غداً.. يبدأ العـيد - يوسف محمد سلمان

قصص قصيرة من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

حصان من ضوء

ثمة خيوط من ضوء تحاول شق طريقها في متاهات لا متناهية. جحافل الظلام تصنع أشباحاً ودوائر خوف تكبر وتكبر. ظلمة الضّباب بشعرها الكثيف تخيّم على كل شيء. خيوط الضوء ترفض أن تستسلم. تتراكم كتل من سواد تعلو وتهبط تمد مساحة سيطرتها لتحجب كل الرؤى. خيوط الضوء تحاول أن تتسلل عبر السحب المخيفة. ثمة عصافير كانت تصلي في أعشاشها أن تأتي خيوط الصباح لتكبر مساحة الضوء، في حين كانت جحافل الظلام مستمرة في غزوها المخيف، وهي تتسلح بسحابة من الغازات السامة المزودة بالكمية الكافية من الغاز الخانق. وشوشت الطيور في الخفاء. احتارت الفراشات في الدروب التي تسلكها. ثمة طفل صغير ارتمى في حضن أمه.‏

كان يود لو يسمع حكاية جديدة كما هي العادة كل مساء وعندما طالب أمه بالحكاية تمهلت قليلاً. همس في أذنها..‏

ـ أنا خائف يا أمي..‏

حاولت الأم أن تهدئ من روعه. حاولت أن تجمع له مفردات من المهدئات والمنومات كالعادة، لكن مهمتها كانت صعبة هذه المرة وتكاد تكون مستحيلة.‏

أجواء الصمت كانت تسيطر على كل شيء. الصمت مخيف تماماً كالليل. شعرت الأم بتسلل جيوش الظلام والصمت إلى غرفتها، بل إلى سريرها مع الصغير حكت له حكاية عن الرجل الطيب وابنته الجميلة الذكية، ووقوفها بوجه المارد الجبار الذي حاول أن يقتل كل الأطفال ويغتصب النساء. خاف الطفل من المارد تخيله وهو يقتلع باب البيت ويمسك به من حضن والدته ويقضي عليه بضربة واحدة كعادته مع ضحاياه، ثم يفعل ما يشاء في بيتهم الصغير.‏

التصق أكثر بوالدته. كانت النافذة الصغيرة الوحيدة في غرفته تسمح بتسلل شعاع ضعيف من الضوء. الوالدة تتابع الحكاية. كان صوتها خافتاً يعكس الخوف الشديد الذي يخيم على بيتهم الصغير. كانت تحكي وهي تضم صغيرها بذراعيها دوى انفجار قوي على مسافة قريبة من الدار. كان صوت الانفجار كافياً لإسكات جميع الأصوات. وتوقف الأم حكايتها. أجواء الترقب والقلق تغلب على كل شيء. جيوش الظلام مخيفة، والعفاريت تنشط في الظلمة. العفاريت تدمر كل شيء، وهي لا تستطيع الحركة في ضوء الشمس، ودائماً تخبئ كل جرائمها إلى الليل تناهى إلى سمع الصغير أصوات عويل وصراخ واستغاثة. لابد أن العفاريت يدخلون بيوت الجيران وهم في طريقهم إلى داره.‏

لو أن مصابيح الشارع مضاءة لما استطاعت العفاريت الدخول إلى هذه القرية. قال الصغير في سره. خاف أن يشعل عود ثقاب فتستدل العفاريت على فراشه. ويقتلونه ويقتلون والدته بعد أن يفعلوا أشياء أخرى كعادتهم. حاول أن يصيح ويطلب النجدة من والده، لكن الوالدة أخبرته بموته وأنه انتقل إلى العالم الآخر بعد أن أمضى جلَّ حياته في محاربة العفاريت حتى أمسكه المارد ذات ليلة، وخنقه بضغطة قوية على عنقه، ثم ألقى به في قاع بئر وأخفاه إلى الأبد. مواقف الرعب تتصاعد. هدير.. صراخ.. ضجيج يقترب.. ازداد خوف الصغير تسارعت دقات قلبه. لم يعد همه أن يسمع بقية الحكاية من والدته، بل أصبح يفكر بطريقة مجدية للقضاء على العفاريت. تمنى أن يجتمع أهل القرية ويهجموا على أوكار العفاريت يدمرونها.. شعر بخيبة مريرة لأن سكان قريته على خلاف، وأهل الحارة الغربية على خلاف قديم مع أهل الحارة الشرقية، بل هناك من يحكي أن شيخ القرية والمختار يرتبطون بعلاقة وطيدة مع العفاريت، ويوصلون لهم كل الأخبار دسَّ رأسه في فراشه. اختبأ تماماً. طقوس الظلام تشتد. أوصى والدته أن لا تحكي حتى لا يسمعها العفاريت. ترك فتحة صغيرة من الغطاء تسمح لأنفه أن يتنفس ولإحدى عينيه أن ترى، لينظر بها باتجاه الشعاع الداخل من النافذة الصغيرة والوحيدة التي يدخل منها الضوء.‏

تولد لديه إحساس قوي أنه في منأى عن الخطر مادام هذا الخيط من الضوء، بل وأنه سيموت وينتقل إلى العالم الآخر بجوار والده في قاع البئر في حال اختفاء الضوء.‏

تصور المارد واقفاً على باب منزله، وهو يحاول فتح الباب، وبعد قليل يطوقه بذراعه القوية ثم يخنقه ويرميه في قاع سحيق مثل والده. اشتهى أن يرى أباه..‏

اشتهى أن يسمع صوته ويناديه. كل الأولاد لهم آباء وينعمون بترديد كلمة "بابا" إلا هو سحابة حزن وسيل دموع بلل الوسادة من هذا الشعور.. سواد الليل مستمر في طقوسه خاف أكثر. جفف دموعه تمنى لو يصبح شاباً قوي الجسم، ويملك مصباحاً كمصباح علاء الدين السحري، ليدعو العبد الخادم ويأمره بأن يقضي على كل العفاريت.‏

ثمة اهتزازات قوية كان يشعر بها لاشك أن جحافل العفاريت تتقدم لم يخف على نفسه فقط، بل خاف على والدته، وشعر أن من واجبه وهو الرجل في البيت. أن يحمي أمه الضعيفة هذا واجبه بكل تأكيد بعد غياب والده، وعليه أن يقوم بواجبه خير قيام.‏

رسم في مخيلته خطة ناجحة. حمد الله أنه توصل إلى هذا الحل الوحيد الذي يحميه ويحمي أهل القرية وكل الطيور التي يحبها.. توصل إلى نتيجة مؤداها أنه لا يمكن طرد العفاريت واللون الأسود بدون طاقة كافية من النور. قرر أن يسلك طريقاً توصله إلى منابع الضوء.. انتفض كالأسد حدق ملياً باتجاه النافذة. رفرف بجناحيه الصغيرين، طار قليلاً. وضع رجله الصغيرة على متن الشعاع الذي تحول فجأة إلى حصان أبيض منسوج من خيوط الضوء.. حدق نحو الأمام. تقدم قليلاً بعد أن ركب مركبة النور.. اتسعت دائرة الضوء هجمت عليه جحافل من الكتل السوداء. اقتطع عصاً من نور، وراح يضرب بها يميناً وشمالاً. زقزقت مجموعة عصافير. خرجت من أعشاشها. انضمت إلى جيوش النور، رأى منبع الضوء.. اقترب منه، جلب كمية من الزيت. وضعها في قاعدة المنبع الضوئي. ازداد الاشتعال تشجعت مجموعة خلايا ضوئية، وهاجمت بيوت الظلام، رأى بأم عينيه مجموعة عفاريت بشعورها المسترسلة وهي تشبه جبالاً من ضباب أسود. كان يدير المعركة بكل نجاح. جيوش السواد تنهزم. زاد وهج المنبع الضوئي. تشجعت خيوط الفجر في التقدم. تقهقر اللون الأسود رويداً رويداً.. وعندما بزغت الشمس من خلف الجبل المقابل. كانت والدته تمد يدها إليه بلطف. شعر بنعومة ودفء شفتيها وهي تطبع قبلة الصباح الأولى على خده الوردي وهي تقول:‏

-قمْ يا حبيبي.. تأخرت في نومك..‏

فتح عينيه.. حدق بوالدته مليّاً ليطمئن على سلامتها وهو يقول:‏

-لقد انتصرنا يا أمي.. هربت العفاريت هيا أكملي لي الحكاية..‏

-بعد أن تعود من المدرسة يا حبيب أمك..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244