|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
مساء في أواخر فبراير مكدوداً أحط قدمي في شقتي الصغيرة العارية، حتى يفضي الممر المظلم بي إلى غرفتي، أضيء المصباح، فيباغتني أبي عابساً، وكأنه يشير بيده الضخمة ذات الأصابع الطويلة نحوي، أو كأنه قائد سرية يؤشر لبدء معركة فاصلة، آه يا أبي، الذي توظف في العشرين جندياً سائقاً، وتقاعد في الستين، أيضاً، جندياً سائقاً، كنت قد ألقيت بجسدي المنهك فوق فراش الإسفنج، عاري الجوف، وتنقلت عيناي الغائرتان في أنحاء الغرفة، بجدرانها المسكوة بورق لاصق، مزدان بورود ضخمة، تساقط معظمها فوق بلاط الغرفة، مما جعلني أمزق شرائح الورق المليء بالورد والمتدلي كالأغصان، حتى بانت أرضية الجدران بطلائها الزيتي اللامع، وفي قلب الجدار الملاصق للباب ترقد صورته بالأسود والأبيض، بلباسه العسكري، ويده الممدودة باتجاهي، أما صدر الجدار المقابل فقد استولت عليه نافذة مستطيلة، بضلفتين مربعتين، محفوفتين بأطر معدنية، وعلى زجاج كل ضلفة شريطين لاصقين، متعامدين ، لم ألصقهما إلا البارحة، إذ كنت أهزأ، كثيراً، بالذين يكممون فتحات نوافذهم وزجاجها بالأشرطة اللاصقة، خوفاً من المواد الكيماوية التي قد ترشها في سماء المدينة طائرات غارة جوية مباغتة، لكنني البارحة، بعد أن اشتعل أنين صفارة الانذار، بنصف ساعة، سمعت رجفة هائلة ضجت لها الجدران والأبواب والنوافذ ، وانخلع لعنفها الخشب السميك الذي يسد فتحة في الجدار تسمح للمكيف بأن ينفذ بعنقه من خلالها، وأحسستني، فجأة، في العراء، وأن الكيماويات تملأ السماء، وتنفذ إلى غرفتي، إلى فمي، وفتحتي أنفي، فأموت ممددا كالبهائم. لم أكن أخشى كثيراً أن أموت، لكنني أرتجف رعباً لأن أموت فطيسا، وتملأ رائحة جثتي النتنة أنحاء غرفتي الصغيرة، فلم أفكر أبداً أنني سأموت هكذا، دونما قطرة دم واحدة، بل كنت أحلم دائماً بأنني سأموت طعيناً أو مقتولاً ببندقية صيد ذات مدى بعيد، وأنا أمشي في زحام الشوارع، مضيئاً، بصخبي، ظلمتها الممعنة، حتى أحس بوخز يثقبني في منتصف ظهري، وسائل ساخن، طالما دار بجنون داخل جسدي، يتدفق ببطء، ثم ينهمر كرشاش الماء، يكسو بياض الجدران، وبلاط الرصيف، والاسفلت، ويبقى لسنين عديدة خاثراً مجمداً بين حصوات الاسفلت الناتئة. كثيراً أحاول أن أغمض عيني الساهرتين، لكنني منذ أن تلبّس الشارع المحاذي ذلك الصمت الهائل، بت أشقى طويلاً كي أنام، وإن نمت فمضطربا، ورعشا، كم كنت أهمي باذخا، مكتظاً بالنعاس، فوق فراشي الاسفنجي، لحظة أن كان الشارع ممتلئاً، وضاجّاً بالعربات والسيارات، والحافلات بسائقيها يصوتون" عليا، دله"، وأبواقها العالية، والشتائم تنهمر على المارة، والدراجات الهوائية الكبيرة، التي ينهض فوق مراكبها الصبية بثيابهم البيض مثل نوارس، وأصوات الباعة المفترشين الرصيف حيث يعلنون عن تخفيضاتهم الدائمة، وصراخ "سالم" اليماني ، ولعناته المتطايرة في وجوه الصغار العابثين ببضاعة بقالته الصغيرة، القابعة بوداعة عند مدخل العمارة، أين هذا كله مني الآن؟ أينه؟ كيف أنام، هادئاً مطمئناً إلى صباح سيأتي مشعلاً بحفيف مراييل رمادية لتلميذات صغيرات، مثبتة فوق أكتافهن الضئيلة أحزمة حقائب الجلد، إذ يفضن من أبواب وطيئة، وتتسلمهن دروب ضيقة دافئة، تفضي بهن إلى الشارع العام، كنت أهجس بأن ليس من هذا شيء الآن، لا السيارات، ولا الحافلات الراكنة إلى الرصيف المجاور لباب العمارة، لا هدير محركاتها الحثيثة متسارعة كي تجتاز الإشارة، وهي تفتح لها، لا أصوات الباعة، ولا الشتائم والشجارات الحميمة، لا صرخات "سالم" اليماني، ولعناته المتناثرة، لا شيء في هذا المساء سوى إشارات التقاطع في الشارع العام، وهي تضئ وتخفت بالبرتقالي، حيث لا سيارات تنظمها، والشارع ممعن في صمت هائل، يجعلني أستمع جيداً إلى دقات خفيضة للمبات لوحة الإعلان في رأس البناية المقابلة، وهي تتناوب الإضاءة بين الأحمر والأزرق، حتى المحلات المحاذية للعمارة تضفي سكوناً هائلاً وهي معتمرة بالأقفال السوداء الضخمة، لا شيء سوى ورق مقوى ملصق على باب البقالة الصغيرة، اللصيق بمدخل العمارة، كتب عليها بخط رديء، باهت "المحل للتقبيل، لدواعي السفر". تذكرت الأصدقاء كلهم، حينما غادروا واحداً واحداً، كم كانت ترقص بهم جنبات هذه الغرفة الصغيرة، وكم ضجت بلمسات أقدامهم العارية بلاطات المطبخ الخضراء، والإبريق مملوء بالماء، ويغلي، حافل مقبضه بالتفاف أيديهم الحانية، والأواني ترفل بهية بملمس أصابعهم وخشونة ظهر الاسفنجة، والمياه تندلق من فوهة الصنبور صوب الحوض، كم تدفأ جدران شقتي العارية بأصواتهم العالية، حوارهم، واختلافهم، والبحّة في صوت الذي دلق الشاي فوق اللهب الأزرق حتى أخمده، بسبب أن أحدنا رفض قصائده لكونه نشر آخرها في مجلة لا تحفل بحلمنا الجميل، والذي يحكي لي دائماً عن التي نسجت له، لثلاث سنين، مركبة، من سعفات خضر، لا يحدها سقف، تطوف بهما المدائن، عن عينيها الكحيلتين، وشعرها المقصوص ما دون الكتف بعناية، ويديها، وأصابعها الرفيعة الناعمة، وصخبها، وجنونها، ويحكي أيضاً بأسى، عن عقوقها الطويل، تنفست مستلقياً فوق فراش الاسفنج العاري من قماشه "يا لعقوق الأصدقاء". موغلٌ هذا اليقين فيّ، بأنني لن أنام الليلة هذي دونما ضجة، فقمت خارجاً من باب غرفتي، متجهاً صوب المطبخ، كي أصنع شيئاً ألمّ به شتات جوفي، وقبل أن أدخل من باب المطبخ، وجدتني أمشي عبر الممر الضيق، المؤدي إلى باب الشقة الخارجي، فتحته، ومددت يدي جهة الجدار الملاصق للإطار الخشبي للباب، وهمزت باصبعي ضاغط الجرس، فرن، حتى ضجّت جدران الشقة، وارتعبت، لأقفل الباب ثانية، هاجساً بجرس الباب الذي لم يرن منذ قرابة شهرين، والهاتف الذي يرقد في الممر كصخرة، همست "لعلها سافرت"، وانعطفت داخل المطبخ، فاتحاً باب الثلاجة الصغيرة الخضراء، كي أخرج جبنة صفراء بغلاف نايلون شفاف، وصحنا بيضاوياً به عسل جنوبي، وملتقطاً باصبعي زيتونة خضراء، لأضعها داخل فمي، ثم أتناول خبزاً مثلجاً، وقبل أن أصل بها إلى الغرفة، وجدتني أضعها في الممر الضيق، قرب جهاز الهاتف الذي رفعت سماعته، فباغت أذني رنين متصل، لألتقط، بعدها، من جوار فراشي عدداً من جريدة الشرق الأوسط، أفردها من المنتصف في الممر، أوزع فوقها وجبتي الصغيرة، أغمس جبنة ملفوفة بخبزة باردة في العسل، ألوكها بصعوبة، متذكراً أنني نسيت أن أصنع شايا ترخي حرارته "يبوسة الخبزة الثلجية، في لحظة تعالى بها أنين صفارة الانذار في الخارج، مما كرس كسلي، وبقائي دونما مشرب ساخن يدفئني. كنت أتكئ بظهري إلى الجدار البارد، وأصابع قدمي تلامسان الجدار المقابل، وهذا الأنين المتواصل يقض هدأة الشارع، ويجعلني أترقب، في خشوع يقطعه اصطكاك فكي، يلوكان الخبز، الهزة التي ترج جدران غرفتي المتواضعة، لأحس بعدها أن يد أبي الممدودة صارت تتراقص، ورأسه بطاقيته الزيتية المحفوفة، أماما، بشماسة بلاستيكية سوداء، كأنه يهبط ويمشي بخفة، ساحباً زجاج النافذة، ومطلاً على الشارع المحاذي، حتى إذا اطمأن إلى حال المدينة، عاد أدراجه، وقفز داخل الإطار، ماداً يده نحوي، كأنه سيأخذني معه إلى الشمال حيث تقيم أمي، وسيحكي لي طول الطريق عن بطولاته في الجيش، حينما شارك في حروب الجنوب، كيف كان يرفع الصخور الضخمة بيد، ويدحرجها من هامة الجبل، مباغتا الأعداء، وكيف يسطو على المعزة الجبلي، وينحرها بحد السكين الرهيف، ليسد بها جوع الرفاق، إذ يشعلون نارا عالية، ويسمعون في المغاور صدى ضربات الطبول البعيدة، "كانت أيامنا شقاء" يردد، بينما رددت أنحاء المدينة صوت انفجار بعيد، وبعده بدقائق، توقف أنين الصفارة، وعلا رنين الهاتف: "هلا، بها الصوت". "تسلم لي، يا بعد حبي وحياتي". "الحمد لله، إذ سلمت أنت، الباقي بالشيطان". لكنها، هذه المرة، لم تبك كالعادة، مستجدية بأن أطلب إجازة من الشركة، وأسافر إليها، ربما اقتنعت بأنهم رفضوا إجازتي إطلاقاً، ولربما ملت، أو أنها عرفت أنني ما زلت أنتظر صوت التي أشعلت اللوعة، وغابت، فمنذ أن بدأ الناس يغادرون لم تعد تسمعني صوتها، أو تهبط في ظلام الغرفة، قبالتي، فتملأ رجفات قلبها الصغير غرفتي، لنلمح معاً وجه أبي، وهو يكف عن عبوسه، متخذاً ملامح محايدة، وإن كانت فرحة قليلاً، رافعاً يده الممدودة، مؤدياً التحية تجاهنا. كنت أحكي لها، في اللحظة ذاتها، عما يفعله أبي الآن، المشدود إلى الجدار، فتتضاحك دافعة جسدها الصغير، الملفوف بقميص قطني، نحوي. ما إن هممتُ بلف الجريدة المفرودة من منتصفها، والمتناثرة فوقها بقايا الطعام، حتى لمحت في الزاوية السفلى منها إعلاناً صغيراً عن "أبو بنت، الأرز الأمريكاني"، فابتسمت، وأنا أقذف بالجريدة المطوية داخل سلة القمامة أسفل حوض المجلى في المطبخ، إذ لم يدخل شقتي منذ استأجرتها أي نوع من الأرز، فإن تيسر ليس مطلع كل شهر طلبته في المطعم أول الشارع العام. أطفأت لمبة الغرفة، وقبل أن أتسلل إلى فراشي مشيت نحو النافذة ، هاجساً بالمادة الخانقة، التي ستجعلني أتمدد مثل بهيمة، ساقطاً من طولي الباذخ، رأسي يناوش طرف فراشي، وبقية جسدي على أرضية الغرفة الصلبة، وبعد أيام ستملأ رائحة جثتي أنحاء الشقة الصغيرة، وقد تتسرب الرائحة إلى الطوابق الأخرى في العمارة، لكن ، من سيأتي ويأخذ جثتي، ليدفنها؟ من سيسأل عني؟ وأنا وحدي أسكن الشقة، والعمارة خالية من أهلها، والدكاكين أبوابها مقفلة، والشارع يخلو من ناسه. لربما سأل عني مصطفى المصري، بل أنه سيفقدني، وأنا الذي يهمزه، كل عصر، بريال، يناولني به أربع حبات من الفلافل المقلية مع ربع خبزة ساخنة، هل سيفقدني؟ أم سيفقد الريال اليومي؟ لا فرق، المهم أنه يعرف طريقي، وأنني أسكن العمارة هذي، وهذا يكفي لأن يتتبع خيط الرائحة الكريهة، والتي ستزداد بالطبع، حدتها، كلما ازداد اقتراباً من بابي، ربما سيلقي فوق جثتي بعض الجرائد، متوهماً أنه في الشارع، وأنني مت بضربة غادرة من الخلف، وأن الذباب ينوس فوق الجرح الغائر، مطلقاً رنيناً باهراً، ومفرحا، لمقتلي. سيضطرب كثيراً مصطفى، وسيتعب كثيراً، وهو يفكر أين؟ يا حبيبي يا مصطفى، هل تحبني إلى هذا الحد؟ حتى بعد موتي؟ ارتفع صرير مرور الإطار المعدني لضلفة النافذة بمجراه، لتفجؤني أضواء لوحة الإعلان في البناية المقابلة. أتطاول، وأنظر في عمق الشارع، لا شيء فيه أبداً، لا حركة، ولا صوت، سوى تكات صغيرة، تنبعث من تناوب اشتعال لمبات النيون، الحمراء مرة، والزرقاء ثانية، ثم كلاهما معاً. طالعت "شماع ملكي"، وأسفل منها، بخط نسخي جميل "صنع انجليزي أصلي"، ابتسمت وأنا أهم بإغلاق النافذة، لحظة أن أحسست بيده الضخمة تحط على كتفي، وأنفاسه المنتظمة، الهادئة، تدب عالياً حول أذني، حتى أدرت رأسي ببطء، كي لا أباغته، فكأنني لمحت وجهه غاضباً، متقلباً، أحمر مرة، وثانية أزرق، بفعل أضواء النيون، وبسرعة مذهلة صفقت ضلفة النافذة، فكان أبي يمد يده نحوي، مشدوداً، داخل الإطار، إلى الجدار. فبراير 92م |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |