجلودهم السمراء، وفروات رؤوسهم الرمادية مبتلّة بالمياه، وخطواتهم المسرعة صوب حائط المقبرة الطويل، يتّقون به من المطر الكثيف، راعشين. أدرت رأسي، مرعوباً، للخلف، فلمحت من بين الحصوات البيضاء الصغيرة المنثورة فوق القبور، أعشاباً خضراء، ناعمة، تهتز رؤوسها، كأنما تحكي شيئاً وهي تروغ بخضرتها عن جنون قطرات المطر الساقطة، إذ تجلدها. ثمة في البعد جسدٌ ناحل وطويل يشبه أبي كثيراً، أراه يمشي بخطى طائرة مع الآخرين صوب حائط المقبرة. عدلتُ رأسي أماماً، وأقفلت عينيّ براحتي فوراً، لكنني لم أستطع أن أستمر كذلك طويلاً، وأن أتغافل ذلك اللهاث الساخن الذي يشفّ حول أذني، لم يكن باستطاعتي أن أتجاهل أكثر من ذلك، وأنا أشعر بالبلل يتخلل نسيج ثوبي حتى يمسّ جلدي، لتسري فيّ رعدة خفيفة، جعلتني، رغم ارتباكي، التفت فوراً إلى الوراء، فأراه في الجزء الخلفي من السيارة مكدوداً يلمّ نحوله لصق الزجاجة الجانبية، بشعيرات رأسه البيضاء المبتلّة، وشعيرات خفيفة أيضاً تثنّت بفعل المطر على سطحي يديه اللتين تلمّان أطراف البطانية البنّية من أركانها، فتعلو وردتان صفراوان، وضخمتان. لم يكن ينظر تجاهنا، كل وجهه كان مصوّباً نحو زجاج السيارة الخلفي الذي تتزاحم في رأسه حبّات مطر لاتني أن تنفرط سريعة في خطوط متعرجة. أرجعتُ وجهي للأمام، إثر تسبيح العجوز ذي العين البيضاء، المسبوق بآهة ثقيلة، أفرغ بها هواء صدره، فتكاثف سريعاً بخارٌ في بطن الزجاج الأمامي، لأسمع بعدها طقطقة عظام جافةً وهي تصطدم ببعضها، ثم تتساقط، وكأنها تسقط من علو شاهق، التفتُ إلى الخلف، فكان أبي يشد البطانة البنيّة من أطرافها الملمومة عالياً، ثم يرخيها ثانيةً نحو سطح الجزء الخلفي من السيارة، كي يدنيها قربه، ويبقيها بين قدميه المحفوفتين بطين طري، لتشتبك عيناي الساهرتان بصخب عينيه، إذ وجدتهما متوقدتين، وصافيتين، يلتمع في بؤبؤيهما بريق هائل، فنقلتُ بصري محدقاً تجاه البطانية، حتى كأنما فهم إشارتي، إذ تناهى إليّ صوتٌ راعش وخافت لا يكاد يبين تحت وطأة المطر: "جدّتك". كان يشبه صوته، لكنه أكثر بحّة. ولم أكن أفزع كثيراً، فيما بعد، في البيت، حال تحفّ أذني هزّات باب البيت، وكأنما يد تخمشه أو تحاوله، فقط أتأكد من باب غرفته إذ ما زال كما تركته موارباً، لأنسحب خفيفاً، على رؤوس أصابعي، تاركاً له فرصة أن يتسلل بهدوء، ثم يتوارى تحت لحافه الأبيض دونما ضجّة. أواخر يونيو 92م. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |