غداً.. يبدأ العـيد - يوسف محمد سلمان

قصص قصيرة من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ســــــــحر

غرفة عادية وسرير واحد فقط.. الثياب موضوعة على مشجب.. تقويم سنوي معلق على الحائط.. آلة تسجيل على الطاولة، وإلى جوارها مجموعة كتب.. مجلات.. جرائد.. موضوعة بشكل غير مرتب.. ثلاث كراسٍ فقط.. هذه هي غرفتك يا أستاذ محمد. أما المطبخ فذاك شأن آخر. أكياس بسيطة من مؤونة الرز والسكر والملح والجبن والزيت، إبريق شاي مجموعة كؤوس صغيرة، طاولة خشبية تحمل موقد غاز، تحت الطاولة كيس قنب يحوي كمية من البطاطا، وعلى الطاولة ثلاث بيضات فقط.‏

هذا هو المطبخ يا أستاذ محمد.. صحيح أنه مطبخ صغير، ولكن تنظر إلى واقع الحال بعين الرضى، وترى نفسك في موقع ممتاز تجاه كثيرين أمثالك لا يملكون غرفة أو مطبخاً.‏

محتويات المطبخ بسيطة ومن النوع السهل في التحضير. هي بسيطة رخيصة الثمن..‏

على أية حال أنت مخطط بارع يا أستاذ محمد.‏

وتحسب ألف حساب، ومن أجل ذلك تكتفي من الطعام بالمعلبات وبعض الأطعمة التي لا تحتاج إلى الكثير من المهارة في الطهي..‏

لذلك قلما يمر يوم لم تتناول فيه البيض مسلوقاً أو مقلياً وإذا تحسنت الأحوال تأكل البندورة أو البطاطا. وجبة طعام الفطور في أحيان كثيرة تكون من نوع وجبة طعام العشاء هذه هي أهم المأكولات التي تحسن طهيها يا أستاذ محمد. ومع ذلك بحمد الله صحتك جيدة. تكفيك الطبيعة التي تقدم الشمس والهواء دون فواتير. وبالمناسبة أنت لا تؤمن بالقواعد الصحية والغذاء المتوازن تلك أمور تقرأ عنها في الكتب، وأنت تعرف جيداً يا أستاذ محمد أن المعلومات الموجودة في الكتب غير صالحة على الأرض، أو كما يقول صاحبك أبو جميل:‏

-"كلام جرائد".. على أية حالة أنت تقنع بالقليل في كل شيء..‏

"اقنع بالقليل وأنت حر".. ومن حسن الحظ يا أستاذ محمد أنك لا تستقبل في بيتك الكثير من الضيوف. هم قلة.‏

وفي حال وجود هؤلاء الضيوف فإنك لا تشعر أمامهم بأي إحراج. إنهم يشبهونك في تصرفاتهم وقناعاتهم، بل وطريقة حياتهم، وشيء آخر معظم هؤلاء الضيوف من جنس الرجال.‏

لوجودك وحيداً في بيتك دون زوجة أو أخت أو والدة يمكن أن تزورها واحدة من بنات جنسها، وأنت يا أستاذ محمد رغم كونك عازباً، فأنت بعيد عن نزوات الشباب.. أنت شاب رصين عاقل لا تتبع الفتيات كما يفعل أبناء الشارع أنت رجل عاقل لدرجة أنك لم تمر حتى هذا التاريخ بأية تجربة عاطفية. علماً أن سني عمرك قد جاوزت الثلاثين سنة أنت يا أستاذ محمد عاقل لدرجة أنك لم تعشق طيلة هذه المدة، ولم تحدث أية امرأة عن أحاديث العشق والغرام أو على الأقل لم يسمع الناس عنك حادثة عشق واحدة، وهذا أمر عجيب هذه الأيام حيث نشهد فائضاً في سوق البنات الجميلات..‏

لقد تربيت تربية أخلاقية محافظة، وحافظت على هذه التربية رغم مظاهر التحرر التي نشهدها هذه الأيام، ولكن أن تقول يا أستاذ محمد أنك لم تعشق امرأة طوال هذه المدة اسمح لي أن أقول لك هذا كلام غير صحيح واعذرني على الوضوح الذي لا ترغبه.‏

في كلامي. أنا أعرف أنك أحببت أكثر من مرة وملت إلى أكثر من فتاة، بل وأعجبتك أكثر من حسناء. وكنت تتمنى أن تفصح عما في أعماقك، ولكن بقي الحب من طرف واحد على ما يبدو دون أن يشعر بك الطرف الآخر يا أستاذ محمد وقد تكون هذه خطيئتك.. ألا تتذكر يا أستاذ محمد "سحر" ابنة أم هيثم؟!‏

هل تستطيع أن تكذب علي.. ألم تعشق سحر يا أستاذ محمد؟!.‏

وحتى نقول الصراحة يا أستاذ محمد.. لقد عشقت سحر وغرقت في الحب حتى أذنيك.‏

لكن قل الحقيقة يا أستاذ محمد قل: أنت جبان، نعم جبان لدرجة أنك لم تجرؤ أن تطرح الموضوع لا لسحر ولا لأهل سحر، حتى ولا بالتلويح. علماً أن سحر تحترمك وأهلها أيضاً، وبيتهم مفتوح أمامك في أي وقت تشاء.‏

وبقيت طوال هذه المدة جباناً. بل وتخجل أن تنظر إلى سحر نظرة إعجاب معبرة.‏

رغم أن في حديثها السحر وفي جمالها ما ينطبق على اسمها، وأعتقد أنك ما إن تسمع بهذا الاسم يا أستاذ محمد "سحر" حتى تضطرب ويخفق قلبك ويحمر وجهك.. يا للأسف يا أستاذ محمد. لقد ذهبت سحر وتزوجت. بعد أن طلب يدها رفيقك أسعد سائق السيارة علماً أنك أقدم منه في بيت أم هيثم، ورغم أنك كنت من المقربين أكثر منه بكثير.‏

سحر الذكية الرائعة تتزوج من أسعد الطائش.. لماذا لا يتزوج الطائش من طائشة.. أنا واثق أنها قبلت به لأنه يملك سيارة. وأمها تقف مزهوة وهي تقول:‏

-سافرنا بسيارة صهري، ورجعنا بسيارة صهري. وصهري أسعد ماهر بقيادة السيارة ولا تترك أم هيثم حديث أسعد وسيارة أسعد. إنها امرأة تحب الثرثرة كثيراً.‏

وبعد زواج سحر كان الألم يا أستاذ محمد ولا بأس أن يبقى هذا الألم حسرة في قلبك يا أستاذ محمد.. لكن أشكر الله أن أحداً لم يعرف أنك كنت تحب سحر ولذلك أحسنت عندما حضرت الاحتفال ولم تظهر عليك علامات الحزن والندم إنك رجل ذكي يا أستاذ محمد، وقد يصورك البعض أنك إنسان ناجح بشكل ما ولا عيب فيك إلا أنك فقير الحال، وقد يكون هذا أكبر العيوب حسب مقاييس الناس هذه الأيام أنا أعرف أنك حزين يا أستاذ محمد وتشتاق أن تضم فتاة جميلة سحر أو غير سحر. ولكن.. "العين بصيرة واليد قصيرة". ينقصك المال الكافي.. آه يا أستاذ محمد لولا الفقر لطلبت يد سحر. لكن أنت تعلم أن صنعة التعليم غير مربحة هذه الأيام، ولا شك أنك تحسد السائق أسعد الذي لم ينل الشهادة الإعدادية. ما فائدة العلم يا أستاذ محمد. ما فائدة قراءة الكتب وكل دواوين الشعراء؟!. كل ما قالوه وما لم يقولوه لا يعادل ابتسامة سحر عندما تتكلم سحر تتكسر اللآلئ. ذكية جميلة.. ورائعة. وأنت تعرف اليوم يا أستاذ محمد أن مقود سيارة أسعد أفضل من كتب الأرض أسعد الذي لم يقرأ كتاباً يفوز بسحر بل وأضحت ملكاً من أملاكه مثل سيارته.‏

أمامك حل واحد يا أستاذ محمد أن تبحث عن فتاة أخرى تنسيك سحر. البنات كثيرات وهذا أمر غير صعب يا أستاذ محمد..‏

لكن المشكلة.. المال.. الأثاث.. الطلبات.. قد تحل مشاكلك ورقة رابحة في اليانصيب.. تربح الورقة أم تتابع قراءة الكتب والمجلات يا أستاذ محمد؟!..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244