|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
العيدية عندما كنت في المدرسة كان علي أن أساعد والدتي في أعمال الحقل، وفي رعي البقرة التي تدعوها أمي "حمّورة"، ولعلها أطلقت هذا الاسم على بقرتها المدللة لأن لون جلدها أحمر. لقد كان سرور الوالدة عظيماً أيام العطلة المدرسية حيث تتفرغ لجمع الحشيش الأخضر وتطمئن أن "حمّورة" ستنال طعاماً كافياً دون نقص. وبالتالي ستجود علينا بالحليب الذي قد يزيد عن حاجتنا فنبيع الفائض عنا في حانوت أم ابراهيم ونأخذ ما كنا نسميه "الخرجية" وكثيراً ما كنا نجمع ثمن اللبن والبيض لأيام عديدة كي نشتري كيساً من الطحين أو بعض الثياب من البالة في سوق الفقراء لأننا لا نستطيع أن نشتري ثياباً جديدة، بل ولم يكن يخطر في البال أن نشتري ثياباً جديدة خاصة إذا كانت ضمن المحلات الأنيقة أو خلف الواجهات الزجاجية. كان علينا أن ننظر إليها من بعيد دون أن نفكر بشرائها إلا مثلما نفكر بالصعود على الكواكب. إنها أحلام بعيدة المنال، بل ومن الواجب أن لا نشغل رؤوسنا الصغيرة بها.. يجب أن تنصب كل اهتماماتنا على هذه البقرة الطيبة "حمورة"، وأن نملأ جوفها بالحشيش الأخضر لتملأ جيوبنا بالليرات المعدنية أما إذا مرضت أو مرضت أختي فكانت والدتي تقول: "الله الشافي". وتذهب إلى ضريح الشيخ عثمان لتقرأ الفاتحة وتشعل البخور، وأحياناً كانت تصحبني معها إلى الضريح المذكور كنت أراها تقبل الضريح وتدور حوله فأفعل مثلها وأدور حوله وكنت أسمعها تقول بمنتهى الخشوع: -"دخيلك يا شيخ عثمان يا صاحب الكرامات العظيمة تشفي لي المرضى". كنت أتمتم ما علق في ذهني من كلمات والدتي وأقف بخشوع رهيب مثلها وأنا على يقين أن الشيخ عثمان يسمعها ويستجيب لطلبها، بل وكنت أتوقع في بعض الأحيان أنه سوف ينهض من قبره ليناول والدتي زجاجة دواء أو أي شيء آخر يمكن أن يشفي أختي وجميع المرضى الذين تطلب لهم والدتي الشفاء من الشيخ عثمان. وأحياناً كنت أفكر أن الشيخ عثمان يستجيب دعاء والدتي ويمنع المرض من الدخول إلى بيتنا، ولذلك لن أمرض ولن تمرض أختي خديجة. وذات مرة رأيت نقوداً كثيرة موضوعة على ضريح الشيخ عثمان وخطر في بالي يومها أن الشيخ أخرجها من جيبه ووضعها لنا لنأخذها ونشتري الحلوى والطحين واللباس لأن الشيخ عثمان يعطف على الفقراء والأيتام.. وكنت أشتاق أن أشبع من الحلوى التي تضعها أم ابراهيم في حانوتها، فمددت يدي لألتقط ورقة من ذات الخمس ليرات عن الضريح ولا أستطيع أن أنسى صراخ والدتي بصوت قوي: -اترك يا ولد.. ونهرتني عابسة وهي تنزع الورقة النقدية من يدي وتعيدها بسرعة إلى مكانها وتبكي معتذرة أمام الضريح وهي تخاطبه: -دخيلك يا شيخ عثمان- دخيلك تسامحه طفل جاهل لا يعرف وأمسكتني بيدي وهي تقول: -قبِّل الضريح يا أحمد وقل له: سامحني دخيلك يا شيخ عثمان.. التوبة، ولن آخذ ليرة بعد اليوم... وكنت أفعل كل ما تأمرني به والدتي في حين تفك أمي طرف منديلها الذي تضع فيه النقود كما تفعل النساء في قريتنا، وتأخذ النقود من منديلها وتضعها على الضريح عله يرضى علينا وهي تقول: -هذه إمكانياتي يا شيخ عثمان.. دخيلك تسامحني قيمتك كبيرة يا شيخ عثمان... كنت أتوقع أن أسمع الشيخ عثمان يجيب والدتي، وفي الواقع أصغيت ملياً إلا أنني لم أسمعه يجيبها وصرت أفكر لمن يعطي الشيخ عثمان هذه الأموال وأين يضعها وهل ستبقى على الضريح إلى الأبد وخطر في ذهني أنه يشتري بها ما يحتاجه هو وأفراد عائلته وضيوفه. وتستدير والدتي وتخرج بخشوع رهيب وأخرج خلفها.. في الواقع كانت أمي شديدة الإيمان أكثر مني بكثير، وكانت صابرة ولأبعد الحدود ورغم موت والدي ونحن صغار السن لا نقوى على العمل إلا أن والدتي كانت تقوم بعمل المرأة والرجل في آن وعندما تجد بعض الفراع لديها كانت تذهب لتخدم الأغنياء أمثال بيت عبود أفندي وغيره. كل ذلك من أجل أن تقدم لنا ما تحتاج إليه، وأحياناً كثيرة كانت ترفض المساعدات التي يقدمها لنا بعض الأقرباء... كانت تتمنى أن تأكل من عمل يدها وترى أن العمل شرف للإنسان ولم تكن ترضى أن تمد يدها للسؤال أو تقبل معونة أحد فهي ترى في ذلك ذل نفس، وحدث مرة أن مرضت أختي مرضاً شديداً وارتفعت حرارتها بشكل مخيف، في حين اشتدت عليها نوبات السعال، ولم يكن مع والدتي المال الكافي لتعرض أختي على الطبيب ولا لتشتري لها حاجتها من الدواء، وعندما جاء الجيران ونصحوا أمي أن تعرض ابنتها على الطبيب ترقرقت الدموع في عينيها وهي تقول: -يا عين أمها- أي أختي- لا تقبل أن تعرض على الطبيب- ويبدو أن أختي فهمت ما تعنيه الوالدة من جوابها فأكدت بدورها كلام الوالدة وأنها لا تريد الطبيب وادعت أنها تخاف من الدكتور، وواقع الأمر كانت تشعر أن "مالية" أمها لا تسمح لها أن تعرض ابنتها على الطبيب... وكان علينا جميعاً أن ننتظر فرج الله ورضى الشيخ عثمان ونؤكد أن الأطباء لا دخل لهم بالشفاء لأن الله وحده الشافي كما كانت تردد أمي.. وعندما كنا نريد أن نذاكر أيام المدرسة فقد كنا نضع مصباح الكاز على حمالة خشب وسط البيت، وفي الشتاء عندما يشتد الصقيع كنا نطلب الدفء من حفرة صغيرة في وسط البيت تسمى "الموقدة" وكنا نجمع الحطب لهذه الموقدة من أخشاب البلوط والسنديان أما بالنسبة لمدفأة المازوت فلا وجود لها في بيتنا، أو لم نكن نفكر بوجودها لأنها كانت من مجمل الأحلام البعيدة باعتبار مدافئ المازوت لأهل المدن وليست لأهل القرى والأرياف. لقد كان جمع الحطب قاسياً وشاقاً وكانت أختي خديجة ماهرة أكثر مني وتعرف كيف تحزم الحطب على الحمار وتشد الحبال دون أن تسمح للحطب أن يميل أو يقع علماً أن طريق الحطب إلى بيتنا يهبط من الجبل المقابل للقرية، وكثيراً ما كانت تسخر مني لأني لا أتقن وضع الحطب على الحمار بشكل حسن. ولما جاء عيد الفطر في إحدى السنين أذكر أن هم والدتي كان أن تجلب لنا الثياب الجديدة والحلوى مثل بقية الأولاد، وعندما فتحت والدتي الصندوق الخشبي الذي جلبه لها والدي المرحوم يوم عرسها لتستخرج خزينة مالها منه لم تعثر إلا على ليرات قليلة، وكنت أنا وأختي نقدر موقف الوالدة وعلى تمام الرضى أن يمضي العيد دون ثياب جديدة. ولا يمكن أن أنسى نهار العيد حين أبصرت أختي خديجة تحمل الجرة لتملأها من نبع الضيعة لقد غابت بي الدنيا وكاد قلبي يتقطع من الحزن ليس لأن موسم العيد يمضي دون ثياب جديدة وحلوى، بل لأن بنات الضيعة خرجن مثل الفراشات الملونة الزاهية بالنقوش والملابس الجميلة، بينما كان فستان خديجة بالياً وكأن صاحبته لم تسمع بالعيد يمر في هذه البلاد. وقفت جانباً ورغم صغر سني شعرت بأن علي واجباً أن أقدم لهذه الأخت وأمها مثلما يقدم أي رجل كبير لأسرته، ولكن ما العمل؟!... أنا لا أقدر على شيء البتة -العين بصيرة واليد قصيرة.... أطرقت قليلاً.. تساقطت على خدي عدة دمعات.. شعرت بوقع بعض الخطا تقترب مني... من القادم؟.. مسحت دموعي بسرعة. أخفيت مشاعري الحزينة. كانت والدتي هي القادمة. رأيتها تفك طرف منديلها، لتقدم لي ما تستطيع تقديمه من النقود وتقول: -خذ يا أحمد "العيدية" خذها يا حبيبي قلت لها: يا أمي أنا لا أريد.. أعطيها لخديجة.. اقتربت والدتي.. ضمتني إلى صدرها قبلتني عدة قبلات.. كانت مآقيها تملتئ بالدموع وهي تضع العيدية في يدي وتقول: -لقد أعطيت خديجة يا أحمد.. خذها.. خذ "العيدية" هذه لك يا بني.. أخذتها.. اقتربت من خديجة.. همست في أذنها: -خذي نقودي ونقودك يا خديجة لتشتري ثياب العيد. أعادت خديجة النقود إلي لتوضح لي أن عيدية خديجة وعيدية أحمد لا تكفي لشراء ثياب العيد وأضافت: -نأكل الحلوى في هذا العيد، ونشتري الثياب في السنة القادمة يا أخي... |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |