غداً.. يبدأ العـيد - يوسف محمد سلمان

قصص قصيرة من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

متاهات

ضباب الرؤية أنى اتجهت.. مواسم السواد في كل الأرجاء تبحث عن نافذة من نور تصفعك الأقدار بكتل عاتمة تحجب كل شيء. تمضي في متاهات تتشبث بك ترفض أن تنتهي. تحاول أن تبحث في الماضي والآتي عن بصيص من أمل، لكن الذاكرة ترفض أن تتذكر اللون الأبيض. تلملم أشلاءك. مشاعر عديدة تنتابك، الرفض سلاح قوي أحياناً ويعيد الاعتبار للمهزوم، لكنه مزعج في أحايين كثيرة بل ومكلف أيضاً. وأنت كعادتك ترفض الهزيمة كما ترفض الانتصار. تبحث عن ركن دافئ في هذا العالم وكثيراً ما تمضي ولسان حالك يقول وجدت ضالتي المنشودة وجدتها.. وجدتها.. لكن الصفعة تأتيك وأنت تمد يدك لتلتقط النجوم. تتعلق بالوهم من ابتسامة القدر لمجرد رؤية إنسان ما يضحك لك لتكتشف وبعد قليل جداً من التجربة إنها تكشيرة وحش ضار لا أسنان محب أمامك.. سيّئ الظن بكل شيء أنت قد تكون نقطة ضعفك.. قد تكون نقطة قوتك.. من يدري؟! ... في هذه الأيام تتساوى الأشياء تقترب من بعضها كالأجناس الأدبية؛ وأنت شعارك الوحدة أم السلامة. العزلة رأس الحكمة هذه الأيام. انعمْ بجحيمك الأبدي بعيداً عنهم أنت لا تثق بهم. قد تكون أحكامك قاسية..‏

ـ سيان.. متاهات دائمة تساوى فيها كل شيء بأي شيء، إذ لم تعد للألوان دلالاتها وأنت تمضي من أين إلى أين ما العمل؟! ...‏

***‏

صيف ولا أجمل، شمس دافئة ولا أروع شواطئ ساحرة. تلال من صخور. رمال من ذهب ولا أبدع. إنه جمال الضيعة جارة البحر. وأي جمال يضاهيه جنة الله على الأرض. أناس طيبون كما الأرض الطيبة.. نبع الضيعة ينسال رقراقاً لينشد أحلى المواويل. أطفال في عمر الزهور يزيدون الجمال جمالاً. هذه الأرض الطيبة لا تعرف الجدب.. خضرة في الصيف وفي الخريف. في الشتاء وفي الربيع.. آه كل الفصول ربيع.. شباب وصبايا... نساء وشيوخ في قلوب الشباب... صغار ومواسم فرح لا تنتهي... قطعة من أرض الله..‏

هادئة لم تدنسها آلة الحضارة ودخان المعامل. جبال صنوبر يحج إليها أهل المدن جماعات وفرادى لرؤية السماء عن قرب. أرض طيبة كما هي طباع الريف. تفتح جناحيها لتحتضن الغريب قبل القريب.. كل الناس سواسية الهواء للجميع، والماء بلا فواتير وأروع لحظات العمر...‏

*‏

لا تخطئ.. قال العرَّاف.. هذا آخر زمان ويظهر الأعور الدجال. المال والأشرار آلهة هذا العصر. الصداقة كذبة. المحبة أسطورة من الماضي البعيد.. حبوب المحبة مفقودة من صيدليات هذا القرن العشرين. أمامك طريق صعبة عليك يا ولدي أن تفتح عينيك النفس أمارة بالسوء، والاختيار صعب.. إنه الامتحان.. هذه الأيام كل الطرق تقود إلى الهاوية.. إن تصعد تقع إن تنزل تقع.. بئر واسعة مالها قرار وأنت تسمع كلامه حتى الأخير.. كل الطرق مسدودة أمامك. تقول في سرك أصاب الحقيقة. أو نصفها كلها.. أو بعضها.. لا أحد يدري هذا آخر زمان، ويأتي المنقذ.. يأتي المسيح كي يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت جوراً وظلماً. المال والأشرار آلهة العصر، الأشرار في كل الاتجاهات. المشكلة قديمة مذ قطفت حواء التفاحة. الحيّة دلتها عليها، وكان ماكان... الصداقة كذبة تراجع حساباتك وتمضي في متاهات الرؤية. لا ضوء.. لا شموس في هذا العالم. السواد في كل الاتجاهات خيوط السواد تمتد. وتمتد.. ورأس يكاد ينفجر.‏

*‏

ابتسمت شمس الصباح. وزعت نورها شرقاً وغرباً.. رائعة هي الشمس.. رائعة مواكب النور... جميلة دروب القرية تغص بالحجاج إلى الحقول.. النور يملأ كل مكان.. هي دعوة إلى الفرح لا تقاطعها.. قرِّرْ أن تعيش بفرح آه... ما أروع مواسم السعادة..‏

*‏

هيثم الصغير أمامك.. يرسم يخربش ماطاب له.. هذه طيارة بابا... هذه دبابة.. وهذه حمامة.. سأكون طياراً يا بابا وضابطاً كبيراً أحمل النجوم الكثيرة ويمد يده الصغيرة إلى كتفيه.. سأكون مهندساً، بل سأكون طبيباً.. أدهم ابن الدكتور عابد يلبس ثياباً جديدة دائماً لأن والده طبيب... سأصبح طبيباً أنت يا بابا لا تجلب لنا شيئاً... في بيت أدهم أشياء كثيرة ساحرة.. لعب.. أراجيح... جميلة، وأبوه يأخذه في السيارة كل يوم جمعة حكى لي أدهم أنهم يأكلون السمك الشهي والموز والحلوى اللذيذة أنت بخيل يا بابا وتكمل أخته الصغيرة:‏

ـ لماذا لا تجلب لنا يابابا مثلهم؟ قل لي سوف أجلب...‏

وتجيب أحلى طفلة في الكون: نعم.. نعم سأجلب لكم كل شيء.. ويكمل هيثم:‏

ـ سيارة.. وعمارة.. وموز.. وحلوى.. وثياب جديدة.. ودراجة وقطار....‏

ـ نعم.. نعم..‏

ـ احلفْ يا بابا..‏

ـ خلص سأجلب كل ما تريدون صدقوني تكرم عيونكم...‏

ـ احلف بالشيخ حمدان..‏

وتحلف إذ لا مهرب من اليمين الكاذبة..‏

وينتهي المشهد.. عذراً يا شيخ حمدان إذ لابد من اليمين حتى تسكت الأفواه الصغيرة.. تابع سهرتك.. تابع مسيرة الاحتراق.. هذا هو اليوم العاشر من الشهر.. مافي جيبك لا يكفي لثلاثة أيام فقط.. أبواب موصدة أمامك.. نزيف مزمن تعانيه في الجيب والروح على حد سواء. أنت لم تعد أنت. شارد بين الموت والحياة. تشتهي أن تقطف النجوم لتقدمها لأحلى أطفال في الكون.. لكن الحقيقة هي الحقيقة. بعد ثلاثة أيام فقط يا أستاذ عادل عاجز أنت عن تقديم رغيف الخبز.. فكيف بالسيارة والحلوى.؟!..‏

أنت.. أنت.. الأستاذ عادل رجل طويل وعريض... نصف قرن مضى من عمرك وقد يعجب بك من يسمع حديثك.. ومنهم من يصفك بالحكمة وبعد النظر تجربة ثلث قرن يا أستاذ عادل وأنت تعد الحروف الأبجدية.. ثلث قرن وأنت تعيد الكلمات نفسها.. أجيال وأجيال مرت عليك، وأنت مثل السلّم يصعد عليه الصاعدون، ويهبط النازلون.. طلابك يركبون السيارات الفارهة.. يسكنون البنايات الضخمة، وبعد ثلاثة أيام فقط تعجز عن جلب رغيف الخبز لأطفالك يا حضرة الأستاذ عادل؟!...‏

هيثم وأخته وبقية الأولاد يريدون ويشتهون سيارة ودراجة وموزاً وحلوى.. وقد أقسمت لهم بالشيخ حمدان سوف تلبي كل المطاليب وتسود الدنيا أمام عينيك.. المدير يطالبك بدفتر التحضير بعد تجربة ثلث قرن في التربية والتعليم...‏

المدير نفسه... ليته يفهم الدروس وتحضير الدروس كما تفهمها أنت.. تابع يا أستاذ عادل عدَّ الحروف الأبجدية. فكر بهيثم وأخوته.. لا تنسَ دفتر التحضير. جولة الموجه التربوي قريبة... لا تنس وعودك.. أنت تدعي أنك تعلم الأولاد الصدق.. كن صادقاً مع صغارك... مع وعودك... وتشعل السيجارة العاشرة في هذه السهرة. ضباب الرؤية أنى اتجهت.. مواسم السواد الحالك في كل الأنحاء، تبحث عن نافذة من نور.. تصفعك الأقدار.. ودولاب الزمن يمضي.. خريف العمر يقترب، وأحلام تهرب بعيداً.. ضباب وسواد.. مواسم خوف وجدب وجوع.. متاهات لا تكاد تنقضي.. وتابع السهرة يا أستاذ عادل... ‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244