|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
سهرة ومسلسل وشاعر -لا أدري لماذا يسيطر علي شعور قوي بالكآبة يعزلني عن أقرب الأشياء إلي.. اعذرني أيها الصديق. اعذرني يا أخي، إذا لم أفهم كلمة واحدة من حديثك. بودي أن أكون معك، ولكن اعذرني أنا لا أستطيع أن أفهم كلامك... -ألم تحضر المسلسل؟. -أي مسلسل؟ -لي أكثر من ساعة أحكي لك عنه وأنت تومي برأسك كالموافق. -صدقني أنا لم أسمع كلمة واحدة من كلامك. تحكي أنت عن مسلسل الحياة أم مسلسل التلفاز؟!. -بل التلفاز.. أليس أداء البطل رائعاً إنه ممثل قدير استطاع ببراعة أن يترجم خلجات النفوس، بربك ألا تشعر كأنه يحكي عنا؟.. -ممثلون. -صحيح ممثلون، لكن ناجحون ليس من السهل أن يؤدي الممثل دوره بنجاح. -يكذبون. -قد يكون الكذب طريقة لإيصال الحقائق إلى الناس. -سأكون صريحاً معك. قبل قليل كنت أمثل أمامك.. أشعرك أني معك وأتابع حديثك. أومي لك برأسي علامة الإيجاب، وفي الحقيقة لم أسمع منك كلمة واحدة. أنت في واد وأنا في وادٍ. -أيعني ذلك أنك لست من هواة المسلسلات؟. -أنا أحب لعبة كرة القدم.. لعبة كرة القدم لعبة رائعة وعريقة.. -بعد قليل تبدأ المباراة. طفل صغير يقطع سلسلة الأفكار. الشاشة الصغيرة تتابع عرض لقطات من مسلسل يحبه الضيف.. الصغير يبكي.. نظرات زوجتي توحي أنها متضايقة أكثر مني من وجود صاحبي. هذا الرجل لا يحس بمن حوله.. تذكرت كل ما سمعت وقرأت عن الضيف الثقيل. الشاشة تعرض منظراً مرعباً. طفلي يرفض أن ينام. جو البيت غير مألوف. سهرة زادت عن اللزوم فات موعد نوم الصغير. الشاشة تتابع العرض. ثمة رجل يمثل دور الشرير يحمل مدية. يشبّح بها رأس الضحية غدراً بكل وحشية. منظر الدماء والقتل مرعب للكبار وللصغار.. الصغير يلتصق بي خوفاً، وهو يصيح: بابا.. بابا.. ويشير نحو الشاشة.. الضيف الثقيل يتابع حديثه: -هل سمعت آخر الأخبار؟. -لا. -يقولون أنها جريمة وحشية لم يقتلوهم فقط بل مثلوا بالجثث.. إنها أشياء مرعبة حقاً. لقد وقعت بالحقيقة. -هذا هو التاريخ. -تاريخ البشرية أسود.. دماء وقتلى جثث وأشلاء.. جرائم شتى لا تكاد تحصى... الحرية كذبة.. العدالة سراب. القتلة.. الجزارون في كل مكان.. هذا هو التاريخ. السمك الكبير يأكل السمك الصغير.. القوي يأكل الضعيف.. نيرون حرق روما والدخان فوق قانا يغطي العالم.. التلفاز يتابع العرض.. الممثلون بارعون بالأداء.. صراخ امرأة يبدو أنها قريبة للضحية.. الطفل يلتصق بي أكثر ويصيح: بابا.. بابا.. الشاشة تعرض منظر عزاء. لباس أسود. المعزون يدخلون ويخرجون. القاتل يشارك في العزاء. الجثة في تابوت.. الصغير يسأل: -إلى أين يذهبون بالجريح.. ما هذا الذي أراه.. لماذا غطوه هكذا.. بابا قل لي ماذا تفعلون؟. -لقد انتقل من هذه الدنيا. -إلى أين؟. -إلى الدار الآخرة، ليلقي أقرباءه القدامى ويرتاح إلى الأبد.. -وهل الذين يلقون أقرباءهم القدامى يرتاحون يا بابا؟.. -ربما.. ضيفي لا زال على حالته ثقيلاً.. بارداً.. جامداً.. لا يحس.. لا يشعر بما حوله.. السهرة طالت أنا ضجر.. قلق.. قليل الانسجام معه أرفع صوت التلفاز.. أخفضه.. لا فائدة.. الصغير يتابع أسئلته فات موعد نومه.. دقت الساعة الصفر ليلاً. سهرتي تعادل سجن سنة كاملة.. الضيف يصلح من جلسته.. يتجه نحوي بالحديث.. -لا تدري كم أنا سعيد؟. -لماذا؟ -لأنني قربك. -لا أشك بذلك يا صديقي، قلت له، وأنا أيضاً مشتاق إليك.. القلوب لها أدلة يا أخي كما يقول المثل... دماغي يكاد ينفلش.. ابتسمت لـه مجاملة ابتسامة صفراء. تثاءبت تشاغلت بلا فائدة. لا أدري كيف صدرت عني كلمة "وقح". نظر الضيف العزيز نحوي مستفسراً عما يسمع.. -ماذا تقول؟ -أقصد الصغير.. -آه.. -لم ينم بعد.. يلتصق بي الصغير وهو يقول: -بابا.. أنا خائف. قل لي ماذا يجري في الآخرة؟.. -لا كلام ولا حياة. بل حساب وعقاب.. -وأي حساب وعقاب يا أبي؟. -الأشرار إلى جهنم. والأتقياء إلى الجنة.. عليك أن تنام.. -ونحن أين نذهب يا أبي؟. الضيف ينبهني فقد بدأت عروض المباراة يسوي من جلسته استعداداً لمتابعة السهرة. يعود الصغير يطالبني بالإجابة: -قل لي ونحن إلى أين نذهب يا أبي؟. -إلى جهنم.. قلت له: -وهل نحن أشرار. -قلت لك نم واسكت لا داعي لهذه الأسئلة. الساعة تقترب من الواحدة. ضيفي يبدو منسجماً أكثر.. تظهر عليه علامات السعادة وهو يتابع. تزداد تعاستي بابتسامته، يا إلهي أي نوع من الرجال هذا؟. الصغير يحتج علي صارخاً: -في جهنم حريق.. نار تكوي.. أنا لا أريد أن أذهب إلى جهنم يا أبي.. ضممته.. قبلته.. طمأنته وبشرته بقصر في الجنة وفواكه كثيرة وأنهار من لبن وعسل.. ليسألني من جديد.. -وهل يوجد في الأنهار سمك؟. نعم.. قلت له.. -وسوف تجلب لي منه يا بابا.. -نعم.. نعم. -ونسبح في أنهار الجنة. -نعم.. نعم وكل أجوبتي له نعم. انتهى الشوط.. صفق الضيف. وبعد أن أسكتُّ التلفاز قال ضيفي: -أرجو أن لا أكون قد أزعجتك في هذه السهرة.. -أهلاً وسهلاً.. قلت له.. البيت بيتك يا أخي.. -في الحقيقة وبعد أن نام الجميع وفي هدأة الليل أحببت أن أقرأ عليك آخر قصيدة كتبتها... تململت في مكاني.. يا إلهي. فوق كل الذي مضى.. محكوم علي أن أستمع إلى شعره وكيف لي أن أستمتع بالشعر مع هذا الرجل الذي لا يملك الشعور. دماغي يكاد يتمزق ماذا أجيبه.. علي أن أمثل. وأمتدح العبقرية. أم أشتمه وأصرفه من عندي بقسوة؟!. الضيف يمد يده ليسحب القصيدة المعلقة من جيبه.. أستلمها منه ليقول لي: -يا صديقي الشعر يجب أن تسمعه بصوت قائله، وراح يشرح لي عن الإلقاء وكثرة المعجبين بعبقريته الفذة.. والمكانة التي يستحقها في دولة الشعر بعد غياب العمالقة الكبار.. أمسكت القصيدة العصماء وأنا أقول له: -لا شك أنك شاعر مجيد يا صاحبي أنا أستمتع بقراءة الشعر وحيداً.. هذه هي عادتي.. لا أدري كيف ذهب صاحبي، وكل الذي أعرفه أني قرأت الشعر حتى ارتويت. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |