شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المغمور

لم أدرِ كيف دبت بيَ الحماسة، وامتدت أصابعي إلى القلم، وكتبتُ قصة قصيرة، بعد انقطاع امتد خمسة عشر عاماً... ترددتُ... انتابتني الهواجس، ارتبكت، تخشب لسانيْ، مطارق فولاذية صدَّعت صدغي، وأنا أناول قصتي لكاتب معروف، تمنيتُ لو أن وقته يسمح له، فيقرؤها، ويبدي رأيه فيها، وكلي أمل ألا تحدث قصتي هذه شرخاً في صرح الأدب، يصعب رتقه.‏

أقبل علي بوجه سموح، يفيض أنسا، وقال:‏

"لقد فوجئتُ بقصتك، إنها لطيفة... أو تدري! رغم أني أعرفك منذ زمن ليس قصيراً، لم يخيل إليَّ في يوم ما، أنك تكتب القصة!! ثم ضحك مازجاً الهزل بالجد:‏

"حتى لم أكن أظن أن لك أية محاولة للكتابة الجادة من أي نوع!! بصراحة... مستوى قصتك جنبني موقفاً حرجاً، لا أريد أن يقع...‏

ارتسمت علائم البلاهة على وجهي فسألته:‏

والله لم أفهم، ومم الحرج؟!‏

أجاب موضحاً: على بساط أحمدي؟... عندما قدمتَ لي قصتك، ظننتُها "خرابيش" دجاج... أشفقتُ أن أجرحك، الحقيقةُ مرةٌ، وأنا صريح، والكل يعرف ذلك...‏

فاضت خيوط النور من شعاب نفسي...، وومضت عيناي، كبريق تشظى في غيم متراكم، واتقدَ الرمادُ جمرات متوهجة في قلبي. وخالستني رعدة لذيذة، اختلجت لها أطرافي، وشعرت بالنشوة.‏

وخفت أن يزوغ هذا الأمل الصغير، الذي لاح أمام ناظري، ويفلت من بين أصابعي، إذ لم أكد أصدق أنيْ أمسكت بهلامه الرجراج فقلتُ على الفور:‏

-سيدي، لو تكمل معروفك معي، وتنقدُها، وتدلني على أخطائي وعثراتي، علِّيْ أتداركها...‏

-هناك ملاحظات بسيطة، الحوادث والحوار بحاجة إلى تكثيف... عدة كلمات عامية، يستحسن استبدالها بأخرى فصيحة من اللغة المحكية البسيطة... عدِّل القصة وسأنشرها في عدد المجلة القادم...‏

ومضت عيناي بسطورها المنضدة، وغسلت أحداقي بشرتُها البيضاء المرصعة بحبر المطابع، ونسيت نفسي، فلثمتُ شفاهها، ورطبتُ جيدها برضاب العاشقين، وأقعيتُ فوقها وحمحمت وتمتمت... غمرنيْ فيض صوفيُّ، فبسملت وحوقلت، وأنا أراها تحتل سبع صفحات كاملة، من مجلة تعتبر محط اهتمام المثقفين والمتعلمين...‏

استنفرتْ حواسي من جديد، وغدوت كالقابض على جمرة من نار، فلن يستقر بي المقام، حتى أسمع رأي زملائي وأصدقائي فيها، ومن له باعٌ في الأدب والنقد... فقد تلين أناملي، ويشتد عودي، وأكتب غيرها، وربما أسعفتني أحلام اليقظة، لأخط مجموعة قصصية، قد تحظى بالقبول والنشر. ألحفتُ بالسؤال على من أعرف، أستجديهم أن يقرؤوها، وأن يفيدونيْ بنقدهم، أفادهم الله، وأصررتُ عليهم أن يركزوا على السلبيات، مثلَ شحاذ غليظ ثقيل الظل. والشهادة لله، فقد قرظوها جميعاً وأثنوا عليها ثناء، جعل أدمة وجهي تحمر خجلاً، كلما التقيت أحدهم مصادفة، ولشهور عدة...‏

الصديق: م‏

قال: أنا الوحيد الذي قرأ قصتك عندما كانت بِكراً، ثم بعد أن عدلتها... القصة أصبحتْ أضعف في صورتها الجديدة... تكثيفها جعلها مصنَّعة، بعيدة عن براءتها الأولى، طُهرها وعفتها، وعفويتها... تفصيح الكلمات العامية أجبر إحدى الشخصيات أن تنطق لغة فوقية أعلى من مستواها...‏

أجبتُ متملصاً: يا صاحبي قد يكون معك حق... ولكن لو لم ألتزم بتوجيهات رئيس التحرير، لما رأت القصة النور...‏

الصديق: ز‏

قال: البداية لا تشد القارئ، الصفحة الأولى باهتة ضعيفة، وهنا مقتل القصة، أما الصفحات الست التالية فقوية وتشد، وفيها نسيج درامي مشوق وجذاب...‏

قلت: ما باليد حيلة... لا بد أن تبدأ القصة هادئة، ثم تتسارع الأحداث وتشتبك العقدة، حتى تصل في النهاية إلى الحل...‏

قال معارضاً: هذه يفعلها تشيخوف أو نجيب محفوظ... أما أنت ذلك القصاص المغمور-كما تسم نفسك- فلا يجب أن تفعلها أبداً...‏

أيُّ قارئ يتصفح المجلة، يلمح اسمك وعنوان القصة، قد يقرأ سطرين أو ثلاثة، وإذا كان طويل البال أكمل الصفحة الأولى، فإذا لم تهزه، تركها ولم يكمل، فاسمك لا يغريه على المتابعة...‏

قلت بتشوق: وكيف أجذب قارئي من الأسطر الأولى؟!‏

أجاب ببساطة: فجِّرْ قنبلة من البداية، عندها ستستنفر حواس قارئك، وتوقعه في المصيدة، ويسترسل معك، حتى يصل إلى الزبدة، ولن يتركها حتى ينتهي منها تماماً...‏

الناقد: ج‏

قال: في قصتك "انفلاش" عجيب، الراوي يتحدث عن مرور الأيام والشهور والسنوات، وهذا يؤثر سلباً على السرد القصصي... لماذا لا تدع الحوار يطور الأحداث؟!، لماذا لا تخبئ راويك وراء حجاب؟!‏

ازدرد ريقه وأردف: هناك حوادث بعينها متكلفة، مصطنعة، غير مقنعة، بعيدة عن الواقع...‏

قلت: غيرك رأى في هذه الأحداث المصطنعة، رموزاً حية للتعبير عن إحساس عميق بعظم انتماء شخصيات القصة لوطنها وحبها له، بأسلوب تمثيلي، واعتبر ذلك براعة فنية...‏

أجاب معقباً: صاحب هذه الآراء، لا يفقه شيئاً في أصول النقد الأدبي، فالتكلف والصنعة، لا يعتبران براعة فنية...‏

سكت قليلاً ثم تأملني وقال:‏

"وبعد فلستَ مضطراً أن تروي قصة جديدة على لسان بطل قصتك، فذلك يصح لقصة أخرى مستقلة بذاتها... لا تؤاخذنيْ، هذا التداخل قد يظهرك بمظهر الجاهل لأبسط مقومات القصة القصيرة..."‏

تناوب جبهتي عرق بارد ساخن، وأحسست بتقزمي وضآلة خبرتي، واحترت بمَ أدافع عن نفسي، و كيف أسوغ ما فعلت، فتلعثم لسانيْ، وقلت دون تركيز:‏

"لقد ظننتُ أن هذا المونولوج الدرامي، الذي جال عفو الخاطر في أعماق البطل، يخدم الفكرة الأساسية للقصة، ويضيء جوانب مهمة من شخصيته... ولم أنتبه أنيْ أقحمت قصة داخل قصة..."‏

ظهرت علائم عدم الإقتناع على وجهه، فأطرق ملياً ثم قال بحدة:‏

"كيف تكتب بضمير المتكلم، وتصف غرائزك الحيوانية، وكبتك وحرمانك... من يقرأ قصتك يشفق عليك، الأولى بك أن تستعمل ضمير الغائب، كي لا تقزم نفسك على الأقل. أمَّا نزعتك الشبقية البدائية فلم توظفها فنياً..."‏

استشطت غضباً وحاولت أن أهدئ أعصابي، فقلت ببرود مصطنع:‏

من قال: إن الكاتب إذا تحدث بضمير المتكلم، فإنه يحكي عن نفسه؟!‏

ومن قال: إن وصف المشاعر الإنسانية السامية يرفع من قيمة العمل الأدبي، وعرض النوازع الخسيسة يحط من قيمته؟! أما الإشارات الجنسية فجاءت لمحاً في كلمتين أو ثلاث وأظن أن صراحة النص ومباشرته، كانت وسيلة للتخلص من أي إثارة غريزية أو شبهة بها.‏

الأديب: ي‏

قال: استمر في الكتابة، قصتك مرحة خفيفة الظل... ولكن عندك بعض الأخطاء النحوية، جملتان متتابعتان، ذكَّرت فيهما الضمير العائد على جمع المؤنث السالم...‏

قلت: أجل، كان هذا مقصوداً، لأنني كنت أدير حواراً ساخناً على لسان امرأة أمية...‏

قال: فذلك أنكى!! من قال: إن اللغة الفصحى لا تتسع للإنسان البسيط كما تتسع للمتعلم والمثقف... العامية سلاح الضعفاء...‏

نهض على قدميه وأشار بسبابته، وقد بدت على وجهه علائم الجدية: "لي اعتراض كبير على خاتمة القصة... ليست ضعيفة، لكنها عادية جداً... القصة القصيرة التي تثبت أقدامها هذه الأيام، تبتدع نهاية عجائبية، مفاجئة، غير متوقعة، ولو جاءت من باب اللامعقول... قصتك يا عزيزي من أول سطر حتى آخر كلمة، كلاسيكية بكل معنى الكلمة، تشبه قصص الخمسينات والستينات، أصبحت من التراث... استفد من نفسك القصصي و "اِلحق" الموضة...‏

اكتب قصة حديثة... كثِّفْ اللحظة الشعورية... عبِّر بالصورة والرمز... اعتمد الإيقاع السريع الخاطف... ابتعد عن نمط الحكاية: كان يا مكان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان... وتشعَّب الحوار والجدل بيننا... وظل سؤال واحد بلا إجابة: ماذا تَبقَّى من قصتي؟!‏

تشرين الثاني 1997‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244