|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
البقـــرة نزلت من البلدة مع خيوط الفجر الوسنى، تعلق ناظري بنجمة بهت سراجها، تزحلقتْ خلف سحابة ربيعية في الأفق الغربي، لتخلِّفَ وراءها شعاعاً شفافاً، ذوى وأضحى رماداً، كقنديل أطفأته ريح عاصفة... سرت في جسدي قشعريرة، ترنحت البسمة على شفتيْ، أحسستُ أن الربيع زركشني بقميصه. أسكرتني تربة نيسان الندية. برق أمام عينيَّ سياجُ أشجار الزيتون، غابةٌ ناعمة ارتمت تحت قدمي، وعانقت "المعرة"... لثمَ الضبابُ الأرض، وخفقت أجنحة الديكة، وصاحت في العتمة تخترق سكون الفضاء الأصم... تفتقتْ أزهارُ الكرز واللوز والمشمش في أكمامها، وفاح أريجها بسامَ اللمى. وسرى في أوردتي عبير البيلسان والزعتر والمليسة، صاعداً من أعطاف الأرض وأردانها، ليعرِّش في حنجرتي وصدري... تماوجتْ حقولُ القمح والشعير مع كل هبة ريح، وبرقت شقائق النعمان القرمزية كمقلة ثور هائج، تناثرت أشلاؤها في ملاءة مخملية... غرقتْ عينايَ، ثم غاصت في لجة خضرتها، وهي ما تزال تشهق آخر أنفاس الليل... الأشجارُ غسلها الندى، ودغدغ زهرها بأنامله الرقيقة، وأضاء بساطها قوس قزح أرضي تناهبته الظلال... رنا إليَّ خريرُ مياه الساقية، فصعدتُ طريقاً ضيقاً متعرجاً بين الكروم، قاصداً النبع اللجيني. اغترفت غرفتين بكفي أفرغتهما في جوفي، تسربلت أحشائي قشعريرة ترد الروح... زغردتْ أسرابُ الحمام والعصافير مزقزقة ساجعة، وصفَّق السنونو، وتنافر الترتيل مع أنغام التغريد؛ وفي ذروة النشوة، دبَّ ذعرٌ فجائي فطارت في الجو كخيول بلا أعنة... نفذ إلى سويداء قلبي عبق الأرض الحبلى بالخير، تلمستُ بكفي جدران المسجد القديم الخاشع، فدخلته وصليت الصبح حاضراً... *** كان يوم السبت في المعرة مشهوداً، يلتئم السوق، يزدحم بالخيرات، هي السيل أو الطوفان... ألفْ بائع ولا مشتر واحد كما يقول المثل... إذا استطعت السير فبتؤدة، وعلى أقل من مهلك، مخافة أن تدوسَ في الغلال، أو ترتطم بالحشود الهائلة من السلع والبضائع... انقشع الضباب وئيداً، شمرَّت الشمس عن ساعديها، وأخذت تُرضع عشبَ الأرض، اخترقت مسامعي أصوات السوق المستلقي على كتف التل قرب دغل الزيتون، تُحمحم من بعيد، خالطتها بحة وحشرجة، امتصت ندى الربيع ورطوبة هوائه، فأصيبتْ بالزكام والرشوحات، تناثرت النحنحات، تبعها سعالٌ متواتر عالي النبرة، ضجت به حنجرة السوق ولهاته... مئات الحلل والصحاف والقِصاع، فاضت لبناً وسمناً وعسلاً، بيضاً وجبناً وزيتوناً، زبدة وقشدة، لحوماً وشحوماً... البهائم من دجاج وأغنام وماعز وحمير وبغال وخيول وجمال، تلاصقت، وتزاحمت، صهلت وثغت، قرقعت قوائمها، تضرب الأرض بعنف تكاد تصدعها، ومن خلفها امتدت شوالات القمح والشعير والذرة والتوابل والعلف... ترامت عليها خيوط الشمس الأولى، فبدت كأشباح جامدة، امتدت أطراف ظلالها الأسطورية، ذات اليمين وذات الشمال... أما الخضار والفواكه، والتحف والأنتيكات، والملابس والأحذية، والخرداوات، وأوانيْ الطبخ وأدوات النفخ، فقد رُصِفت على مصاطب متعرجة، توسطتها خيمة لأبي عباس، يصيح بأعلى صوته، تعال، تفرج على الضبع "المجنزر"، الفرجة بليرة يا حباب!!... *** لفت نظري بقرة صفراء فاقع لونها، أخذ قدُّها المياس ورشاقتها وخفتها بمجامع قلبي؛ لكأنها غزالة فتية تتبختر في جنة غناء. سحرنيْ جمال عينيها، وفاحت رائحة نهدها، وكادت تقفز حلمتها بين عيني لتغرق وجهي بلبنها الحار الطازج، نطَّتْ ابتسامة عريضة من شفتي وزحفت فوق ضرعها، خفتُ أن أصيبها بالحسد فقلت على الفور: ما شاء الله!!... أجمعتُ أمري، وعزمت على شرائها، مهما غلا ثمنها، فهي تستحق عقداً من الياقوت يزيِّن جيدها... جئتُ صاحبها أحاوره وأداوره. وكان عتيقاً في الكار، متقناً صنعته، مقرحاً داهية، ماكراً كثعلب، خمَّني، شمني، لاكني بين فكيه، فألفانيْ متيماً، لين العريكة، يمضغني الأدرد... خذها حكمة: إذا ما جاءك الرغيب، غلِّ المهر، ولو أدى إلى الضنى والقهر، واطلب ما يكسر الظهر... أطرقَ بنظره إلى الأرض، سكت طويلاً مفكراً متأملاً، وبعد لأي وجهد، وتنهيد، زفر زفرة، ثم نظر إلي بمؤخرة عينيه: -يا أخا العرب، إنها للزينة والعرض، وليست للبيع، هي أغلى عليَّ من ماء المزن... لكنك أعجبتني، وأكبرت فيك ذكاءك وحسن اختيارك... امتدت أنامله إلى رأسه، فحكه، ونقر سبابته على صدغه، ثم سكت وشرد، فظننته قد هجد، فازدادت لهفتي، واشتد لهيبي وشوقي، وقلت في نفسي التجارة شطارة، فلأحاوره وألاينه حتى يسرع في إطفاء ظمئي، وفك قيود أَسْري ولوعتي فقلت: -إنني "شرَّى" ولن نختلف بإذن الله، لن أحيجك إلى الأخذ والرد والثرثرة والهذر... كلمتان أحسن من ثلاث، ثلاث أفضل من أربع... ثم سكتُّ واصطنعتُ ضيقاً، ومللاً سربتُه إلى وجهي، فشربها. -البقرة بخمسين ألف ليرة، وبما أنك طيب وحباب، سأبيعها على البركة، لن نختلف أبداً... فكّ رسنها، وخذها هدية من أخيك... إكراماً لنفسك الهنية... -الله يطيب أصلك، إنك صاحب نخوة وحميّة... بالله عجّل عليّ، قل لي كلمة أخيرة، ولن أجادلك أبداً... فو الله لقد أخجلتني بكرمك... -استغفر الله العظيم... ولو... سيدي بلا طول سيرة، هاتِ ثلاثين ألفاً، حلال عليك... صحيح أنني سأخسر عشرين ألف ليرة، لكنني سأربح زبوناً من أكابر القوم، المال يروح ويجيء، أما أولاد الحلال من أمثالك، فلا يعوّضون بمال الدنيا... على كل حال إنها صفقة العمر، ما صارت لغيرك، البقرة نصيحة تساوي ثقلها ذهباً، تمور نشاطاً وحيوية، رغم أنها مدللة... ضحك في وجهي وأردف متظارفاً: جسدها قويٌ مطواع، بقرةٌ حيناً وثورٌ حيناً آخر.. إيه، عليّ الحرام كل نطحة منها تهدّ جبلاً.. صلّ على النبي، وقل ما شاء الله... أحسستُ بالصدق في لهجته، والخوف من الله تعالى في وجهه، وأن مبدأه في الحياة: الدين المعاملة، وقد عرف جيّداً كيف يرضع عواطفي، فشكرته على تبجيله لشخصي... وأمطرتْ غيمةُ السعد في سويداء قلبي، وافترَّت أسناني ضاحكة، تغزل الأفراح والليالي الملاح... امتدت أناملي إلى صرة النقود، تفكّ طلاسمها وعقدها، ناولته تحويشة العمر، حتى آخر قرش... *** جرشت البقرة علفاً حتى أُتخمت... حلبتُها فدّرت بضع نقاط، ثم جفّ ضرعها... تحيرت في أمري، هل صحّ فيّ المثل، قال: ثور، قلتُ: احلبه... التمستُ لها العذر، فلعله ضنى السفر، والبعد عن الأهل والوطن، أضحت تلوك غربتها فتحس أن العلف حنظل... فلأدعها ترتاح، وتشعر بالأمان من جديد... جربتها ثانية وثالثةً دون جدوى..." يضرب الغشيم وعيشته، أعوذ بالله ما هذا النحس" افترستني الكآبة، زفرت أنفاسي، مسّدت صدري بيميني، أهدهد قلبي. ... ابتلعتُ مرارة خيبتي، وصرت أمنّي النفس، عليّ أجد خيط أمل أتعلق عليه: "على كل حال، فلن يكون الضرر مميتاً، إذا كانت متمرسة في حراثة الأرض وفلاحتها، وتذكرت قول صاحبها، إنها أشبه بالثور، فتفاءلت خيراً..." في الحقل، عكس خوارها عويل الصاعقة وهزيم رعدٍ يكنس جبهة الأفق. زلزلت الأرض بقوائمها، وأثارت غبار العاصفة... حرِن صباها، وبرزت مخالب جنونها، بصقت القسوة من عينيها الحمراوين المعربدتين، وسمعت عواءً ينزُّ من مسامات جلدها... اهتاجت أعصابي، وسال العرق بارداً على جبيني، تزاحمت أفكاري السقيمة في دهاليز ذهني المشلول وتلاطمت كشلال، اصطدمت مياهه فجأة بحاجز اسمنتي، وأخذت تلوب دون جدوى عن مجرى تنفذ منه... فإذا ما غامرتُ وقررتُ ذبحها، فقد توقفني يد قدري اللعين، وتأمرني أن أقلع عن هذا الموالّ، لأنّ لحمها -بكل بساطة- مرٌّ لا يؤكل... صرت أكلّم نفسي بصوتٍ عالٍ، أسألها وأجيبها وأعاتبها، أشبه بجماعةٍ أصابها مسٌّ من خبل، تبعثر ترب الأرض وتنقِّبه، علَّها تعثر على ذهب أسطوري، أوهمتها أحلامها، أن مارداً ستنشقُّ عنه الأرض، سيهيله فوق رؤوسها... أدرتُ لها ظهري، سِرت بضع خطوات مُكبّاً على وجهي، ثم التفتُّ إليها بحركة سريعة، وقد قررتُ أن أرجعها إلى صاحبها ولو خسرت جزءاً من ثمنها... عندها استرختْ مخاوفي وأسدلتْ أجفانَ إثارتها... فجأةً شعرت بدوّار عنيف ينتاب رأسي، ويُثقل جفني، وغبش رماديّ يغشى عينيّ، وألم حاد يعتصر أعلى صدري، فوقعت مغشياً عليَّ، لا ألوي على شيء... فتحتُ عينيَّ، فألفيتُ زوجي وأبنائي يحيطون بي، وقطرات من الماء تبلل وجهي، وجسدي أشبه بدمَّلة محتقنة... تبينتُ بصعوبة نظراتهم الواجفة الذاهلة... حشرجتْ حنجرتي بحة مخنوقة، سألتهم وكأني أُخرج سكيناً من حلقي: ماذا جرى؟!!.. -الحمد لله على سلامتك... لا تقلق... بسيطة.. لقد نَطَحتْك!!... أيار 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |