شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

جحا ينسى حماره

امتطى جحا حماره، راح يطوف أرجاء بلدته التي التهمها العمران، رامَقَتْهُ أحياؤها الراقية، ومبانيها الشامخة بزعانفها الأخطبوطية، فأذهله منظرها ودقة هندستها وزخرفها...‏

استوقَفتْه عمارة شاهقة، تطاول هامتها السماء، وعمال يحوِّمون حولها يكسونها لحماً، ويسقونها شحماً، سفعت وجوههم الشمس، وزحف الهمّ إلى جباههم... تجمدت نظراته عند واحد منهم، تتلاقى في ملامحه دوَّامة عجيبة من وجوه آدمية مسحوقة، يجري بين أقدام رفاقه، يتنفس رماد نعالهم... تبرقعت وجنتاه بغبار الرمل والإسمنت، وسال هباب البحص على صفحة خديه، وافترش عنقه وصدره... الطين الرطب يحتضنه، يعفر جبينه، يلطّخ بؤبؤي عينيه ورموش محجريه. تشعَّثَ شعره، وجالت في ثنايا طياته أسراب الوحل، كسماء غطَّتها سحب رمادية داكنة، تسللت في أردانها أشعة شمس صفراء هرمة...‏

أسماله البالية خجلى، يزيدها البلل التصاقاً ببدنه، تستر عرياً مأزوماً... يخاف عُريُه أن يتسلل هارباً خلل مِزَقٍ وشقوق، تطاولت وسورت معصميه ومنكبيه وركبتيه... لمعت دماءٌ متجمدة سوداء، سُفحت من جروح متشظية قديمة، آنست وحشتَها ثُلَمٌ، حفرت أخاديد جديدة، ما تزال دماؤها تنز من جسده، لولا لطخ ترابية عجلى طهَّرتها وعقمتها...‏

رجل تجاوز الخامسة والأربعين من العمر، فارع الطول، منتصب القامة، مفتول العضلات، سريع الحركة، كمنقار شحرور سغب، لا يكلّ ولا يملّ.‏

خلال دقائق معدودة حمل عشرين كيس إسمنت، أطلق لساقيه العنان تجاه صنبور المياه، ملأ براميل عملاقة، حمَّلها على عربة بدائية، جرها بساعديه القويين، ليصفع بها وجه الرمل والبحص والإسمنت، ويجبلها بالمجرفة والكريك...‏

يملُّ اللعبة، يرمي المجرفة والكريك جانباً... يدخل أتون الحومة كالمارد، يغوصُ في خضمه، يتلوى جذعه وظهره كحية رقطاء... يثني عطفه، يهتز طرفاه العلويان والسفليان كبندول ساعة، يمتطي جسده لجة أمواج تتلاطم على شواطئ المعمعة... تشهقُ أنفاسه، وقد احتبس عنها أيّ منفذٍ للهواء... تغيب جثته، تختفي ملامحها تماماً، فقد توحدت مع تلة الطين، وغدت جزءاً منها...‏

تنتفض التلة، يجلو قط الطاحون سرابها، يطيِّر الأوحال حراباً صدئة في الفضاء...‏

أحسَّ جحا أن حرارة نشاط هذا الآدميَّ ووجدانه، امتزجا برائحة الطين اللزج، وأن هيكله الموحل الضبابي الملامح، يخاطبه. فشمَّر أظافره، يحاول أن يكشط لطخةً من وجهه، علَّه يستشف ملامح آدميته فألفى الطين صلباً كالفولاذ... استمهله وسأله:‏

-أهذا ديدنك من الصباح إلى المساء؟!‏

هزّ رأسه، دخل في دهاليز سعالٍ محموم، شوى الهواء من حوله، اعتصرت مخالبه المتوحشة صدره، وهشَّمت روحه، مخلفة ندوباً ترفض الشفاء...‏

أجاب بصعوبة:‏

-أجل... كل يوم...‏

أطرق مليّاً حتى هدأتْ ارتجاجاتُ ضلوعه تحت أنفه الناتئ المتحدِّر فوق فمه الضيق:‏

-ما أجرتك؟!‏

بفمٍ مقبوض كأنه يتذوق حنظلاً، لا يزال طعمه ممزوجاً بلعابه:‏

-مئة ليرة في اليوم...‏

تأمل كتلة الطين ثانيةً، وقد سال عليها خيال إنسان أصم مكبل، خرست على شفتيه آمال، تستصرخ قطرة إنصاف... ودَّعه، وقد تهيأ له أن دمعة تحجرت خلف أهدابه...‏

على بعد خطوات من العمارة دكان صغيرة، توسطتها طاولة متواضعة، اصطف على جانبيها أربعة كراسٍ، جلس خلفها رجل في العقد الثالث من عمره، يتحدث بالهاتف، أنيق المظهر، يرتدي بنطالاً من "الجينز"، شدّه من الأعلى قميص وردي، عيناه ثعلبيتان، نظرته تمساحية، جامد القسمات، اندلق كرشٌ مخروطيٌّ فوق حزام بنطاله، وتطاول حتى كاد يلامس ركبتيه، التصقت عنقه بجذعه، تلاشت همته، اتكأت بلادته على بللور الطاولة. عن يمينه توضعت علبة دخان مهرَّب وعن يساره إبريق شاي ساخن... شرّع اللفافة أشعلها بتكاسل، صبّ كأساً من الشاي، غاص دخانه حتى أصابع قدميه... رشف جرعات من الكأس، ترك اللفافة مشتعلة بين شفتيه أسند صفحة خدّه على لوح البللور وأغفى...‏

فتح عينيه بتثاقل، زفر بملل، نفخ الهواء، تطاير الرذاذ من فكيه، تنهد بقرف... لحس بقايا الشاي المترسبة في قعر الكأس... تمايل في مشيته جيئةً وذهاباً نظر إلى تضاريس وجهه المتداخلة في المرآة، مسّد شاربيه وحاجبيه، ولمعت خصلات شعره لكثرة ما أهال عليها من الزيت، ولاعَبَ فيها مشطاً، يصنع غرةً، يتغاوى بها...‏

أخرج كرسيّاً وقعد أمام دكانه... تغضن جبينه وعقد حاجبيه، وانتفض فجأةً وقد أحس لهيب أشعة الشمس.‏

راح يشتم، وقد برزت كتفاه الضيقتان فوق صدره الإسفنجي، وهجمت حنجرته إلى الأمام، واهتز شعر كثٌّ غطاها، وتمطت شفتاه في مقدمة فمه الواسع:‏

-ساعة نحس يوم تعلمتُ هذه الصنعة، غبار وقلة واجب، لقمة مغموسة بالدم... دراهم قذرة لا تسمن ولا تغني من جوع... هذه العمارة اللعينة متى تنتهي؟! أَبعدَ أن تمتصّ عينايَ كلّ غبارها المتطاير ووحلها، لعنها الله ولعن أصحابها...‏

راقبه جحا، فألفاه يغربل الهواء معظم وقته!! فهمس لنفسه "إذا كان جبل الطين الآدمي، خابطٌ لابطٌ، أجرته مئة ليرة، فالله يعين ذلك اللاحس المالس... دراهم معدودة لا أكثر"...‏

نظر إليه بإشفاق وسأله: يا أخانا صح النوم... يا من "تلحس وتملَّس" ما أجرتك في اليوم؟!...‏

عرك عينيه، ثَبَّتَ فيه نظرات صارمة، كنصل سيف، سطع تحت لظى آب في عز الظهيرة، صرخ وجهُهُ بوقاحة:‏

-بماذا تخرف أيها العجوز الثرثار... احترم شيبتك، هذّب ألفاظك اعرف مع من تتكلم... أنا معلم المعلمين... أُسمسر على ما يخطر في بالك وما لا يخطر... أسمعتَ ببيضة الديك؟! إني أبيعها وأشتريها".. امتدتْ يده إلى الهاتف، رفعه عالياً، ساطَ به الهواء... توهجت عينا جحا، واغتصبتهما الدهشة، خاف أن يهوي به على دماغه، فيفلقه نصفين، فاستسمحه، وأفهمه أنه جاهل حشريٌ، لا يقصد الإساءة لا سمح الله!!.‏

-هذه المرة نفوِّتها لك، لو سمعتَني وأنا أتحدث بالهاتف، لعرفتَ أني بعت شقة من تلك العمارة على العظم خلال دقائق... أو تعلمُ ما نصيبي من تلك الصفقة؟!!...‏

فكّر جحا قليلاً ثم قال في نفسه "سأزاود" عليه، وأنطق برقم خيالي، علَّه يرضى، وأُنهي المشكلة!!...‏

-خمسمئة ليرة، حلال عليك...‏

هدرت ضحكته كمحركٍ عتيقٍ صدئ:‏

-ألف دولار...‏

-ماذا قلتَ: "دورار" قالَ دورارْ قالْ...‏

-دولار يا غشيم، لقد نسيتُ أنك لا تفرّق بين "الخمسة والطمسة" خمسون ألف ليرة!!، أجرتي تُحسب بالساعة والدقيقة، لا باليوم!!!‏

ذُهل جحا، صُعق، خاطب نفسه، كمن أصابه مسّ، عضّته الدهشة، استولى عنكبوت دخانٍ على عقله، اغتال قلبه هدير الغضب، نفثت نظرته زبداً من يأسٍ، رفع عقيرة مخيلته بصيحات استنكار في مناخ كلّه خواء "خابط لابط مئة ليرة، لاحس مالس، خمسون ألف ليرة"...‏

نسي حماره مربوطاً إلى سور البناية، حملته خطواته الذاهلة تخبّ به وحيداً!!...‏

نيسان 1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244