|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:53 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ذات ليلة -دكتور أرجوك. قل لي.. أوضح كل شيء.. -قلت لك أسرعي واطلبي سيارة أجرة لا وقت للانتظار. أمك في حالة خطيرة النزف شديد هي بحاجة مشفى. وكتب الطبيب بضع كلمات ممهورة بخاتمه. كانت كتابته غير مفهومة مثل كتابة الكثير من الأطباء فقد كتب على الورقة بسرعة. حاولت فك الرموز قرأت: "تحال السيدة.. إلى المشفى هي في حالة خطيرة، ووقع الطبيب بأسفل الورقة.. كان الوقت ليلاً، ومع ذلك ورغم خوفي من الليل فقد كان خوفي على والدتي أكبر. والدتي كانت تمنعني من المشي ليلاً خوفاً من القيل والقال وحرصاً على ابنتها التي تحبها، واليوم أخرج وحيدة دون خوفٍ من أمي بل خوفاً عليها. علي أن أسرع بدون تردد. لا أدري كيف هرولت إلى بيت أبي جاسم فهو الوحيد الذي يملك سيارة في قريتنا وكالمجنونة صحت: -عمي أبو جاسم، عمي أبو جاسم.. ولا أدري كيف وصل صوتي إلى أبي جاسم، لكن رأيت الرجل يخرج بسرعة تناسب لهفة صوتي المستغيث ويقول: من؟!. سلمى. ادخلي يا بنتي خيراً إن شاء الله. ماذا جرى لك؟. -أمي.. أمي في حالة خطر أرجوك يا عمي أسرع وانقلها إلى المشفى. وكان أبو جاسم كما ظننت فقد أسرع الرجل وبأسرع مما توقعت كانت سيارته أمام دارنا، وحقيقة الأمر كانت المرة الأولى التي أرى فيها سيارة تقصد دارنا. نحن فقراء لا يأتي أصحاب السيارات إلى بيوتنا. صحيح أني قلقة لمرض أمي ونقلها إلى المشفى ولكنني في حقيقة الأمر ومع تعاسة حالة أمي كنت فرحة لأنني سوف أركب السيارة للمرة الأولى في حياتي. لم ألبس ثيابي الجديدة، ولم أراقب وجهي في المرآة، أو أضع شيئاً من أدوات الزينة... تعاونت أنا وأبو جاسم في حمل أمي إلى السيارة كانت خفيفة الوزن، فقد أنهكها المرض.. خفت كثيراً وأنا أرى الدم الأحمر ينزف منها.. يا إلهي لم يبق في عروقها نقطة دمٍ واحدة.. كانت تتمتم بالدعاء لي ويختلط الدم النازف بالدموع على خديها.. فيعتصر قلبي من الأسى.. آه يا ربي هل تموت أمي وتتركني وحيدة؟. دخيلك يا شيخ عثمان لا تترك أمي تموت.. نذراً علي أن أزورك حافية وأشعل البخور على ضريحك الشريف.. يا رب سأصوم شهراً كاملاً وأطعم ستين مسكيناً إذا تعافت والدتي. يا رب تشفيك يا أمي بشفاعة سيدي الشيخ عثمان... خيم الظلام على الكون.. كانت أضواء السيارة تنتقل من مكان إلى مكان.. قطعنا تخوم القرية دخلت بنا السيارة قرية الريحانية وعدة قرى أخرى. السيارة تقترب من المدينة.. يقولون أن المدينة كبيرة وهذا صحيح.. في المدينة زحام شديد، والناس في هذه المدينة لا ينامون. لا ينامون إطلاقاً والدليل أن الشوارع تغص بالمارة. الطريق مليء بالناس لدرجة أن عبور الشارع يستهلك وقتاً طويلاً. أنا أريد من السيارة أن تطير فوق الناس. التوقف عند الإشارات الضوئية يزعجني.. أحب أن أصل المشفى بسرعة. أمي في خطر شديد... الشوارع ملأى بالبشر.. رجال.. نساء.. شباب.. صبايا.. الزمن صيف.. النساء هنا في معرض لأجسادهن الممتلئة بدون حشمة الوجوه تلمع بالمساحيق، ومنهن من يحاولن الظهور شبه عاريات، لو كانت أمي بوعيها لبصقت وتأففت من بنات هذه الأيام. واحدة منهن أحسدها لقوامها لفستانها الرائع لشعرها الأشقر الجميل. السيارة تشق طريقها وألمح شاباً وفتاة في غاية الأناقة يمشيان وقد تشابكت يداهما والسعادة واضحة في وجهيهما.. آه كم كانت أمي تحلم أن تراني في بيت الزوجية أمشي وعريس المستقبل لتفخر به وتقول: هذا صهري. ودائماً كانت تقول لي: "كم أنت جميلة ورائعة..؟!" يا حبيبة أمك. يا رب ترزقك الستر يا بنتي". أمي تتأوه.. تنزف وأنا أمزق الكثير من محارم الورق لأمسح لها الدماء النازفة. أمي تحبني تعبدني، وأنا ابنتها الوحيدة.. مات أبي وعمري ثلاث سنوات. كانت صبية يوم وفاة والدي، تقدم إليها أكثر من خاطب. رفضتهم جميعاً بإصرار وقالت: سلمى ابنتي سأعتني بها. ابنتي الوحيدة