لغط موتى - يوسف المحيميد

قصص من منشورات اتحاد الكتاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

هذا الصباح لي

قبل أن أفرك عينيّ أو أفرد صدري في تثاؤب اعتيادي، شرعتُ أتحسس فروة رأسي الهائشة بيدين أطالعهما كل فينة، حتى إذا ما اطمأننت إلى خلوها من دم رأسي، صرت ألمّ شتات ذهني، متذكراً نومي المتقطع ليلة البارحة، واليدين الضخمتين اللتين دفعتاني، عنوةً، من ظهري الضئيل، حالما تجرأتُ، بعد تردد مضن وممل، وخطوات صوب نافذة غرفتي المطلة على الشارع المحاذي للعمارة التي أسكن، وسحبت الضلفة الزجاجية للنافذة، مباغَتاً ببياض الفجر، المتوّج بالتلاميذ الصغار، يوقظون بلاطات الأرصفة الرمادية، برفيف أثوابهم البيض، ورائحة الصلصال ممتزجة بالبيضِ، ساخناً، داخل فطائر، في أعماق حقائب الجلد، التي تضمّهم، بوحشية، من ظهورهم الصغيرة.‏

محفوفاً كنت بهذا الصباح البهي، بالتلاميذ، بهدير محركات الحافلات تشق الهدأة، بصباحات الخير يتبادلها الباعة، وبصحو العم حسن بواب العمارة، ورأسه من الأعلى مضموم بطاقيّة مطرّزة، هاتفاً بعد أن يسحب كرسياً آخر، بصوتٍ نعس: الشاي يا أبو راشد، ويقطر من محل قص المفاتيح المجاور رجل أشيب، بثوب مفتوح الصدر ، وبكمّين مشمّرين.‏

ما كدتُ أرى بعينيّ الغائرتين، المغتبطتين، شارعاً يتنفس في عمق الرياض القديمة، حتى عاجلتني، في لمحة خاطفة، من الخلف، يدان صلبتان، همزتاني بدفعة هائلة، لألتفت قبل أن أهوي في القرار الأخير، وألمح ابتسامته الخاطفة، وعينيه الماكرتين ترتبكان من وراء نظارتين رفيعتين، وأنفه المحني بخشوع بينهما، وأكتناز وجهه المستدير، لكنني لم أشاهد الشنطة السامسونايت الرمادية، التي يصطحبها معه، حين يفيض برأسه من باب غرفتي، مساءً، في بناية المجلة : "أهلاً أستاذي"، فأبتسم له، يدلف بعدها، واضعاً شنطته الرمادية فوق الطاولة، مبتدئاً- كعادته - بثه اليومي، بالحكي عن مغامرات مسؤول التحرير ما بعد نصف الليل، حيث يبقى، وعن شقاوة صغاره، وعن ضيق ذات اليد وقلة الحيلة: "الحاجة تذل الرجال"، كان يقول دائماً، فلا أكترث به، إذ تستمر يداي حرتين، لا يسورهما القلق القديم، بأن يكفّهما عن الإحساس بالأشياء حال لمسها، كأن أحسّ بارتجاف القلم الذي تهصره أصابعي، أو انحناءة الكأس السفلي، الساخنة، ولوعة أصابعي الطويلة إذ تلتف عليها، فقد تخففّتُ من دهشتي التي تعالت، لوجوده حالما أدخل المبنى، وبقائه حتى بعد خروج آخر موظف، رغم أنه مكلف بإعداد صفحتي البريد فقط من الصفحات الستين للمجلة. إذ التمعَ، ذات مساء، فرح باذخ في صفاء عينيه الماكرتين حينما رآني أتهيأ لأخرج إلى المطبخ، مما جعل رفيفاً متسارعاً داخل صدري يفضحني عندما تركت غرفتي، وفي المطبخ بينما أضع قالبين من السكر، قلت لنفسي: "لا بد أنه يعرف لحظة عودتي إلى الغرفة بسماعه الصمت المباغت للصفير المتصل لا بريق الماء، حيث يغلي"، خطوتُ حذراً أن أمسّ بقدمي قطعة البلاستيك القاطعة، في الممر، قبالة غرفتي، تاركاً، خلفي، صفير الإبريق يحتد، دون أن أخمده، لأضبطه في غرفتي مفتشاً حافظة أوراقي، فينفض يديه مرتبكاً:" هذه القصص التي كتبتها مطلع هذا العام، بإمكانك قراءتها"، يلوي عنقه، بعدها، مخفياً تلوّن وجهه المستدير، متذرعاً بأنه يبحث عن مادة صحفية سلّمني إياها منذ إسبوع، إلى أن تقع عيناه المتنقلتان على آخر ملصق وضعتُهُ على الجدار الذي يسندني، مقطباً حاجبيه في الأيدي السوداء الجافة، بفعل الشموس الاستوائية، حيث تمتد كلها صوب ناحية واحدة، كأنها تتزاحم أو تتصارع لالتقاط بقايا مائدة هابطة من السماء، أو من عطايا الصليب الأحمر:‏

"هذه الصورة ليست هنا"‏

"كيف". أسأل.‏

أطلق سبابته نحو الأسفل.‏

بينما انهمكتُ في ترتيب مادة الملحق الثقافي، قلت:‏

"ربما"‏

وشعرت بانكساره، ثانيةً، فحزنت، بعدها، كثيراً، إذ لم أكن أود أن أجعل هذا العدو الجميل، الذي فرحت به مؤخراً، ينطفئ منذ البداية، خصوصاً وأنه واجهني بعينيه الماكرتين، وابتسامته الخاطفة.‏

جعلتُ الماء البارد المتدفق، بسخاء، من الصنبور، يتخلل أصابعي المفتوحة، مكتفياً بالبلل في أطرافها، بأن نفضتها من الماء، كي لا تفجأني ثلوجته، عندما أفرك به ثقلاً هائلاً من جفنيّ المطبقتين ما زالا.‏

وبينما ارتخت عضلات وجهي المشدودة أبداً، معلنةً عن ابتسامة أولى في صباح ثلجي كهذا، تذكرت فوراً أنني حلمت منذ ليلتين فقط، بأنني استطعت، للمرة الأولى، أن أبتسم، رغم ارتباكي، للتي يفيض وجهها من نافذة نصف مفتوحة، بهياً، مشرباً ببياض محروق، يؤرخ لقيظ الرياض الحار، متوجاً بعينين صافيتين، وعميقتين، لتدفع لي، بعدها، بورقة ذات مربعات صغيرة ، نُزعتْ لحظتذاك من كراس التفصيل المدرسي، وبعد أن حرّرتها من ثنياتها، قرأت في جوفها: "وجهك، وأنت تضحك، أحلى"، وصرت فيما بعد أسرق البسمات الطازجة صباحاً، لأصوبها تجاه نافذة بدأت تفد فوق قاعدتها، ولم تكن لتغادر، حمائم بريش أبيض، مقصوص في منطقة أجنحتها.‏

بدأتُ أجفّف وجهي بمنشفة صوفية مزدانة بخطوط مستقيمة وملونة، حتى بدأت تغمر وجهي وأنفي رائحة باذخة لبخار خبز ساخن، تناثر، للتو، فوق بالطات، ألوانها وأحجامها تختلف، وهي تحفّ فتحة التنور، وينوش سطحها أنف الفتى، الذي فرش نصف منشفة القطن فوق مصطبة الفران، وانسدل للأسفل، النصف الآخر، ضامّاً به صدره الضئيل، مسنداً عظمة ذقنه البارزة حافة المصطبة، مستسلماً للنعاس طاغ تجلّله سورة الرحمن، يعلو بها صوت عبد الباسط عبد الصمد، وفحيح النار العالي في عمق التنور، لتسكن معه جنبات المخبز، المكسوّة بسواد كثيف بفعل الدخان.‏

شددتُ طرفي الشماغ ناحية صدري، وأمسكت بهما، أحدهما فوق الآخر، بذقني النابتة، حيث غرزتها في صدري، في حركة جعلتني، رغماً عني، أدلق لساني، كي أسمح ليديّ بأن تثبتا عقال الصوف الإنجليزي الثقيل، فوق هامتي، وكأنني، لحظتها، أضع فوق رأسي بلد، إن التفت، فبهدوء قاتل، خشية أن تنفلت، متناثرةً، شوارع، ومدارس، ومنازل، وحدائق، وأناس، آه، يا لهؤلاء البشر، يصطخبون داخل رأسي الصغير، ويمرّون دوماً من دمي، وهم كارهون.‏

ما أن فتحت باب شقتي الصغيرة، حتى داهمتني، بعنف، رائحة المطر، وصفع وجهي هواء الصبح الثلجي، لحظة أن شارفت بوابة العمارة. على الرصيف المبلول كان رشاش المطر يتدفق بسخاء متواصل، كثيفاً وواضحاً حول لمبات الشارع العالية، التي ما برحت تضيء دونما كلل، لأتأكد، ثانيةً، من ساعة يدي، إلى أنها السابعة، فقد كان الشارع لم يفارق بياض الفجر الأول، خطوت، حذراً، تجاه سيارتي الصغيرة، المركونة إلى الرصيف، كاشفاً عن سروالي الطويل، خشية البلل. محموماً بدأ يرتعش محرك السيارة، بعد أن حاولته مراراً، وظللت داعساً دواسة البنزين حتى نهض مؤشر الحرارة، ثم تهادت سيارتي بطيئة، ومن مؤخرتها تعلو غيمة هائلة من دخان أبيض، ما لبث أن خفّ قليلاً، لينفلت، بنشاط صباحي، ماسحاً الزجاج الأمامي الأتوماتيكيان، قاذفين، بصخب، ندف المطر المتكاثف، الهاطل بنعومة، لكنني، رغم ذلك، بالكاد أرى مسافة لا تتجاوز بضعة أمتار قليلة ، بفعل الكثافة الضبابية أمامي، وتسعفني كثيراً، إشارات التحذير الضوئية، البرتقالية، التي تبعثها السيارات أمامي. انحرفتُ عن الطريق السريع، دالفاً المسار الأيمن، حتى‏

إذا ما استوقفتني الإشارة القابعة، بوداعة، قبالة مبنى وزارة الداخلية الهائل، انعطفت إلى اليمين، ليتسلّمني، على غير العادة، شارع المعذر بصخب، قاذفاً بحبات مطر ضخمة مائلة، تصفق الزجاجة الأمامية عمودياً، وكأنها تسقط في حجري، فتبتل ثيابي، حتى تفزّ يمامة بهية، ويرفّ جناحاها القويان بصعوبة، وهي تقاوم الهواء الثلجي، واندفاع المطر العنيف، ثم يتحول رفيف جناحيها الأبيضين إلى اصطفاق يمتلئ شارع المعذر بضجّته، وتنحني له الرايات المشدودة في رؤوس أعمدة رفيعة على مدخل محطة نفط، لا تلبث أن تضاحي يمامتي الرفيف العنيف، الذي يجعلها -أي يمامتي- ترفع منقارها، مصوباً، نحو السماء، باحثة عن رأس أعلى بناية في الشارع.‏

محاذياً الرصيف الذي يشرف عليه مبنى الشركة بزجاجها الأزرق الداكن، عندما هجستُ بدخولي كل صباح، مجللاً بهمهمات عمال النظافة، وهم يضيئون، بعناد، البلاط اللامع للبهو، منعكساً في استدارات ثلاث، فضية، لمصاعد تنبت وسط البهو، وتعلو، كأغصان، حتى الطابق التاسع، أدلف إلى أحدها، لأهمز الضاغطِ ذا الرقم ثلاثة، ثم أرتكن إلى طاولة مكشوفة في صالة واسعة جداً، مزدحمة بطاولات أخرى تعلوها أدراج تشرع في الضحى كمظلات دكاكين مصفوفة، ومتقابلة أيضاً، لأهمز ضاغط الآلة الحاسبة، وأفتح دفتر اليومية العامة، الذي احتشدت به الطاولة حتى طرفيها، فأجمع الأيام ألوفاً، وأطرح منها لوعتي جانباً، ويفجؤني، وهو يقف خلفي، بعينيه اللصيقتين ببعضهما، والمحاطتين بإطارين داكنين، وحبيبات بنيّة متناثرة في أنحاء وجهه، فيحذرني من خمولي وكسلي، وأن بيده نعمتي: "إذ لم تجهز الميزان الشهري، اليوم، سيكون لي معك كلام آخر".‏

بعد أن أوقفتُ سيارتي، كان المطر قد تضاءل، رغم الغيمات الرمادية التي تنوش رأس البناية، فتمعن الجنبات الزجاجية للمبنى غموضاً، وأتوقف أنا في آخر سلم الدرج الرخامي، للمرة الأولى في حاتي ، وأمنح السماء المكتظة غيماً بدات تتقاطر حباته، تحديقاً شهياً، أتبعه بنظرة ملولة تجاه الباب الزجاجي، المحكم إغلاقه، فأعود أدراجي، هابطاً الدرجات الرخامية، هاجساً: "هذا الصباح لي"، وفي السيارة التي اقتحمت شوارع الرياض، ضحىً، همستُ: "صباح كهذا لا يستحقه أبو محمد"، وبعد أن تناولت صحن فول ساخن، فوق بلاطة رخامية بيضاء، لصيقة بالزجاج الخارجي للمطعم المطلّ على شارع الستين، مرشحاً كرسياً، بامتداد رفيع وشاهق، أجبرني أن أدليّ رجليّ الشقيتين في الهواء، رأيت أن أشرب، في غرفتي، شاياً ساخناً، مشرعاً نافذتها على الشارع العمومي.‏

ما أن هممتُ بصعود درج العمارة التي أسكن طابقها الرابع، حتى استوقفني طنين الدرابزين الذي أخفت الأيدي، إذ تمسك به لحظة صعود الدرجات، طلاءه الأبيض، فاقتربتُ، ولمست، بيد حانية، زاويته، فسرى في كفّي خدر لذيذ وشهي: "ثمة أحد في أعلى الدرج يدق بيده الدرابزين".‏

بعدما شعرت بانعطافة الدرابزين الحادّة أكثر ألفة من أي وقت مضى، منحت قدميّ، خلسةً، أولى الدرجات المثلومة أسنانها، لتلفّني وشوشات خفيضة، مصحوبة برائحة آدمية لدنة بدأت تهبط نحوي وأنا أصاحب الدرجات، صاعداً، في تواطؤ غير معلن. تعالتْ ضحكاتٌ صافية، ونحيلة، جعلت قطرات المطر في الشارع تشفّ، فأحسست برنينها المتواصل يحذّر يدي المحتوية ماسورة الدرابزين، لتنقطع، فجأة، آخر الضحكات، متبوعة بآهة كانت محشورة لسنين، وقد انفلتت تواً، حتى ضجّ فضاء السلالم العتيقة، واستفحلت الرائحة الآدمية، لدرجة أنها تخلّلت جيب ثوبي، فلامست شعيرات صدري، وارتفعت نحو عنقي، فسحبت نفساً عميقاً في اللحظة التي أمسكت فيها، تماماً، الأصوات المكسورة وهي تطلق، ناعمة، أسرارها الصغيرة عن الذي يشك، والذي يركعها، والذي يمنع الأهل البعيدين عنها، والذي يشدّ القمر من استدارته إلى خاصرته، ويستلذ، والتي ما برحت الجدران الأربعة لسنين، والتي لن تستكين، والتي..‏

في فسحة الدرج بينما شرعتُ أصعد درجة أولى في سلم جديد، رافعاً رأسي عالياً، باغتتني انعطافتها نازلةً باتجاهي دونما عباءة تلفّها، أو غطاية فوق وجهها، بل تهبط بقميص قطني أصفر، مطرز بطائر أحمر يفرد جناحين يرتفعان أكثر عند اندفاع الصدر المتماسك، وبشعر مقصوص، فوضوي يكشف عن بياض حادّ لعنق رفيع، محاط بسلسال ناعم، وبعينين لم يفلح الصباح، ولا المطر في إخفاء نعاسهما، وما أن لمحت هالتي، حتى نكصت مذعورة، صاعدة وهي تخفي بهاء عينيها بكفّيها الصغيرتين المتوّجتين بأصابع رقيقة، منتهية بأظافر طويلة حمراء، دافعة باب شقة موارب في الطابق الثاني، تتبعها إثنتان كانتا تجلسان قبالة الباب، واستمررت أصعد، موشكاً أن أصطدم بكأس شاي يفيض من عنقه غصن محفوف بوريقات نعناع دوّخت رأسي رائحتها، حالما عبرت مكانهما. وفهمتُ، بعدها، سر القلوب المرسومة بقلم رصاص سميك، والنافذة من عمقها أسهمٌ متوّجة عند الطرفين بأحرف مكتوبة بالإنجليزية ، والوجد الطافح في العبارات الموجزة، وأسماء المدن في شمال البلاد، وجنوبها، وأبيات الشعر الشعبية. لمّا نفذتُ من باب شقتي، عبرت الممر الضيق باتجاه غرفتي، ساحباً، بعنف، زجاج النافذة المطلّة على الشارع، وذهلت بتوالي زجاج نوافذ كثيرة وهي تنفلت من إطاراتها، تاركة الهواء المشبع برطوبة الشارع يدلف، وحالما التفت إلى الخلف، لم تباغتني يدان قاسيتان توشكان أن تدفعاني من ظهري، بل تناهت إلي ضحكات دافئة، ما برحت أن تقاطرت كلّها في غرفتي، تقاسمني الشاي المنعنع.‏

يوليو 92م.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244