غداً.. يبدأ العـيد - يوسف محمد سلمان

قصص قصيرة من منشورات اتحاد الكتّاب العرب دمشق - 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

الاحتفال

موقف صعب أن أحضر الاحتفال، وموقف صعب وربما أصعب إن لم أحضر. ستكون ردود الفعل كثيرة بلا شك.. آه منهم.. كلهم يمثلون.. قصتي لم تعد مجهولة.. الجميع يعرفون أنني أحبها.. صحيح لم أتكلم لأحد عنها، لكن الصحيح أيضاً أنه في قرية مثل قريتنا لا توجد أسرار- يقولون: "الناس بتعرف بقلوب بعضها" أحمد العابد رآني أكثر من مرة معها أم محمود خدوج رأتنا مرات عديدة، حتى صغار الحارة يعرفون، ومنهم من يقول كما يقول الكبار: سمير يحب جميلة.. والآن ما العمل؟ أبوها يدعوني لحضور خطبتها.. أبوها رجل طيب القلب قد يكون الوحيد في بيته الذي لا يعرف علاقتي بابنته أما هي -جميلة- كيف فعلت ذلك كيف انجرفت بهذه السرعة.. كيف نسيت أو تناست السنين الطويلة من عمر محبتنا.. لا أدري؟‏

المال.. المال.. أضحى غاية الناس أضحى كل شيء هذه الأيام.. وحده المال هو الذي حرمني منها وإلى الأبد..‏

آخر مرة التقيتها كانت صريحة بمنتهى الصراحة بل وجدية بمنتهى الجدية.. صرخت في وجهي بقوة:‏

-أنا لم أعد قادرة على الانتظار أكثر من ذلك هل سمعت يا سمير؟‏

-صبرنا الكثير وبقي القليل يا جميلة، طولي بالك‏

-قد يفوتني القطار.. أمي منزعجة تقول لي: لم تبق واحدة من جيلك بدون زواج.. وحدك بقيت.. سمير يضحك عليك يا جميلة.. الرجال ما لهم أمان.. الرجال ما لهم أمان يا بنتي.. اسأليني أنا‏

- وأنت لا تثقين بي؟‏

-أثق يا سمير، لكن قد يفوتني القطار وأندم في حين لا ينفع الندم..‏

-ولكن تعلمين ظروفي.. قلت لها.‏

- دائماً تردد نفس الكلمات- دائماً تعيد نفس النغمة.. نفس الكلمات... نفس المواقف.. ظروفي.. ظروفي أنا لم أعد أحتمل أكثر من ذلك..‏

-وهل أكذب في ذلك.. لي فترة طويلة أبحث عن عمل.. ألا تعرفين ذلك.‏

-سمير.. أنا راضية أن أمضي معك راضية أن أعيش معك على الحصيرة راضية بدون شروط.. لكن لست راضية أن أبقى على هذه الحالة إلى الأبد.‏

-سميرة.. أنت تعرفين ثلاث سنوات مضت بعد تخرجي من الجامعة.. لم أدعْ باباً إلا طرقته من أجل العمل.. ما ذنبي إذا كانت كل الدروب مغلقة في وجهي كيف نتزوج ولا أملك ليرة واحدة كيف نتزوج وأنا استدين ثمن علبة السجائر ورغيف الخبز؟‏

-وأنا ما ذنبي.. لقد انتظرتك كثيراً.. أرجوك ابتعد عن طريقي.. ابتعد عن طريقي..‏

-قولي لم أعد أحبك..‏

-كفى.. كفى يا سمير.. وانفجرت بالبكاء..‏

-يبدو أنه ليس ذنبي ولا ذنبك، لقد دخل في حياتك رجل آخر..‏

نعم رجل آخر على الخط هكذا يبدو لي إنه اختيارك، وكما تريدين..‏

-قل ما تشاء أن تقول.. أنا في وضع حرج ولا يمكن أن أنتظر أكثر..‏

-آه..‏

-لا أخفي عنك يا سمير. بصراحة هناك رجل آخر على الخط.. صدقني أنا أحبك يا سمير ولكن أرجوك اعذرني.. قد يفوتني القطار أنا لا أستطيع أن أمارس الرفض باستمرار بصراحة أكثر أهلي مصممون على تزويجي.. وانتهى اللقاء..‏

شعرت بها تكلمني بهذه اللهجة الصريحة رغماً عنها، قد لا تكون راضية تمام الرضى عن تصرفاتها، لكن شعورها كفتاة تقترب من الثلاثين من عمرها دفعها لذلك معها كل الحق، ومع أهلها الحق أيضاً.. يجب أن يمضي كل منا في طريق.. هذا هو الحل الصحيح وعلي أن أستعد لهذه المواجهة.‏

جميلة أروع فتاة في القرية.. أجمل فتاة في الكون.. جميلة حبي الأول والأخير جميلة لا أستطيع أن أعشق غيرها لا أستطيع أن أتخلى عن قلبي بهذه السهولة.. جميلة.. تفلت مني بهذه السرعة.. هذا فوق احتمالي كنت أظنها مناورة منها ومن أهلها لتشجعني بالإسراع في التقدم لخطبتها ولكن الدعوة لحضور الاحتفال بددت كل الشكوك.‏

*‏

رجل قادم من المدينة.. غني.. يقولون أنه يملك الكثير من المال.. طلب يدها.. لم يتردد والدها بالقبول.. وهي الأخرى قبلت.. كنت أتوقع أن الأمور ستمضي بسهولة.. لكن ليس من السهل علي أن أتخلى عن حبي بهذه السرعة أنا لا أستطيع أن أعشق غير جميلة مشكلتي أن قلبي لا يتسع لأكثر من حب.. آه لقد تخلت جميلة عني.. إنها لا تفكر بي البتة.. لو كانت تحبني بشكل صحيح لما رضيت بهذه السهولة.. أنا مدعو للاحتفال.. ماذا أفعل؟!‏

جميلة غير مخلصة.. خائنة.. لا أدري إن كنت أظلمها بهذه الكلمات.. قد يكون معها كل الحق.. سنوات عديدة وهي بانتظاري.. أنا لا أملك بيتاً.. لا أملك عملاً.. طرقت أكثر من باب للوظيفة.. كل الدروب موصدة بعضهم نصحني أن أدفع رشوة وأنها الحل الوحيد لمشكلتي.. وهناك أكثر من سبب يمنعني من دفع الرشوة.. ومن أهم هذه الأسباب أنني لا أملك المال الكافي.. شهادتي الجامعية لا قيمة لها.. رفاقي الذين فشلوا في المدرسة يملكون البيت والسيارة والمال. في الواقع لم يفشل أحد غيري.. أنا بلا بيت بلا حبيبة.. أنا الفاشل.. في الماضي كنت أنسى فشلي لوجود جميلة إلى جانبي والآن سأفقد الحبيبة التي كانت تعوضني خيبات حياتي، وتساعدني في الانتكاسات الكثيرة التي أصبت بها. اليوم أبصرت فشلي أكثر من أي وقت مضى.. سأفقد جميلة إلى الأبد..‏

الحفلة ابتدأت.. الزغاريد علت الضيعة كل الضيعة في الحفلة..‏

كيف العمل؟ أهرب.. أحضر؟! لا بد من الهروب.بل لابد من الحضور، أنا لا أدري... مشكلة إن هربت، ومشكلة إن حضرت ماذا أفعل؟...‏

أنا رجل.. سأحضر.. سأشرب الأنخاب سأمثل أمامهم دوراً كاذباً كثير من الناس يكذبون ويمثلون.. سأفعل ذلك.. سأتظاهر بالسعادة.. ولن يشعر بي أحد أبداً..‏

*‏

رقص.. غناء.. شراب.. هي إلى جانبه.. ملاك هي.. في لباس العرس هي.. آه ما أروعها.. هو رجل كبير السن أصلع.. بطنه يتدلى أمامه.. جميلة ملاك.. جميلة أروع فتاة في الدنيا، وتجلس إلى جانب رجل ضخم كثور أنظر إليها.. هي لا تريد أن تنظر نحوي أغض طرفي.. لا أحب أن تقع عيني بمواجهة عينها.. لا أريد أن أرى أحداً أو أن يراني أحد.. أشتهي أن تنشق الأرض وتبتلعني.. العيون كل العيون تأكلني.. جميعهم يختلسون النظر نحوي.. أقرأ الشماتة في عيون بعضهم.. سأبدأ المسرحية علي أن أمثل.. يجب أن لا يطلع على أعماقي أحد..‏

سأشرب الأنخاب.. سأضحك وأصفق.. سأتظاهر بالفرح.. تكلمت كالعادة بالعبارات التقليدية. هنأت العروسين، كما هنأت الأهل.. جلست مثل بقية الحضور.. حاولت أن أكمل الدور حتى النهاية، ولكن هل أستطيع؟! إنه امتحان صعب.. إنها نتيجة غير مضمونة النجاح.. غابت بي الدنيا رغماً عني.. انهزمت رغماً عني.. حاولت المقاومة.. قلت في نفسي: هي لا تستحق أن أفكر بها، لماذا تركتني؟.. هي ساقطة.. وكان ثمة صوت في أعماقي يدافع عنها: معها كل الحق وتارة أقول: كان عليها أن تنتظر. وأردد حيناً: لا أمان للنساء.. خائنات كل النساء هكذا.. جميلة ليست منهم هي مخلصة لي، لكن الخوف وحده أجبرها خافت أن يفوتها قطار الزواج..‏

كل هذه الأفكار راودتني وغيرها.. والاحتفال لا زال هو الاحتفال.. موسيقى.. رقص.. غناء.. دبكة.. زغاريد.. كنت غريباً في هذا الاحتفال، بل وتولد لدي شعور شبه مؤكد أن كل ما أراه موجه ضدي.. ولإزعاجي والشماتة بي.. كان علي أن أمثل وأن أحافظ على وضعي حتى اللحظة الأخيرة.. آه.. لقد انهزمت انهزمت أخيراً.. أنا لا أستطيع أن أذهب أكثر من ذلك.. لا أستطيع لقد فقدت كل شيء.. أنا لا أحس ولا أسمع ولا أرى.. اسودت الدنيا في وجهي.. لا بد من الهرب‏

أنا لا أستطيع المواجهة أكثر من ذلك بسرعة مضيت.. لا أدري كيف مشيت.. وأنا أردد:‏

"جميلة لا قلب لك"..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244