لا يمكن أن أقهرها في بيت زوج غير أبيها. سأتركها حرة. ابنتي سلمى عندها إرث يكفيها.. لسنا أغنياء لكن ساترها الله... كانت تضمني إلى صدرها وتشبعني من القبل والحنان، وتحكي لي أجمل الحكايات، كانت تلعب معي وأنا صغيرة مثل طفل في سني، وتعمل كل ما من شأنه أن يريحني، كانت تعتني بهندامي حين الذهاب إلى المدرسة. تمشط شعري تلبسني الفساتين الجديدة.. لا تريد أن ترى بنتاً في الضيعة أجمل مني، حتى ولا أولاد مدير المدرسة أو المختار. كانت أمي تحتفل بعيد ميلادي تمرح، تضحك رغم مسحة الحزن التي تلازمها كل حياتها خاصة عندما تكون جالسة لمفردها في الواقع كانت حزينة في أعماقها ولا تريد أن تشركني في أحزانها. أمي كانت تحلم نعم تحلم عني وعنها في آن واحد، فقد كانت تراني روحها ومستقبلها وحياتها باعتباري ابنتها الوحيدة. ولا يمكن أن أنسى فرحتها بنجاحي في الشهادة الثانوية لقد كادت تطير من الفرح لاسيما وأن علامتي هي الأعلى في القرية.. قبلتني بنهم. تساقطت دموع الفرح على خديها.. وزعت الحلوى للجيران هي فخورة بي، تحب العلم وتقدره وتشجع عليه رغم أنها لا تعرف القراءة والكتابة. كانت تحلم بمستقبلي وتراه مستقبلها.. مسكينة أمي كانت تعيش على أحلامها، يا رب هذه هي أمي... يا رب لا تتركها تموت.. يا رب. كانت الدماء أغزر أن توقفها علبة محارم/ كان النزف خطيراً. كانت حرارتها مرتفعة كان الدم النازف ساخناً... يا إلهي لم يبق في عروقها دماء. توقفت السيارة ليقول أبو جاسم: -هذا هو المشفى الحكومي. سألنا ممرضة كانت أمام البناء عن قسم الإسعاف فأشارت بيدها. ساعدني أبو جاسم في حمل والدتي في حين هرع إلينا أكثر من ممرض من قسم الإسعاف. أبصرت أحد الأطباء يعالج طفلاً صغيراً. ركضت إليه كالمجنونة. -دكتور، دكتور.. دخيلك أمي تموت.. بارك الله فيه من طبيب. لقد أسرع وصاح بإحدى الممرضات أن تساعده... طلبوا مني أن أقف خارج الغرفة. قالت الممرضة: -لا تخافي أمك سليمة الحمد لله يا آنسة. وطلبت مني اسم أمي وعمرها وعنوانها. أعطيتها المعلومات المطلوبة في حين كانت أمي قد استلمت السرير المخصص لها. كان أبو جاسم لا يزال منتظراً النتيجة، وسألني إن كنت بحاجة لشيء ما.. شكرته، وقلت له: اذهب سأبيت عند والدتي الليلة.. بعد قليل استراحت والدتي قليلاً ونظرت إلي وقد اغرورقت عيناها بالدموع. -سلمى لا تخافي يا سلمى.. أنا بخير. -الحمد لله يا ماما. -حتى لو متُّ يا بنتي لا تحزني.. -أرجوك لا تقولي هذا يا ماما. أرجوك وغصصت بالبكاء. ضحكت والدتي وهي تغالب الدموع في عينيها لتقول: -أنا صحيحة مئة بالمئة وأردفت مازحة وهي تمد يدها النحيلة: -هل تردين يدي يا سلمى؟. أتحداك. -ربي يخليك يا ماما. همست في أذني الممرضة: والدتك بحاجة نوم.. اتركيها... تركت والدتي تنام. كنت أراقبها بين الفينة والفينة خوفاً أن يقع لها مكروه. كان نومها متقطعاً وكانت تستيقظ حين أقترب منها. كانت تتنفس بصعوبة، وكأن حجراً على صدرها.. أخبرت ممرضات القسم.. أجابتني إحداهن: أن الطبيب المختص يأتي في الصباح ولا نستطيع فعل شيء في هذا الوقت المتأخر من الليل، عدت إلى والدتي، وحين جلست قربها تحركت قليلاً.. بدت لي وكأنها تحكي في نومها... -أمي هل شاهدت حلماً؟.. -سلمى أنت هنا يا بنتي.. لماذا لا تنامين؟! -سوف أنام يا أمي، وأنت أخبريني عنك -أنا بخير يا سلمى.. لقد رأيت والدك اليوم.. أنا بخير يا سلمى. كان صوتها متهدجاً. متقطعاً، الهدوء يخيم على كل شيء في هذا العالم، طلبت أمي كأس ماء، ناولتها الماء. شربت أمي كانت متعبة جداً. أنا خائفة. قلقة كنت أحلم بشفاء أمي، وأتصور شقائي إذا رحلت عن هذا العالم وتركتني وحيدة. مدت يدها النحيلة نحوي. أشارت لي أن أقترب منها أكثر، لتطبع قبلة طويلة على وجهي. -خلي بالك من نفسك يا سلمى. لا تحزني يا بنتي.. شهقت شهقة واحدة.. وأسلمت الروح. -أمي.. أمي.. ولا مجيب.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |