|
||||||
| Updated: Saturday, September 20, 2003 02:54 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
سيارة مع وقف التنفيذ الحبوب المهدئة أضحت هاجسه اليومي، يقضمها كحبات القضامة... سكنته التناقضات، وكادت تصرعه، خوفه من الفقر يزيد يوماً بعد يوم، يخرق جدران قلبه، يكاد يقفز من حنايا قفصه الصدري، رأسه حجر طاحون، يهرس أفكاراً نخرها السوس.. حاول أن يتماسك، شد بصعوبة ظهره المقوَّس، رفع قامته، ضغط براحة كفه على قلبه، لوح بقبضته في وجوه عياله. اختنق صوته، فأصابه العيُّ ثانية.... اختلطت أصوات النشاز في حديثه، فلم يعد بقادر عن الإفصاح عما يريد.... ذبلت جفونه، ارتخت مفاصله... يبدو أن الحبوب المنومة بدأت تجوب دورته الدموية... فهدأت حركته تماماً، وأغفى قليلاً.... * * * سأله الطبيب: مم تشكو؟! -الأرق يا دكتور يشلني، يقتلني... ثلاثة أيام بلياليها، ما ذاقت عيناي طعم النوم، القلق تسلل إلى صدري، كسبّحة كلما عددت ألفاً من حباتها، رفدتها ألف أخرى... أشباح برؤوس بشعة تندس تحت لحافي، تُدمي أطراف أصابعي، تكاد تبترها، تتسلل إلى أحشائي، فتطوقها بحديد محمى... تزرع أسهمها في صدري جروحاً غائرة نازفة، أحس رأسي قمة جبل، معمم بالثلج مسنن الرؤوس باللظى، أنهض فزعاً، أفتح عيني، أبسمل، أشعل زر النور، أحاول أن أحل رموز الشيفرة، بل قل الأحجية، فيرتج علي، وتستعصي... يعتورني هم مقيم، من أن تقصر يداي عن حماية ما استُودعته... سالت الدهشة على وجه الطبيب، وهو يرى مريضه، يتوسل إليه بمعاناة قتالة.. ولاحظ خيط اكتئاب نافر، يتسلل من جبينه إلى وجنتيه، ويحاصر عينيه... طمأنه قائلاً: قضيتُك بسيطة، المهم أن تبتعد عن المتاعب، وإجهاد الفكر، فكل عقدة ولها حل. وصف له حبوباً مهدئة ومنومة... ثم انفرد بزوجه جانباً، وطلب منها أن تهادنه وتسايسه إلى أقصى الحدود، حتى يقف على قدميه ثانية، ويتخلص من كدِّ شكوكه، ويستعيد اتزانه... * * * حسن موظف قديم، عنده ثلاثة شباب، عصاميون، منتجون، يكفونه مؤونة مصروفهم، ويساعدونه، ويوفرون فوقها "قرشين نظيفين".. يمتلك شقتين، غير منزله، صمَّد ثمنهما من الجمع والمنع، يؤجرهما غرفاً مفروشة بعشرين ألف ليرة شهرياً، أما زوجته، فشريكة لأخويها في مشغل للخياطة، هوايته المفضلة، اقتناص أية صفقة رابحة... سَجَّل على سيارة سياحية ودفع كامل أقساطها، وعلى أربع تلفزيونات، وخمس غسالات أتوماتيك، ويكتتب سنوياً على أطنان من البطاطا لدى مؤسسة إكثار البذار، ويبيعها في المواسم بأضعاف مضاعفة... عنده فلسفة خاصة للحياة: من سلم أمره للمال أراح الفكر والبال. مع مراعاة أعلى درجات الكتمان والسرية، فقد كان يخفي عن زملائه كل أسراره، ويشكو ضيق ذات يده وفاقته، ويهمس في سره "استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان".... بينما كان يردد على مسامع ابنه الكبير دروساً، يطلب أن يحفظها عن ظهر قلب، ويضعها نصب عينيه: اكتتب، ادفع الأقساط، انتظر دورك، الربح موفور ومضمون، أهمل "تنكات" الزيت والسمن الفارغة، جمّعها عندك، حتى تصدأ، انسها في القبو سنوات وسنوات. ستفاجأ يوماً ما، وقد ربحت فيها أضعافاً مضاعفة.... استلم سيارته السياحية من مرفأ طرطوس، طار عقله، توارى خلف ابتسامة، مسحتْ مقودها وواجهتها الزاهية. فاضت نظراته بإشعاعات طافحة بالبشر والحبور، امتطاها، وهو بين مصدق ومكذب، وقد تخثرت النشوة في حلقه، وأحس بفيض الرعشة ودفئها... همس سمسار في أذنه: -ثمانون ألف ليرة، رأسمالها عليك، وفوقه خمسمائة ألف ليرة حلال زلال.... مصمص شفتيه، سال لعابه، برقت ألحاظه، تحررت كلمة نعم من لهاته ثم اختنقت... صمت قليلاً ثم أجاب ببساطة: -سأستشير العيال، فلهم نصف حصة، وبعدها ستسمع مني خبراً يرضيك.... سأُتخم أعين العيال بطلعتها وصباها، وبريق لمعانها الأخّاذ... وعين الحاسد تبلى بالعمى... لن نمتطي صهوتها أمام الأهل والجيران... وفي الشام سأحظى بمربح أكبر حتماً..... -أنت غلطان، لن تشبع أعينهم منها، ومتى امتطوها، تولعوا بها، وعضّوا عليها بالنواجذ!! -عيب على الرجال، أنا عند كلمتي، خذها من هذين "الشاربين"... تمهل في سيره عن قصد، لم يتعدَّ الأربعين كيلو متراً في الساعة، فوصل بيته -كما خطّط -بعد منتصف الليل، كي لا يلمحه أحد من جيرانه... كانت زوجته وأبناؤها ينتظرونه في الشرفة منذ ساعات على أحر من الجمر، والسيارة أمنية غالية تتواثب في وجوههم وأفئدتهم... فبين فينة وأخرى، يهبون وقوفاً على أقدامهم، يهللون وقد تناهى إلى سمعهم صوت زمور يعزف لحناً شجياً... ثم يرتخون ويريحون على مقاعدهم، يصبّرون النفس ثانية، ريثما تحين ساعة الفرج.... ترجل منها كإمبراطور، فَعَلتْ أهازيجهم وزغاريدهم، وهرعوا نزولاً بمناماتهم، يتقاذفون ويتصايحون، لا يَدرون أين تهبط بهم أقدامهم... طوفوا حولها كما يطوفون بالبيت العتيق، وأخذوا يلثمونها ويضمونها و يتمسحون بها، كما تتمسح الهرة، بمن أطعمها للتو قطعة لحم دسمة... استيقظ على الضجيج عدد من الجيران، ووصلت إلى سمعه وسط الصخب عبارات التهنئة، فرد عليها باقتضاب وأضمرها في نفسه، حوقل وبسمل وقرأ المعوذات، ونفخها في وجوههم، فلربما كفته شر حسدهم، وهمس لنفسه بصوت يكاد لا يسمعه أحد: -اللهم لا أسألك رد القضاء، بل اللطف فيه.... ثم سكت معزياً النفس "لقد صرنا من علية القوم، وللأكابرية ضريبة سداها الحسد، ولحمتها عين صائبة لا تُبقي ولا تذر".. لم يتسن له ليلتها أن يفاتح العيال بما يجول في خاطره، فتركهم يسرحون ويمرحون... حتى إذا انبلج الصباح، هبَّ من ساعته، فاشترى شادراً على مقاسها، كممها فيه، ولم يدع لها أي متنفس... -عيب عليك يا رجل... مستورة والحمد لله.. وعندنا فضلة من مال... لقد حرمنا أنفسنا من متع الدنيا سنوات بطولها، حتى نسعد بسيارة عليها القيمة في آخر عمرنا، والعمر يعدو، ولا يعود.... لو كنا معوزين، أرحناك واسترحنا... لم يستطع منطقه المعوج، أن يصمد أمام النقاش الهادئ الموضوعي، الذي جابهه به العيال وأمهم، وشعر من طرف خفي أن حجتهم هي الأقوى... فضرب كفاً بكف، وشعر بقطرات مالحة في لسانه، و طعم الأسيد في لهاته.. لعن حظه العاثر وخالسه الندم، ولات ساعة مندم، "لقد أعمى الطمع بصيرتي، لو بعتها في طرطوس، لاستراح سندان رأسي من مطارقهم وحديدهم المحمى الذي يقرّعه ويحرقه".... أحس أن أهل بيته يحرمونه من مربح يسيل له اللعاب، فاحتدم الصراع في نفسه: من أخذ مالك فخذ روحه.. "لكنهم أهلي وعشيرتي".. ناطَحَ كوعل، ولم يفلح... فغدا نَزِقاً عصبي المزاج، لا يحتمل من يلاطفه بجملة: ما أحلى الكحل بعينك!!!! كبَّله شحه بقيود من فولاذ، فانزوى في غرفة منعزلة، بعيداً عن أهله وناسه، لا يكلم أحداً، أضرب عن الطعام، وامتنع عن الذهاب إلى عمله، وبخل عليه النوم فجافى جفونه.. خاف عليه أهل بيته أن يذهب عقله، أو يتفجر منه شريان أو وريد، أو يتقنفذ دماغه أو قلبه بجلطة دموية، حين راح يهذي بصوت مسموع: -المال شقيق الروح... من سرق مالك فاسرق روحه.. أتمنى أن أنام في الشارع، في حاوية الزبالة، على