شـيخ الشباب - سحبان قدري العمر

مجموعة قصصية - من منشورات اتحاد الكتّاب العرب 2000

Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

المصنف (114)

لفت انتباه معتز، إعلان لمؤسسة فتية كبرى، تقدم رواتب مغرية، تحتاج إلى خبرة أمثاله، تجدّد نشاطه وحيويته، وتريحه من روتين عمله، في مستنقع وظيفته الراكد...‏

قابل المدير، وضع بين يديه شهادات خبرته، التي قلَّ من يحملها، والتي ستطور بالتأكيد أسلوب العمل في المؤسسة...‏

-سندرس ملفك، ونسأل عنك، وبعد أسبوع على الأكثر، ستسمع خبراً منا... وبإذن الله سيكون ساراً.‏

عقب معتز:‏

-مادح نفسه إبليس... ولكن، كي تتأكدوا من خبرتي ونزاهتي وتفانيَ في عملي... فإنني ألتمس منكم، أن تسألوا عني العلامة الدكتور خالد، الذي تقاعد مؤخراً، وتسمعوا شهادته... فقد كنت مديراً لمكتبه، ألازمه كظله لعقدين من الزمن...‏

-أجل.. أجل.. إنه من زملائي الأعزاء، لقد درسنا معاً في "كامبردج". شهادته بألف شهادة... طال انتظار معتز، وسال الاستغراب من حناياه، إذ لم يتصل به أحد... لسعته تساؤلات، حشرجت في حنجرته، كادت تمنع شهيقه وزفيره، عندما اعتذر مدير المؤسسة عن مقابلته مرات ومرات، متذرعاً بأعذار واهية،. كدَّه عرق التشكك، وأخيراً اهتبل الفرصة ودخل عليه دون إذن مسبق...‏

نظر إليه المدير بترفع من طرف خفي، قابله بجفاء وقلة اكتراث.. ثارت أعصاب معتز، احتبس بين شفتيه جملة قاسية، ثم التمس له العذر، ففترة التأسيس عامرة بالمشاغل والمشاكل، ولربما نسيه في زحمة العمل.‏

-أنا معتز!!‏

-أعرف ذلك!!.‏

تشاغل عنه، أخذ يقلب بترو أوراقاً ملقاة أمامه، ليست بذات قيمة، لم يرفع عينيه، طال صمته، توتر معتز من جديد..‏

تنحنح، ثم سأل، وقد كادت تسقط آماله الكبيرة التي علقها على تلك الوظيفة في هاوية سحيقة:‏

-هل... توصلتم إلى قرار بشأنيْ؟!‏

-ليس بالضبط، الميزانية لا تسمح بتعيين أحد في الوقت الراهن.. ربما بعد عام أو عامين.‏

ذهل، صعق، تلفَّح بالإحباط والخيبة المُرة، شعر أن لعابه قد مُزج بتراب سد حلقه.‏

"كانوا مستعجلين، أسبوع على الأكثر، ماذا جرى لهم"... ضبط أعصابه، امتص لعابه الدبق، حاول أن يتكلم بصوت هادئ، فلم يطاوعه لسانه، تلعثم، لملم ما تبقى من شجاعته، رمى آخر سهم أمل في جعبته:‏

-يظهر أنكم نسيتم أن تسألوا صديقكم العزيز، معلمي السابق.!!‏

-لقد سألناه!!‏

-لم تقتنعوا برأيه!!‏

-على العكس تماماً، لقد كان موضوعياً حصيفاً، وضع الأمور في نصابها.. أتود أن تسمع ما قاله:..‏

أجاب بلهفة:‏

-أجل.. أجل..‏

لقد قال بالحرف الواحد:‏

-صحيح أن معتز كان موظفاً عندي، إلا أنني لا أتبناه، ولا أتبنى غيره، القضية قضية مبدأ ومسؤولية... مبدأي في الحياة: كره مزمن للواسطة والمحسوبية.. لا أقبل أن يستزلمني فلان، أو يُحسب عليّ علان، وبعد فمنْ يطلبُ واسطة أو تزكية، فهو غير كفءٍ حتماً...‏

***‏

معتز كان يعتبر الدكتور خالد، مدرسة في الإدارة، مبدعاً في اختصاصه الفني إلى أبعد الحدود...‏

وكانا يحملان المؤهل العلمي نفسه. أثبت معتز أنه تلميذ نجيب، تفوَّق في أحايين غير قليلة على معلمه... كان مستودع أسراره وأرشيفها وخازنها الضنين، لا يبوح بأي حرف منها إلى أي مخلوق إنسي أو جني... لو تسنى لمعتز أن يسوِّد مئات الصفحات، التي تؤرخ للعروة الوثقى التي جمعتهما في الأفراح والأتراح، وفي المزالق والمهالك، لظل يكتب ذكريات لسنين طويلة، دون أن يفيها بعض حقها... توطدت علاقتهما، وأضحت حميمة للغاية، إثر حادثة مهمة، تعتبر مفصلاً في حياتهما الوظيفية، كانا فيها ظهراً وغطاءً لبعضهما... كُلف الدكتور خالد بمشروع اقتصادي حيوي يكلف مئات الملايين وأضحى المسؤول الأول عنه... وكانت علاقته تتوطد مع عدد من كبار العاملين في المشروع بمقدار ما يقدمه لهم.‏

لم يتصور يوماً أن يشيروا إليه بإصبع الاتهام، أو يدان أمامهم.. فودّهم مضمون، لقاء خدمات جليلة يومية.‏

ترأس يوماً اجتماعاً دورياً، ضمهم جميعاً، لتقييم ما أنجز من مراحل المشروع، واستشراف آفاقه المستقبلية.‏

فوجئ سيادته منذ بداية الاجتماع بالهمز واللمز إلى سوء الإدارة والإهمال، والتقصير في الإنجاز، ولغط عن صفقات مشبوهة...‏

تطلع في الوجوه ببلاهة، فأُرتجَ عليه وطاش صوابه، وانتحرت خيلاؤه وطاووسيته، وغادره يقينه متسللاً كحرام.‏

سحَ العرق ساخناً من جبينه، ارتجت أوصاله، نملت قدماه وتراخت ساقاه، لفَّه صداع حاد، تشققت أنفاسه حائرة، وهو المحدّث المفوه، المعروف بسلاسة الحديث وذرابة اللسان، والعبقري الفذ المنافح....‏

صمت طويلاً، يحاول استعادة توازنه، ويرسم ضحكة مصطنعة على شفتيه، لم يلبث بعدها أن اعترف بلهجة غير واثقة:‏

-"نعم هناك أخطاء قد وقعت، ومن يعمل يخطئُ ويصيبُ، أما الذي لا يعمل فلا يخطئ أبداً...‏

إننا بشر ولسنا آلهة.. ومع ذلك، فلطالما حذرتُ ونبهتُ وقرعت ناقوس الخطر، فلم يستجب لي أحد.‏

يد واحدة لا تصفق... الخطأ لا يقع على كاهلي أبداً".. سكتَ، وأدركَ بذكائه، أن منطقه ضعيف لا يقنع أحداً.. خاف، وذهبت به الظنون:‏

أن مؤامرة خبيثة، قد حاكها أعداؤه في الخفاء للتخلص منه، وما جمهور المجتمعين إلا أدوات لهم... فلامَ نفسه: كيف وثق بهم لسنوات طويلة؟! في النهاية أحب أن يقامر ويبحر في ظلمات بحار مجهولة، فلم يعر انتباهاً للعّاب الذي جفَّ في حلقه. حاول أن يبحث عن أمل، أو يتعلق بقشة تنجيه من الغرق، أو تخفف عنه عذابه على الأقل، فلربما وقعت معجزة، وأنقذتْ هشاشةَ موقفه...‏

التفت إلى مدير مكتبه وقال:‏

معتز، أحضر لي من فضلك، المصنف رقم /114/، فعلى ما أذكر، فيه كل الوثائق والبيانات المطلوبة. أدرك معتز ببديهته الحاضرة. التي لا تفارقه أبداً، أن معلمه يحتاج فسحة من الوقت، لالتقاط أنفاسه، والتفكير في مخرج محبوك، فهو يعرف جيداً أن لا وجود لمثل هذا المصنف على وجه الأرض...‏

غادر قاعة الاجتماعات مثل أرنب مفزوع جفلت قوائمه... وما إن أصبح وحيداً بعيداً عن الضوضاء، والمماحكات الكلامية، حتى بدأ يفكر بروية وهدوء... نادى على الحاجب وطلب منه شراء المرطبات الفاخرة للضيوف، علَّ البرودة تسري في الأجساد والنفوس، فتطفئ الأنفاس الحارقة وغلواءها... دلف إلى الأرشيف على أقل من مهله، زرعه جيئة وذهاباً مرات ومرات، تعمَّد إضاعةِ الوقت... ثم تناول "غلاسوراً"، لا على التعيين، مكتظاً بأوراق معاملات قديمة، مسحه، ولمَّعه، ثم تناول قلم تخطيط عريض، وكتب بخط واضح، المصنف /114/ هام وسري للغاية، وقَدَحتْ ضربات قلبه ثانية كموجات عاتية في بحر هائج..‏

-عجل... بني... ادخل... لقد طال انتظارنا...‏

كانت عينا سيادته تومضان قلقاً وتوجساً، ترامقان المصنف، تنتظران المعجزة، والخوف مستعِمرٌ همجيٌ لا يرحم...‏

زاغت عينا معتز، وأحس هواء ثقيلاً يضغط على صدره.. ضاقت عليه نفسه، كيف ينقذ معلمه، الذي تقزَّم وتلاشى، ولم يبقَ منه سوى نظرات متوسلة كليلة...‏

كاد أن ينكُصَ على عقبيه، يرمي المصنف أرضاً، ويهرب ناجياً بجلده، لولا أن لمعت في ذهنه فكرة شيطانية، حاول أن يقامر عليها، علّها تشعل النار في رماده الخامد...‏

فتح المصنف بسرعة، قلّب فيه بضعة أوراق، سمع صراخاً من كهف أسراره الدفينة، كاد يضطرب لَهُ ثانية، لكنه تماسك..‏

تسمَّرَ في مكانه واقفاً، رسمَ على وجهه أقصى إمارات الجدية والاهتمام، نفذت أشعة كوكبية من عينيه اخترقت الأوراق المتزاحمة أمامه. ضرب بمجمع كفه عليها ثم قال بلهجة متزنة:‏

-الوثائق كلها أمامي هنا!!‏

ثم قرأ من أعماق ذاته- بسرعة عجيبة وبطلاقة غريبة- وعيناه تلتحمان بالأوراق: الكتاب رقم... تاريخ... موقع من الدكتور خالد موجه إلى السيد رئيس مجلس... مرفق بصورتين إلى السيدين محافظيْ...‏

إن تأخر وصول الشحنات من المواد التالية... إلى مرفأي اللاذقية وطرطوس كما هو منوه عنه في الكتب الخمسة المرسلة سابقاً -المرفقة أصولاً- والمؤكد عليها في كتابنا اللاحق، والكتاب الفوري الموجه إلى السيد مدير الشؤون الفنية.. سيؤدي إلى الخسائر التالية... أولاً.. ثانياً... عاشراً... ومرفق به صورة إلى مدير مجمع الإنشاءات الهندسية...‏

ثم قلَّبَ عدة صفحات وقرأ المضمون نفسه مرسلاً "بالتلكس"ثم مؤكداً عليه" بالفاكس "إلى مجموعة الشركات في بلد المنشأ، يحمُّلهم فيه العطل والضرر‏

وغرامة التأخير...‏

سكتَ، ثم تخطى الرقاب، مهرولاً بسرعة، ناول الدكتور خالد المصنف، ولم يفته أن يرسل نظرة خاطفة من بين سطور الأوراق المبعثرة، ليرى ابتسامة عريضة طافحة بالبشر والسعادة، وقد تدفقت من شفتيه...‏

سالت الفكرة في دماغ الدكتور خالد كماء زمزم لدى الحجيج في لظى شهر آب.. قلّب سيادته مجموعة أخرى من الأوراق، أغمض عينيه نصف إغماضه، وقد شعر بلذة عارمة... انطلقت بصيرته إلى آفاق رحبة، وأخذت الأفكار تترى في مخيلته... فقرأ بسرعة مذهلة عناوين هامة للكتب "فوري، سري جداً" فيها كافة الحلول والحجج والبراهين وصكوك براءته.. لم تستغرق العملية أكثر من دقيقتين...‏

أغلقَ المصنف، ناوله إلى معتز:‏

-خذ يا بني، أرجعه إلى محله..‏

ذُهل المجتمعون وفغرت أفواههم، وكأنهم في غيبوبة، صعقتهم المفاجأة، لم ينتبهوا إلى معتز، وقد طار بالمصنف، ورماه خارجاً، ثم عاد كلمح البصر يجلس إلى جانب معلمه بهدوء.‏

وقبل أن يستفيق أيٌّ منهم من هول هذا الهجوم الصاعق المباغت، ويستعيد زمام المبادهة، أو حتى يتسنى له الوقت كي يفكر أو يناقش أو يجادل...‏

سارع معتز، وبادر على الفور مخاطباً رئيس الاجتماع باسمهم:‏

-سيدي، الجميع شاكر لكم هذه الإيضاحات المهمة المقترنة بالوثائق، التي أزالت كل التباس، وأجابت على كل التساؤلات... ثم التفت إلى المجتمعين:‏

-أيها السادة، هلا شرعتم في الانتقال إلى البند الثانيْ من جدول الأعمال، المتجسد في مناقشة الخطوات التنفيذية المقبلة لإنجاز المشروع، واستشفاف آفاقه المستقبلية...!!‏

* * * *‏

تجاوزت الساعة منتصف الليل، قدما معتز تنزلقان في ظلمة الشوارع، تخزهما الأشواك، تتداخل خطواته وقد براها الإنهاك، وتتقصف رجلاه من تحته، أنياب انهزامه تنهش قلبه. سقطت روحه مضرجة برصاص الغدر، وقد جلدها القهر. أحس أن كل قطرة من دمه قد تخثرت، وألا مأوى لجراحه أبداً..‏

فتحت الخفافيش باب ذاكرته، عاصفة سديمية تهب في تلافيف دماغه، ما جرى لا يكاد يصدقه أو يفهمه. طيف شاحب يلتهم روحه، إنه مجرد كابوس، ليس إلا، مضى إلى غير رجعة "ملف خدمتي دُرس بعناية، وقع الاختيار عليَّ دون غيري، أنا الخبير الأهم في المؤسسة... سأثبت جدارتي، وخلال سنة أو سنتين، سأغدو الرجل الأول بلا منازع، سأركب سيارة فارهة من أحدث طراز، ومن حولي الخدم والحشم"...‏

أخذ يتأرجح على الخط الواهي الفاصل بين الحلم والحقيقة. اختلجت حواسه، مسته رعشة، رماها قبل ساعات على بوابة المؤسسة، وقد خرج منها مذعوراً كجرذ هارب.. الكون يحبس أنفاسه، الضباب يحاصره، يعلو اللغط، يميز بصعوبة صوت الدكتور خالد: شرف المهنة يد نظيفة، ونفس عفيفة صدوقة.. عجل يا بني ناولني الإضبارة /114/....‏

يصفعه من جديد صوت مدير المؤسسة: الدكتور خالد قال عنك بالحرف الواحد.. ينوس الصوت يغدو همسات تتماوت فيه كل نأمة... تمتد أصابع معتز بذهول وخوف إلى دهليز أذنيه، تحفر أخاديد فيه، ملمسهما غدا حطباً يابساً... يحتضنه صمت ثقيل، يطبق عليه، يسد عليه المنافذ، تعلو وجهه تكشيرة رعب، تختنق في لهاته صرخة فزع مكتومة: أَوَ يكونُ قد فقد سمعه إلى الأبد؟!!‏

تشرين أول 1999‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244