غداً.. يبدأ العـيد - يوسف محمد سلمان

قصص قصيرة من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

غداً يبدأ العيد

تغمس ريشتك في قلبك. تغرف ما تشاء من نزيف الروح.. تشعل حرائقك على الورق ويمضي رحيل الحروف التائهة.. هي المرأة براكين من اشتعال وخصب كل المواسم.‏

بيدك تحمل معول الهدم لتبني، وتشمخ ناطحات السراب. نزيف الروح يمضي والذاكرة قليلاً إلى الوراء وزمن طاعن بالانكسار خلته انتهى، وتبدأ همجيات القهر.. تعض الأنامل.. متاهات ورعب وقبلية. أشلاء.. جثث، وضباب رؤية عالم جديد مشروعات قادمة... سخافة هي الأحلام.. مناخات الرؤية يخيم عليها الضباب وأنت في جوف التنين.. حدودك أنياب الأفعى ترى المستقبل والصراخ والضجيج في صباحات معتمة، وطيف امرأة رائعة الجمال يلاحقك جدائل من نار وعيون ملأى بالحنين...‏

جسد يدعو إلى الرغبة.. تمد يدك المرتعشة لتلمس تفاح الشيطان. فجأة تحتضر بين يديك جثة هامدة. صلبة كحجارة براكين سوداء. هذا زمن التحولات التي لا تصدق. تفتح التلفاز لتسمع آخر الأخبار.. تبدأ مباراة كرة القدم- المدن الساحلية تغط في نوم عميق.‏

قادة الأرض يرسمون مستقبل العالم الجديد القرن الجديد يفتح بوابته. العم حمدان لا تشغله آخر الأخبار ولا براكين الأرض.. العم حمدان لازال يسوقُ الثّورين الأسودين ويتابع الحراثة في الجبل المقابل. وحده أسعد رجل في هذا الكون سعيد لأنه لم يتعلم القراءة والكتابة ولا يسمع نشرات الأخبار...‏

تستحم جبال الضيعة بالضباب.. مواكب التلاميذ تمضي.. أجراس المدارس والكنائس تسمع من بعيد.. صياح الديكة.. مزامير السيارات، صراخ الأطفال وكل ضجيج العالم.. هدير المحركات، ونهر بشري يكاد لا ينتهي نساء ورجال. سيارات أجرة. باعة صبار وعنب وعرانيس وأشياء أخرى دوامة أفكار ومدارات معتمة. قائمة طلبات ومواسم لا ترحم. مطلوب منك أن تدفع إقرأ باسم ربك. اقرأ قائمة المشتريات والانكسارات والديون.. زوجتك.. أطفالك هدايا العيد. أمك المريضة.. وصفات الأطباء وراتب يتبخر منذ اليوم الأول في الشهر صحف ومجلات. كتب مبعثرة.. مشاريع قصص وقصائد مجنونة. أخبار العالم. والسباقات.. معارض الأجساد وهواة جمع الطوابع.. انتخاب ملكة جمال الكون وأسعار البورصة. رأس مزعج يحمل أفكاراً شريرة مسلسلات ومدن لا تنام.. أضواء تدخل غرفتك تحاصرك.. تحول بينك وبين نفسك.. امرأة أمامك لا تحب أن تراها أو تسمعها.. قبل أن تحكي تعرف ما تريد.. اقرأ.. اقرأ.. تهرب من أين... إلى أين؟!..‏

صغار ودفاتر... شرود وتحديق نحو اللامحدود بعد أيام يبدأ العيد. مطلوب منك اللحم والحلوى القمصان والأحذية.. فساتين ملونة وشرائط ولعب و... أطفال كزغب القطا.. ورقة وحيدة تتلمسها في جيبك.. غلاء يكوي الوجوه والقلوب.. وحش كاسر يفتح جوفه ليبتلع كل شيء. وتحترق أحلام العالم وابتسامات الصغار.. سارح أنت ونشرات الأخبار وقراءة الجرائد وتنفيذ أوامر السيد المدير لكن.. لا تنس قائمة الطلبات.. أنت في مدينة لا تنام.. واجهات وواجهات موسيقا.. مسارح ونساء من كل الألوان طفلة كندى الصباح.. تقبلها.. تقبلك زهرة ورائحة عنبر.. أحلى طفلة في الكون "رؤى".. وبلاغة لثغ الحروف.. أحلام تتلوى أمامك.. تتكسر.. صالح الصغير يرتمي في حضنك.. ينفض عن عينيه النعاس وقبل أن تمضي يوصيك: بابا حسان اشترى دراجة جميلة لها زمور وأنا أريد مثلها.. وتكمل أخته الحديث: وفستاناً لي وربطة شعر ويصيح حمودة:‏

-وأنا.. ورابع.. وسادس..‏

تتلمّس الورقة الوحيدة في جيبك.. تغيب بك الدنيا. تدخل الشمس من نافذتك تفتح عينيك.. يلف العالم ضباب أسود ودخان.. ثمة أخبار لا تريد سماعها.. سادس لفافة تبغ تشعلها هذا الصباح وتهرب إلى جحيم الدوام وتكشيرة السيد المدير.. ترى كل الواجهات والمعارض والسيارات والرجال والنساء.. سيل بشري بلا نهاية، وأنت في عالم آخر بعيداً عن الصحو تمضي، وسيارة تتوقف بسرعة ليصرخ بك السائق بجنون:‏

-أين أنت.. ألا ترى؟!..‏

دقات قلبك تتسارع.. بينك وبين الموت ثوانٍ فقط، وتتساءل:‏

-معجزة السماء أنقذتك أم مهارة هذا السائق الغليظ؟!..‏

تقول: ليت.. لا تكمل.. ورقة وحيدة تتلمسها في جيبك أصوات الصغار تدق في أذنك تصعد السلم المؤدي.. تجلس إلى طاولتك.. ويطل عليك السيد المدير بتكشيرته المعتادة. ينظر نحوك.. يهز رأسه.. تشيح بوجهك.. وتنهيدة من الأعماق.. غداً يبدأ العيد.. وكل عامٍ وأنت بخير..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244