النوم بينكم، كلكم خونة متآمرون.. حملوه إلى طبيب نفسي حملاً، زرقه حقنة فعالة، نام على أثرها يوماً كاملاً... أظهر الدواء نجاعته، وشعر الجميع أنه بدأ يسترد عافيته، ورغبته في الحياة لم تعد كليلة، فقد نضحت بها عيناه... فتشاوروا من خلف ظهره، وتوصلوا إلى حل وسط يرضي الجميع: -رغم أننا نعيش في بحبوحة، والحمد لله، فالدنيا ليس لها أمان... لا نود أن ننسج أحلاماً من حرير، فلنكن واقعيين... نحولها إلى سيارة أجرة... زوج ابنتك الوحيدة سواق ماهر، يشتغل عليها من الفجر إلى المغرب... ترتاح من أعباء وظيفتك ساعات القيلولة، ثم تعمل عليها حتى منتصف الليل... السيارة الجديدة تدر مربحاً صافياً يتجاوز الثلاثين ألف ليرة شهرياً، في سنة أو سنتين، توفر المبلغ الذي أغراك به ذاك السمسار اللعين.... صهرُكَ سيصرف معظم أجره الشهري على ابنتك وأحفادك، وسنظفر بسيران يتيم في يوم عطلة، ولو مرة في الشهر.... أصغى بانتباه، سكت ملياً، غارت عيونه في محاجرها، قال معقّباً: نقلد المسعدين "بشحط النعال"... ردت زوجته على الفور: أجل.... نحن نرضى معك بأدنى حد معقول... عض على شفتيه، قطب جبينه، رمشت عيناه: أو تتصورون أن هذا الحل لم يخطر في بالي... لطالما فكرت فيه... واستشرت أولاد الحلال، من أصحاب الكار، الذين يخافون على مصلحتي مع الأسف -أكثر منكم... خمنوا بم أجابوني؟! غامت عيونهم من جديد.... وانفلتت خيوط التفاؤل من وجوههم، وحل محلها تساؤلات، يعرفون سلفاً أن رده عليها سيكون عقيماً، يجلب الكآبة والسأم، فسكتوا ولم ينبسوا بحرف، وظلوا واجمين، كأن على رؤوسهم الطير.... قال: مالكم لا تنطقون!!... حسناً، أنا سأضع النقاط على الحروف.... الحقيقة ببساطة أن كل صهر طامع في بيت "حماه"، والمال السائب يعلم الحرامي السرقة... صهركم العزيز سيمتلك السيارة هو وأهله، وسيحرمكم منها.... هذا وحده لا يهم كثيراً!!.. قطع حديثه فجأة، فاشرأبت إليه الأعناق، وتعلقت به الأنظار، تنتظر بلهفة ماهو أشد وأنكى... تلمظ، عبس في الوجوه، قال بجدية قاسية: صهركم سينزل على رأسي بفواتير الإصلاح مما هب ودب، خربت علبة السرعة، انثقب "الكاربراتير" جفت البطارية... "كربج الموتور"، خرب "الدوزان"، اهترأت الإطارات... قاطعه أحد أبنائه: حتى لو فرضنا -جدلاً- أنه حرامي، فلن يستطيع فعل ذلك.. فالسيارة جديدة، ولا يمكن أن تقع فيها مثل هذه الأعطال الكبيرة قبل عدة سنوات... هز رأسه، وضحك ضحكة مقتضبة: أنت غشيم، من أين لك أن تدرك حكمة شيوخ الكار؟! طبعاً هو أذكى من ذلك!! إنه بكل بساطة، سيستبدل بقطع السيارة الجديدة، قطعاً قديمة، لن تخدم سوى أسابيع أو أشهر محدودة... سيحملها إليك بيديه ويرميها أمام عينك لتراها، خربة صدئة غير صالحة للاستعمال... لم تعجبه نظرات الدهشة والاستغراب، التي صفعه بها الجميع، فقام يرتدي ثيابه على عجل يتمتم لنفسه: كشفُ الحساب بنهاية كل شهر، خسارة تربو على الأرباح... لن أفاجأ أبداً، إذا ما جاءني صهري العزيز، ذات يوم، وقد غطت عيونه دموع التماسيح، ليسلمني السيارة وهي خردة لا تساوي قرشاً واحداً.. ومع ذهول عياله ونظراتهم التي اخترقته كالسهام الحادة، فنفذت إلى قلبه، وخرجت لتنكسر على جدار البيت من خلفه، قام من ساعته، نزع البطارية، ورفع السيارة عن الأرض، و "شودرها" ثانية، وحلف يميناً مغلظة أن يجعلها مثل بيت "الوقف"... * * * آب 1998 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الاعضاء | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |