|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الدكتور جابر لم يكن يوماً عادياً في حياتي هذا اليوم. إنه يوم جديد وحافل بالمفاجآت.. لقد اعتدت طوال حياتي العمل بالأرض.. بيني وبين الأرض علاقة قوية وصداقة عميقة، ونادراً ما كنت أخرج إلى المدينة أو حتى إلى زيارة الأصدقاء.. دائماً أعيش في رتابة ألفتها. من الحقل إلى البيت ومن البيت إلى الحقل. لكن يومي حافل بحق، فقد جاءني صديقي الدكتور جابر العائد من بلاد الغرب بعد غياب دام عشرين سنة إنني أحب جابراً محبة قلبية، لذلك لم يكن غريباً أن يكون اللقاء حاراً، يترجم شوق عشرين سنة مضت آه.. رحم الله أيام زمان.. أيام الطفولة وملاعب الشباب ولّت ولم تعد.. جابر يعيدني إلى الماضي الذي أحب... عاد جابر.. آه... أنا لا أدري كيف أصف مشاعر البهجة التي غمرتني ساعة استقباله لأعانق فيه كل جمال الماضي ونقاء الريف فقد عشت وإياه في هذه البساتين وتحت تلك الظلال.. آه كم كنا نلعب ونمرح على بيدر القرية.؟.. جابر يذكرني بكل شيء في هذه القرية تماماً كما أن كل شيء بهذه القرية يذكرني بجابر.. البيت والمزرعة وبستان المشمش.. عين التفاحة وبيت جده الشيخ محمود -رحمه الله- وكأني أسمع صوته الآن يرن في أذني وهو يوصينا أن نقرأ القرآن كل صباح، وهو يردد: "قراءة القرآن بركة.. قراءة القرآن تطرد الشيطان".. وتعود بي الذاكرة فيما تعود إلى نبع التفاحة وجبل الغزال وحقول الحمص والذرة... وياما أحلى سهرات زمان وياما أجمل صبايا الضيعة يا جابر، جابر صديقي المقرَّب الذي تقاسمت وإياه السراء والضراء ودرسنا معاً حتى إتمام المرحلة الابتدائية. وكان أسعد حظاً مني إذ أرسله والده إلى المدينة ليتابع دراسته، في حين كانت وفاة والدي سبباً في تركي المدرسة لأعيل أمي وإخوتي الصغار.. ويمضي جابر كعادته متفوقاً حتى على أبناء المدينة.. وها هو ذا اليوم يعود طبيباً بعد عشرين سنة غياب، إنه أول طبيب في قريتنا بل وفي القرى المجاورة. أنا لا أستطيع إخفاء فرحتي بعودة جابر ونجاحه بل لا أبالغ إذا قلت أن لدي شعوراً أن نجاحه نجاحي جابر لازال كما هو طيب القلب كما عرفته كنت أظن لوهلة ما أنه نسيني، وكثيرون الذين ينسون هذه الأيام، لكن جابراً والحمد لله لم ينس الصداقة ورفاق الطفولة وها هو بسيارته الفخمة أمام داري المتواضعة.. داري البسيطة التي لا تملك وسائل الاستقبال العصرية التي تليق بطبيب درس في الخارج.. آه.. لقد تملكني الخجل من وضعي الحالي لكن جابراً لم يشعرني بأي إحراج. كان متواضعاً لدرجة أذاب الفروق بين وضع طبيب مشهور وفلاح عادي مثلي.. عانقني عناق أخ لأخيه، وافترش الحصيرة البسيطة في داري.. نعم لقد جلس تماماً كما نجلس نحن الفلاحين. يا عيني عليك يا دكتور جابر.. كم أنت رائع ومحبوب، وتزداد المحبة في قلبي واقع الحال يستطيع جابر أن يجلس في أفضل بيوت القرية بل والمدينة، وأعرف أن الكثيرين بمن فيهم المختار يشتهون الجلوس معه وبيته لا يخلو من الزوار، لكن الدكتور جابر يعرف الأصول ولا ينسى الماضي البتة في الواقع لم أكن أتصوره متواضعاً إلى هذا الحد فهو يجلس بثيابه الأنيقة إلى جانب فلاح بسيط مثلي. هذا ما لم نعهده من أمثاله نحن الفلاحين. لكن جابراً يريد أن تذوب كل الفوارق بيني وبينه وهو يشعرني بكل تصرفاته أنه لازال جابر الطفل الصغير الذي أعرفه. جلس جابر على الحصيرة وراح يتأمل الحيطان وأرض البيت نظر إلي وهو يتأمل ثيابي البالية وتعب السنين في وجهي. ابتسم ابتسامة لطيفة، وسألني عن كل شيء. نعم عن كل شيء. عن الجيران والصبايا ونبع الضيعة والتين السوداني وحقول الحمص عن رفاق الطفولة وصيد العصافير. أعاد ذاكرتي إلى الوراء يوم كنا نشوي عرانيس الذرة الصفراء والحمص الأخضر، وذكرني بأشياء كثيرة حتى يوم ضربه المعلم حين حاول أن يغش ورقة الامتحان، وملاحقة الصبايا على درب العين والتلطيش والتنكيت و.. جابر له ذاكرة عجيبة. ها هو يذكرني حين ركبت وإياه ظهر الحمار وكنا يومها في الصف الثاني الابتدائي حيث جاء صلاح ابن الجيران ذاك الصبي الشقي ووخز الحمار ليجري مسرعاً ويقذفنا نحن الاثنين عن ظهره.. تذكر جابر هذه الحادثة وضحك ضحكته المعهودة يوم كان صغيراً.. يا إلهي جابر لم يتغير إطلاقاً ولازال يحمل في أعماقه الطفل الذي يحن إلى الريف خلافاً لما يفعل البعض هذه الأيام- هممت أن أقوم بواجب الضيافة. حاولت أن أمسك دجاجة من دجاجاتي لأقدم فطوراً لصديقي الحبيب، لكن الضيف أقسم الأيمان الغليظة ألاّ أفعل وأقنعني بالاكتفاء بكأس من الزوفى الجبلية وردّد بصوت قوي: -بلا أكل بلا بطيخ اشتقت لشرب الزوفى معك لا يوجد شراب في العالم يعادل زوفى جبل الغزال. زوفى وكفاية.. ومع شراب الزوفى كانت أعذب الأحاديث وكان الاتفاق على المشوار وأن نتناول الغذاء في أحلى مقصف على الساحل السوري. قبلت دعوته بكل سرور وهل لي أن أرفض؟!. رحم الله أيام زمان نهض جابر وصاح بي: هيّا يا محمود قمْ والبس ثيابك سنقضي يوماً من العمر. قمت.. بحثت بين ثيابي المكومة في صندوق خشبي.. قلبتها كلها لأعثر على ثياب تليق بالمقام.. وبعد عناء اخترت أفضل الموجود، نظرت إلى هندامي وإلى صديقي القادم من بعيد وأناقته نظرت إلى سيارته الفخمة، وأنا أقارن ما أرى بثيابي ومنظري وأتساءل: هل يليق صاحب هذه الثياب أن يركب في سيارة حديثة كالتي أراها.. لكن مجاملة الدكتور جابر وتواضعه أنسياني كل شيء مشيت كتفي إلى كتف جابر. اقتربنا من السيارة. كان السرور يغمرني. لأول مرة في حياتي أرى سيارة كهذه تقف أمام داري. لا شك جميع الجيران يحسدونني على زيارة الدكتور جابرلي. لقد تحقق ما كنت أتوقعه فها هي جارتنا أم هاشم تنظر من نافذة بيتها نحوي وأنا أضع رجلي في السيارة. وها هي ذي سميرة ابنة الجيران تراقبني ويتجمع أولاد الحارة وينظرون نحوي باستغراب. حقيقة الأمر كانت هي المرة الأولى التي تتوقف فيها سيارة خاصة عند بيتي، بل هي المرة الأولى التي أركب فيها سيارة مريحة كهذه. فقد اعتدت السفر بالسيارات العامة المزدحمة، واعتدت الجلوس في المقاعد الخلفية أما أن أجلس بمفردي جانب السائق وفي المقعد الأول وأقول للسائق تابع من هنا، وتوقف هنا، وأخطط طريق الرحلة كيف أشاء فقد كانت المرة الأولى في حياتي كنت أنظر إلى كل شيء حولي. أتأمل البيوت.. أراقب الوجوه.. تمنيت لو تمر السيارة أمام كل بيت في القرية، وأن تراني عبلة التي أحببتها ذات يوم ورفضتني كما فعلت غيرها.. تمنيت أن يراني جميع معارفي وأنا ألقي عليهم التحية من خلال نافذة السيارة مثل نائب في البرلمان يحيي الجماهير يوم نجاحه في الانتخابات.. لقد كدت أطير من الفرح، ولكن للأسف لم نصادف الكثيرين في الطريق كما كنت أتمنى. فقط عدة أشخاص لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة، وبينما كانت السيارة تقطع آخر بيت في القرية سمعت أحد الأطفال يصيح بأعلى صوته: -تعالوا انظروا.. محمود الطويل يركب تكسي؟!. هذا الطفل يتعجب من وجود فلاح مثلي في تكسي ومع ذلك سررت ولا شك سوف يروي لأهله إنه رآني في سيارة أنيقة. حقاً كانت سيارة أنيقة وفخمة ومريحة في آن.. يا إلهي هل يحق لي أن أحلم بمثلها ذات يوم. وكأن صديقي شعر براحتي وراح يحدثني بكلامه الحلو وقد خفّف سرعة السيارة وقال: محمود اعتبر السيارة ملكك وسنذهب حيث تريد، وراح يعيد ذاكرتي إلى الوراء... الطفولة وأي شيء أحلى من الطفولة؟!. وأنا سارح في أفكاري وأحلامي وكأني أركب بساط الريح، وبيدي مصباح علاء الدين السحري. كانت السيارة تشق طريقها عبر حقول الزيتون وغابات السنديان كانت الطريق الجبلية التي تصل قريتي بمدينة طرطوس الساحلية تشبه أفعى طويلة ملتوية حسب تضاريس الأرض كانت النسمات اللطيفة تداعب وجهي وشعري وتشعرني بالانتعاش في هذا الصيف الحار. ها نحن في قرية الريحان تلك القرية الجميلة الغافية على سفح جبل مرتفع وتتوقف السيارة قليلاً في تلك المنطقة المطلة على مدينة طرطوس لننظر المدينة والمرفأ الحديث ونبصر السفن في عرض البحر وهي تشبه لعب الأطفال. بينما تشمخ جزيرة أرواد وكأنها باخرة عملاقة في عرض البحر، وعلى مقربة منا كان أحد الفلاحين يقطف عنباً وكعادة أبناء الريف الطيبين اقترب منا ليضع ما معه من العنب أمامنا لنأكل في حين أخرج الدكتور جابر كاميرا التصوير لالتقاط الصور التذكارية. تابعت السيارة مسيرها وأنا سارح في أفكاري وأحلامي أقول لنفسي: ليتني أملك سيارة مثلها، أو ليت صديقي الدكتور يبقى طويلاً في الوطن. شردت قليلاً بينما كانت السيارة تدخل المدينة. وأنا أراقب البنايات الكبيرة والشوارع العريضة الملأى بالرجال والنساء. انظر وأنظر إلى الواجهات الزجاجية والحركة الدائمة في هذه المدينة وأنا أقول: يا الله متى صارت طرطوس هكذا؟! ويتجه صديقي قليلاً نحو الغرب ليدخل المرفأ الحديث حيث الحركة الدائمة ومجموعات العمال ومختلف أنواع الرافعات والآليات والأعلام المختلفة على أسطحة السفن حسب بلدانها. كنت غارقاً في شرودي عندما صاح بي رفيقي: ـ أخبرني أين صرت؟ انتبهت كمن استيقظت من حلم فأنا لم أجئ إلى طرطوس منذ أكثر من عشر سنوات. قلت لجابر: طرطوس جديدة علي يا جابر. لقد تغيرت هذه المدينة كثيراً.. ابتسم صديقي وهو يقول: حقاً إنها مدينة جميلة وبها من المرافق ومظاهر الحضارة مايفرح القلب. ونحن نعتز ببلادنا الجميلة وقد حققت قفزات كبيرة في مختلف النواحي، ثم أردف قائلاً: ـ أما حان لنا أن نستريح..؟! ـ كما تريد يا دكتور. بعد فترة قصيرة كانت سيارة الدكتور جابر متوقفة أمام مقهى على شاطئ المتوسط وينزل منها الدكتور جابر ورجل شارد الذهن هو أنا جلسنا نتابع موجات البحر تداعبنا النسمات العليلة المنعشة، ورحت أحدق إلى الأفق البعيد وموجات البحر تتلاطم مقتربة من الشط وتعود كأنها تداعب رمال الشاطئ. لاشك أنها ترتبط وهذه الرمال بصداقة قديمة وغير بعيد عنا كان بعض الأطفال يشمرون ثيابهم قليلاً ويمشون على الشاطئ فرحين بوضع أرجلهم الصغيرة بملامسة أطراف الموج وهم أشبه بعصافير في بساتين الربيع.. آه كم هم سعداء وهم يبنون ويهدمون بيوتهم.. الصغيرة من رمال، وما أروع صيحة سمعتها من أحد هؤلاء: "إن بيتي أجمل بيت أتحداكم.. أتحداكم".. ويلوح بيده علامة الانتصار كما تدل بشائر وجهه وكأنه معماري ماهر قد فرغ من بناء أعظم أهرامات الجيزة..ولم أترك مراقبة الصغار إلا بعد أن طرق الدكتور جابر طرقات خفيفة على الطاولة.. ـ إيه أين تسرح يا صاحبي؟ ـ إني أراقب هؤلاء الصغار يا دكتور.. ـ وتترك صديقك وحده سامحك الله يا محمود.. ـ عفواً يا دكتور أراني مشدوداً إلى هؤلاء الصغار أنا أحب النظر إلى الطبيعة والصغار والبحر واللا محدود من هذا الأفق.. بلادنا جميلة يا جابر. ضحك جابر وداعبني بقوله وطيف ابتسامة على شفتيه: تريد أن تنطق بالشعر يا محمود دعك من هذا واشرب.. كأسك وضرب كأسه بكأسي، وارتشفنا الشراب سوية، وهنا سألت صديقي الدكتور: ـ أليست بلادنا جميلة يا جابر؟ ـ بل ورائعة.. إنها أجمل بلاد الدنيا.. ـ أيهما أجمل بلادنا أم بلاد الغرب يا جابر؟ ـ بلادنا ولا شيء أجمل من بلادنا.. لكن؟ ـ لكن ماذا؟ ـ أقصد في أوربة نظام وحضارة أكثر من شرقنا العربي.. ـ ألم تشتق للقرية للوطن يا جابر؟! ـ لقد تركت الوطن منذ فترة طويلة، ولا أخفي عليك صورة الوطن في قلبي ولا يمكن أن أنساها. ولكن؟ ـ دائماً تقول "لكن" هل يعني ذلك أنك تنوي الاستقرار في الغرب؟ ـ هذا ما قررته. ولست العربي الوحيد، بل هناك الآلاف من أمثالي وهم من خيرة الأطباء. ـ وأنت ما هو اختصاصك يا دكتور؟ ـ جراحة القلب. عندها تذكرت موت أخي أحمد بمرض القلب والذي لو توفرت له الإسعافات الضرورية والعلاج في حينه لما فقدته.. تأوهت وأنا أقول: خسارة أن تبقى أنت وأمثالك في بلاد الغرب يا دكتور. هذا خطأ فادح. يجب أن تعود أنت وأمثالك الوطن بحاجة لكل أبنائه.. الضيعة تناديك دروبها.. بساتينها.. ألا تذكر أيام الصبا يا جابر... يوم كنت تحلم ببيت ريفي متواضع.. ولا تنسى أن دخل طبيب مختص هو دخل محترم في بلادنا. انظر إلى هذا الشاطئ كم هو جميل؟ كان جابر ينصت باهتمام إلى كلماتي وكأني نقلته إلى عالم آخر.. صار يحدق مثلي بالبحر والأفق اللا محدود، ويهز رأسه، بينما كان النادل يمد الصحون، وقد انتشرت رائحة اللحم المشوي في وجهي، وأنا أراقب الدكتور جابر مستمراً في تفكيره العميق وهو يخرج لفافة تبغ أشعلها وهو ينظر نحوي وكأنه اتخذ قراراً خطيراً وقد أبلغني قراره الأخير: ـ سأعود إلى الوطن يا محمود.. بلادنا جميلة يا أخي. شاطئنا جميل. لا توجد بلاد في الدنيا أجمل ولا... كدت أطير من الفرح. غمرتني سعادةلا توصف... الكأس ارتفعت بيدي وأنا أشرب نخب صحة صديقي الدكتور جابر.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |