|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
أبو صادق قرعت الجرس... برز لي بمنامته. -أهلاً وسهلاً... -الحمد لله على السلامة... جئتك البارحة... قالت لي أم صادق، إنك سافرت فجأة إلى بيروت، في مهمة رسمية عاجلة... -إلى أين؟! -إلى بيروت... غمزتُه غمزة ذات معنىً ثم أردفتُ: لا أحلى ولا أروع من النزهة على الكورنيش والروشة... حدثني بربك عن قطط الزيتونة والحمرا؟! منْ مثلك يا أخ!!... -لا تزعق، اخفض صوتك... سبحان الله، ألفاظك تفح في وجهي فحيح الأفعى.. تفرَّسني... مسحت عيناه دهليز منزله وردهته وزواياه... تصاغر كوتد دُقّ حتى منتصفه، وهو يبحث عن شبحها، شهق ثم زفر دنّاً من الهواء... مرَّغتْ وجهي الحيرة، مططت شفتيَ كالجمل: -هل بدر مني ما يزعجك عن غير قصد، لا سمح الله!! سكتَ ولم ينبس ببنتِ شفة، نقرتُ بإصبعي على الخشب، ابتسمت من خلف أدمةِ وجهي: -من شر حاسدٍ إذا حسد، صحتان وعافية، اللهم أغدق علينا المهمات من بيروت إلى القاهرة... إلى أوربة في عقر دارها"... توانى صوته، تقطَّعت نبراته، ثم تفتت فوق موجات الأثير... جمَّع قبضته، مسحت لكمته الناعمة أنفي وكرسيّ خدّي، ثم أخذ يسلقني بلسانٍ سليط: -كفاك هزءاً وسخرية، وترقيصاً للكلمات بين فكيك... أنت لا تتقن تغليف ابتساماتك و ضحكاتك المتهتكة... اخرس قبل أن تسمعك أم أربع وأربعين، وتدرك ما وراء أسلوبك المستخف، أو تريد أن تعريني أمامها؟!... زم حاجبيه، وتقطعت أوردة وجهه، دفع أصابع يده الخمسة إلى كهف فمي يغلقه تماماً... سحبني من يدي إلى داخل منزله، أخذت حنجرتي تخزني، مما تدحرج فيها من شتائمه... صرت أقلده، أسير خلفه، أتقافز كالحرامي على رؤوس أصابعي... أحسستُ برعشات جليدية تحث خطاها في أوردته، وفي صدره كانت رياح غيظه تعوي... مدد ساعديه على مسندي الكرسي الوثير في غرفته المنعزلة، خفقت قدماه بمرح وحبور، عاد وجهه يعكس طيبة طفلٍ بريء، رفرفت بسمة ناعمة حول شفتيه... ثم تنهد بارتياح: -لقد نجونا والحمد لله!!. ألتفت إليَّ بود، وركز نظرة مرحةً في عينيَّ: -أظن أننا أصدقاء منذ ثلاثين سنة، نفهم بعضنا بالإشارة... لكنِّي أحسّ أحياناً أن قوة خفية تسلطك عليَّ لتخرب بيتي... إلعبها مع غيري، لقد دفناه معاً!!... ازدادت حيرتي، ولم أفهم ما يرمي إليه، وأدركت أني أمام أحجية يستعصي عليّ حلّها، فقررت أن أستفزه ثانيةً عليَّ أعثر على مفتاح اللغز: -مهمة ليوم ونصف فقط، لا كثّر الله خيرهم، ما يضرهم لو جعلوها أسبوعاً... أو يدفعون لك من جيوبهم... كله من الدولة. لكنها والشهادة لله رحلة ممتعة... الطريق وحده عبر جبل لبنان وفوق ظهر البيدر لا أحلى ولا أجمل!. -خذ راحتك، احسدني، تغابَ كما تريد، انسج عشرات القصص، فلن تسمعك أبداً!!... تركني لهواجسي... غاب قليلاً، ثم عاد يحمل قدحين من القهوة، أخذنا نحتسيها صامتين... بحثتُ عن صوتي، أتلمس نغمته، فلم يندّ عنه حسٌّ ضربته بحةٌ جارحةٌ، فاحتبس منقبضاً، تشابكت فيه قوالب التعبير، وجنحت عن طريقها... قطع حبل الصمت، انبرى لسانه يطحن الألفاظ ويعجنها: -كلِّي ثقة، أنك تعرف وأنت نائم، أن قدميَّ لم تطآ أرض بيروت، ولم تهرَّ عليَّ كلابها. لولا لطف الله وحدبه، لسمعتك الخانم، وفهمت تلميحاتك، وعلقتُ معها في سين وجيم، وغير بعيد أن تلملم ثيابها وتحرد في بيت أهلها". ضحكتُ في أعماقي، ولم أجد مفرّاً من متابعة حوار الطرشان: -والله لم يخطر لي ذلك ولم أسعَ إليه!!.. ولكن هلا شرحت لي، كيف دبّرت رأسك، يقولون المعيشة هناك نار، وأنت تحبُّ الأبَّهة والعظمةَ... فهل نزلت في فندق خمس نجوم...؟!... -لا خمس نجوم ولا نصف نجمة، اطمئن واهدأ، ولا يشط بك خيالك إلى السماء وعدِّ نجومها... صمتَ برهةً، ازدرد ريقه بارتياح، ارتسمت على وجهه سيماء الوقار الممزوج بالزهو: -صاحبك ليس قليلاً عند ربه... لقد تخيلتُ ما أنت صانعٌ منذ استجوبتَ أم صادق... نسجتَ معادلة رياضية، أدخلتَها شرارات دماغك، تطهوها في حاسوبك الذي برمجته على هواك: "صاحبي أبو صادق، سيقضي سهرة صميدعيةً حتى الصباح، لم يدعُني إليها... عزومة من أناسٍ مليئين، فيها "كاس وطاس" وقصف ولهو ونسوان... وكي لا يدع الفأر يلعب في عبِّ زوجه الغيور، سافر في عينيها إلى بيروت، في مهمة عاجلة سريعة لمصلحة الوطن العليا"... عقدتْ الدهشةُ لساني، وسال استغراب راعفٌ من عينيَّ، فليس تحت القبة مزارٌ ولا شمعٌ ولا بخور كما يظنّ... سكتَ لحظات، هشّ وجهه بابتسامة انتصار، اخترقني بنظرة حاول أن يستشفَّ من ورائها ما يدور في خلدي... هزّ رأسه هزات توحي بمدى حنكته وذكائه وقدرته على قراءة أفكاري عفو الخاطر... ثم رفع صوته وصرخ في وجهي لأول مرّة: -ما خمَّنته قد وقع، لقد حزرتَ تماماً، وصدق حدسك يا صاحبي!!... كانون الثاني 1999 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |